lundi 9 février 2026
فن وثقافة

فاطمة الزهراء محفوظ: كوكاس يرسم خرائط سرية للسفر كتمرين على الخسارة والدهشة في "تيه المرايا وسفر الظلال"

فاطمة الزهراء محفوظ: كوكاس يرسم خرائط سرية للسفر كتمرين على الخسارة والدهشة في "تيه المرايا وسفر الظلال" فاطمة الزهراء محفوظ

يتقدم كتاب "تيه المرايا وسفر الظلال" كنصّ تأملي ـ سردي حول موضوعة السفر كتجربة وجودية عميقة تحوّل الترحال من انتقالٍ في الجغرافيا إلى حركة في الوعي، ومن عبورٍ بين المدن إلى مساءلة الذات في مرايا الغربة. ينطلق عبد العزيز كوكاس في كتابه الجديد الصادر عن دار منشورات خطوط وظلال الأردنية، من لحظات عابرة في المطارات والمحطات والمرافئ ليبني كتابةً تتقدّم في اتجاه الداخل أكثر مما تتقدّم نحو الخارج، كتابةً تجعل من التيه مُعلّمًا يربّي الحواس على التواضع، وفي الخسارة نعمةً تخلّصنا من يقينٍ كسول.


يقترح الكتاب ما يمكن تسميته بـ"الميتا رحلة"، سفرا داخل السفر، حيث تصبح الأمكنة عتبات لكشفٍ أعمق يحدث في اللغة والجسد والهوية. لا يصف الكاتب المدن والدول بقدر ما يُفكّكها.. تتحول الفنادق في الغربة إلى غرف اختبار للهوية، والمرايا أدوات تعرية للذات في مواجهة الآخر، والحقائب مستودعات لهشاشاتنا، أنيقة من الخارجة جريحة في الداخل، والمطارات برازخ حديثة بين ما كنّاه وما نصير إليه. في هذا الأفق، يتقدّم النص على هيئة شذرات سردية وتأملات شعرية وحوارات فكرية، تتجاور فيها اليوميات مع الفلسفة، والحكي مع الشعر، لتصنع نسيجا كتابيا عابرا للأجناس، يُربك التصنيف الأجناسي الكسول ويقترح تجربة قراءة مفتوحة على الأسئلة المزلزلة.
تنبع قوة كتاب "تيه المرايا وسفر الظلال" من لغته: لغة شفافة مشبعة بروح التأمل، قادرة على التقاط التفاصيل الصغيرة ومنحها كثافة دلالية. حقيبة السفر، مرآة الغرفة، رائحة مطعم في زقاق بعيد، صمت غرفة فندقية، وجوه الغرباء في محطة قطار… أشياء يومية تُستدعى بوصفها علامات على تحوّل داخلي. حيث يتحول السفر إلى تمرين على اللايقين، مصالحة مع الهشاشة البشرية وانكسار لطيف لصورة الذات الواثقة. يكتب كوكاس عن الضياع بوصفه شرطا للمعرفة: حين نضيع، نرى أكثر، وحين نفقد الاتجاه، نتعلّم الإصغاء.


ينسج الكتاب قوسا سرديا يبدأ من محطات الانطلاق وينتهي بالعودة إليها، لكن العودة هنا ليست استعادةً للروتين الذي الفناه ولكها مواجهةً لما تغيّر. فالسفر، في هذا المنظور بما نفقده ونحن نعود من كل سفر: بعض يقيننا، بعض غرورنا، بعض تصوّراتنا الجاهزة عن العالم والآخر. لذلك تتجاور في النص قضايا الهوية والذات والآخر مع أسئلة الجمال والفن واللغة والذاكرة، في تواشج يجعل من الترحال مختبرا أنثروبولوجيا ونفسيا وفلسفيا في آن.


يأتي هذا العمل في تخوم الصحافة والأدب معا، إذ يحمل أثر عينٍ صحفية دقيقة في التقاط اليومي والهامشي، لكنه يُعيد صياغة هذه المادة بوعيٍ جماليّ يُخضع الخبرة للغة السرد والتأمل حيث تتجاور التجربة الحية مع التخييل، وتتحوّل المشاهدة إلى كتابة، والكتابة إلى مساءلة للواقع. سيجد القارئ نفسه أمام نصّ يشترط قراءة ترابطية، ويدعو إلى إعادة القراءة، لأن نهاياته زائفة بالمعنى الجميل: كلّ نهاية تعيد القارئ إلى البداية، وكلّ مدينة تقوده إلى مرآة أخرى.


يبدو كوكاس في كتابه الممتع "تيه المرايا وسفر الظلال" كمن يُعيد تعريف السفر بوصفه فعلًا أخلاقيا ومعرفيا، تمرينا على التواضع أمام اتساع العالم، وعلى قبول الهشاشة وعلى تحويل الخسارات الصغيرة إلى دروس في الوعي. إنه كتاب عن التحوّل الذي يُحدثه العبور في نظرتنا للأشياء، وعن الفوضى الجميلة التي تُربّي فينا حسّ الدهشة. لا يَعِدُ هذا النصّ إلا بالتيه وتقبل الخسارات ويعلمنا فضيلة الصمت، يعلّمنا كيف نمشي ونحن لا نملك خريطة كاملة، كيف نُكرم المؤقت ونصغي للغريب، ونترك للتيه أن يُعيد ترتيب داخلنا غير المنظم بفعل رتابة اليومي والمألوف. بذلك، يقترح الكتاب أخلاقيات جديدة للترحال: أن نسافر لننزع عن ذاكرتنا طبقات من البلادة، أن نسافر لنعود أقلّ صخبا وأكثر قربا من هشاشتنا، وأشدّ استعدادا لأن نرى العالم بعيونٍ تعلّمت فضيلة الضياع، أمتعني هذا الكتاب حقيقة، أذهلتني لغته ورؤاه، والكتاب الذي لا يزعزعك لا يستحق أن تسافر فيه ومعه حتى ولو كان حول السفر.