jeudi 5 février 2026
رياضة

أنور الشرقاوي: متلازمة «براهميكا».. حين تضع ركلُة جزاءٍ واحدٍة العقلَ تحت الاختبار

أنور الشرقاوي: متلازمة «براهميكا».. حين تضع ركلُة جزاءٍ واحدٍة العقلَ تحت الاختبار الدكتور أنور الشرقاوي، خبير في التواصل الطبي والإعلام الصحي واللاعب إبراهيم دياز

ركلة جزاء واحدة. ثوانٍ قليلة. كرةٌ لم تجد طريقها إلى الشباك. وفجأةً، أمةٌ بأكملها تحبس أنفاسها أمام حركة لم تكتمل.

 

ركلة الجزاء الضائعة أمام السنغال، والتي كان يمكن أن تُهدي المغرب كأس إفريقيا 2025، خرجت سريعًا من دائرة الرياضة الضيقة لتدخل مجالًا أكثر اتساعًا وتعقيدًا: مجال النفس البشرية، حيث تتقاطع الضغوط الفردية مع المشاعر الجماعية.

 

ركلة الجزاء هي، بلا شك، أكثر امتحانات كرة القدم الحديثة قسوةً على المستوى الذهني.

اللاعب يقف وحيدًا، معزولًا، في مواجهة الحارس، لكن الأهم في مواجهة عيون ملايين المتفرجين.

الجسد يعرف الحركة، حفظها وكررها آلاف المرات، لكن العقل يغرق فجأة في وعيٍ حادّ بحجم الرهان.

وفي تلك اللحظة الدقيقة، قد تتعطل الآلة.


إضاعة ركلة جزاء في هذا السياق ليست دليل هشاشة نفسية، بل تعبير محتمل عن فيضٍ عاطفي بالغ الشدة.

من الضروري التمييز بين الهشاشة النفسية وبين الصدمة الانفعالية الحادة.

الشخصية الهشة فعلًا قد تنهار بعد إخفاق كهذا، تغرق في اجترار الفشل، تفقد الثقة، ويتأثر أداؤها على المدى الطويل.

 

غير أن مسار إبراهيم دياز الأخير لا يشير إلى ذلك إطلاقًا. بل على العكس تمامًا. فبعد أيام قليلة من هذه اللحظة المؤلمة، تألق اللاعب مع ريال مدريد في مباراة عالية المستوى أمام رايو فاييكانو، وقدم تمريرة حاسمة لڤينيسيوس قادت إلى هدف الفوز.

 

على المستوى النفسي، هذا الارتداد السريع دالٌّ للغاية. إنه يعكس قدرة على عزل الفشل، وعدم السماح للحظة واحدة بأن تُعرّف المسار بأكمله، والحفاظ على تقدير ذاتي متين يتيح الاستمرار في الأداء بأعلى المستويات.

هذه الاستجابة تُجسّد ما يُعرف بالمرونة الذهنية، وهي سمة مشتركة لدى رياضيي النخبة.

تحويل إخفاق كبير إلى طاقة إيجابية بدل أن يتحول إلى عبءٍ عاطفي، هو أحد مؤشرات الشخصية المتوازنة والمنظمة.

 

هنا يصبح الملعب فضاءً لإصلاحٍ رمزي، تُستعاد فيه الثقة عبر الفعل، لا عبر الكلام.

وتزداد كثافة هذا الحدث حين نضعه في سياقه الإفريقي.


في إفريقيا، كرة القدم ليست مجرد لعبة. إنها هوية، وكبرياء، وذاكرة جماعية. اللاعب لا يمثل فريقًا فقط، بل يحمل على كتفيه انتظارات شعبية، وأحيانًا ما يشبه القدر الوطني.

 

إضاعة ركلة جزاء في هذا السياق لا تعني تفويت تسديدة فحسب، بل الإخفاق رمزيًا أمام جماعة بأكملها.

هذه الحمولة العاطفية تنعكس كذلك على المستوى الجماعي.

 

فالخيبة الوطنية قد تؤدي إلى مثالية مفرطة في صناعة الأبطال، يعقبها سقوط حاد عندما لا تأتي النهاية كما كان مأمولًا. وحينها، تشتد الرغبة في البحث عن مسؤول واحد " كبش الفداء".

غير أن كرة القدم، في جوهرها، عمل جماعي، محكوم بسلسلة قرارات، وفرص ضائعة، ومصادفات يتقاسمها الجميع.

 

إن نضج أمةٍ رياضيًا ونفسيًا يُقاس أيضًا بقدرتها على تقبّل الفشل دون البحث عن كبش فداء، وبالاعتراف بقيمة اللاعب لا من خلال لحظة واحدة، بل عبر مساره الكامل وقدرته على النهوض.

وإذا كان لا بد من معنى لـ«متلازمة براهميكا»، فهو ليس هشاشة ذهنية، بل عنفٌ عاطفي تمارسه رياضة المستوى العالي.

 

تذكيرٌ بأن حتى الأفضل قد يتعثرون تحت الضغط، وأن القوة الحقيقية تكمن في كيفية الرد بعد السقوط.

إبراهيم دياز لم يسمح لركلة جزاء واحدة بأن تُحدد هويته الرياضية أو مسيرته. لقد أجاب فوق الميدان، بعقلٍ صافٍ وأداءٍ مقنع. وربما كانت تلك، في النهاية، أهدأ الانتصارات… وأعمقها.


براهيمكا، نسبة للطريقة التي قدف بها دياز ضربة الجزاء. 
وكان اول من ابتدع هذه الطريقة لاعب من تشيكوسلفاكيا سابقا و اسمه انطوان  بانينكا سنة 1976 خلال نهائيات كأس أوروبا المقامة ببلغراد