mardi 3 février 2026
كتاب الرأي

بنسعيد الركيبي: فيضانات الشمال.. الدروس المستخلصة

بنسعيد الركيبي: فيضانات الشمال.. الدروس المستخلصة بنسعيد الركيبي

يبدو أن فيضانات الشمال قد أعادت طرح الأسئلة المؤجلة بحدة ووضوح، ووضعت الفعل العمومي أمام امتحان الواقعية. ما يقع اليوم أمام أعيننا هو لحظة كشف جماعي،  أبرزت أن الماء لازال،  رغم سنوات الجفاف الاستثنائية، يعتبر فاعلا مركزيا في تقييم السياسات المجالية. وأن الأمطار حين تشتد تتحول إلى أداة قياس دقيقة لسلامة الاختيارات السابقة. ولعل أول الدروس الواجب استخلاصها، يتمثل في أن الخطر معروف جغرافيا وتاريخيا، وأن خرائط التهديد كانت متاحة، غير أن تفعيلها داخل مؤسسات القرار ظل محدود الأثر. والمجال الذي يعرف مسارات أوديته ومناطق امتصاصه، يحتاج تخطيطا يصغي للذاكرة الطبيعية ويترجمها إلى قواعد ملزمة.

والدرس الثاني والخطير، فيرتبط بالتعمير حين يتوسع خارج منطق السلامة. ذلك أن البناء قرب ضفاف الأودية وطمر البحيرات والمناطق الرطبة راكم هشاشة صامتة تحولت مع أول اختبار إلى خسائر بشرية ومادية. فالتهيئة التي لا تدمج المعطيات الهيدرولوجية تجعل من الاستثمار مخاطرة جماعية وتضع السكان في مواجهة مباشرة مع السيول. وهنا تبرز الحاجة إلى مراجعة وثائق التعمير على ضوء المخاطر الفعلية واعتماد حلول تحترم قانون الطبيعة لتضمن للمجال قدرته على الامتصاص والتكيف.

والدرس الثالث فيخص الحكامة وتنسيق المتدخلين، حيث أن الجاهزية تتطلب سلاسة القرار وتدريبا مشتركا وسيناريوهات تشغيل واضحة قبل وقوع الطوارئ. وبناء منصات قريبة للمخزون والاحتياطات. وتفعيل آليات الاستباق لتقليص الزمن الفاصل بين الحدث والتدخل للحد من الخسائر.
واما الدرس الرابع فهو ثقافي وتربوي، يجعل من الوقاية ثقافة قبل أن تكون بنية. حيث التكوين على الإسعافات الأولية وتنظيم الإيواء، والتصرف في الأزمات يرسخ سلوكا جماعيا مسؤولا ويحول المواطن إلى شريك في الحماية. ناهيك عن الاستثمار في مراكز متعددة الوظائف تؤدي أدوارا تربوية واجتماعية في الزمن العادي" مراكز المخيمات الصيفية" وتتحول إلى مراكز إيواء عند الطوارئ يعزز المرونة ويحقق نجاعة مستدامة.

إن فيضانات الشمال تضع أمام الجميع مواطنين ومسؤولين وجمعيات، دروسا عملية واضحة تدعونا إلى تحويلها إلى اختيارات تخطيطية وسياسات عمومية، ترسخ قدرة جماعية على مواجهة الاخطار وتجعل من كل موسم مطير لحظة لقياس الجاهزية وتعزيزها، بدل أن يتحول إلى موعد متجدد مع الخسائر.