mardi 3 février 2026
كتاب الرأي

عثمان بن شقرون: طنجة الدولية.. حين تصير الماسونية لغةَ النخب في مدينة بلا مركز

عثمان بن شقرون: طنجة الدولية.. حين تصير الماسونية لغةَ النخب في مدينة بلا مركز عثمان بن شقرون

سوسيولوجيا العالم المجهري وتعدد السيادات

لم يكن حضور الماسونية في طنجة خلال النصف الأول من القرن العشرين حدثًا استثنائيًا أو طارئًا، بقدر ما كان نتيجة شبه طبيعية لظروف تاريخية وجيوسياسية جعلت من المدينة فضاءً رماديًا بامتياز؛ تتقاطع فيه السيادات، وتتداخل فيه المصالح خارج القوالب التقليدية للدولة القومية. فطنجة الدولية، منذ إقرار نظامها الخاص سنة 1923، لم تكن مدينة تفتقر إلى المؤسسات، بل كانت خاضعة لتعددية إدارية وقانونية معقدة، موزعة بين جاليات القوى الاستعمارية المتكالبة عليها. وفي ظل هذا النظام الذي وزع تدبير المدينة بين لجان مراقبة ومجالس تشريعية متباينة الولاءات، غاب المركز السيادي الواحد الذي يمنح المجتمع هويته الجامعة. ومن هنا، برزت الحاجة إلى شبكات غير رسمية تعمل كقنوات تواصل أفقية؛ وفي مقدمتها الماسونية، التي لم تكن تنظيماً سرياً غامضاً، بل إطاراً أخوياً رمزياً وفّر للنخب الوسيطة آلية للتماسك والانسجام وسط هذا التعدد المؤسساتي المشظى، محولةً المدينة إلى عالم مجهري سياسي واجتماعي بامتياز.

 

سوسيولوجيا ما بين الحدود والمنقذ من الغثيان الوجود

في هذا السياق تحديدًا، وجدت الماسونية شروط ازدهارها كحلقة وصل داخل مدينة بلا مركز. لقد أفرز تعدد السيادات، وتداخل صلاحيات القنصليات، حاجةً ملحة لدى النخب العاملة (دبلوماسيون ومحامون ورجال المال والأعمال ومترجمون، وصحافيون) إلى شبكات ثقة أفقية. هذه الفئات، التي كانت تتحرك في الفراغات القانونية بين الإدارات الدولية، لم تكن تجد في المؤسسات الرسمية المتشظية حمايةً كافية. بمعنى أدق، كانت هذه النخب تشتغل داخل مناطق رمادية، حيث القانون موجود، لكنه غير كافٍ، والسلطة حاضرة، لكنها غير موحِّدة.

 

وهنا أدّت الماسونية وظيفة اجتماعية دقيقة؛ لم تكن سلطة، وإنا كانت وسيطاً رمزياً؛ ولم تكن أيديولوجيا صلبة، وإنما لغة مشتركة تتيح تجاوز الحواجز القومية. بعبارة أخرى، كانت الماسونية في طنجة نحوًا للتفاهم الاجتماعي أكثر مما كانت عقيدة سياسية مكتملة. إن بحث هذه النخب عن حاضرة أفلاطونية كان في جوهره محاولة للبحث عن منقذ من الغثيان الوجودي الذي خلفته الحربان الكونيتان في أوروبا. لقد أرادوا استبقاء طنجة كملاذ للتأمل ومستراح من حداثة الغرب المدمرة، مما جعل من الانتماء للمحفل طقساً لاستعادة المعنى في عالم فقد بوصلته.

 

المحفل والجريدة: حين يلتقي الرمز بالفضاء العمومي

لا يمكن فهم سياق هذه النخب دون استحضار الدور الريادي لطنجة كبوابة دخلت منها الصحافة إلى المغرب منذ منتصف القرن التاسع عشر، هذا التراكم الصحفي أفرز طبقة من المحررين الذين باتوا يستحوذون على المعلومة بوصفها العملة الأكثر خطورة وتداولاً في سوق التوازنات الطنجية. وهنا نشأ تقاطع لافت بين لغة المحفل ولغة الجريدة؛ حيث برز خطاب كوني يعلو على الانتماءات الضيقة، ويمجد قيم العقل والتسامح والتعايش، ويصور طنجة كنموذج مدني خارج منطق الصراع.

إن بعض الصحف الناطقة بالفرنسية والإسبانية كانت تعكس هذا النفس بوضوح؛ فالجريدة هنا لم تكن لسان حال المحفل بالمعنى التنظيمي، لكنها كانت امتداداً مدنياً لخطابه الأخلاقي. فما كان يُتداول رمزياً داخل غرف الأخوية المغلقة، كان يُصاغ لغوياً وفلسفياً في الفضاء العمومي عبر أعمدة الصحف؛ بمعنى أدق، لم تكن الصحافة لسان حال المحفل، بل مختبره المفتوح على المجتمع، مما ساهم في صياغة وجدان طنجي مشترك.

 

 جغرافيا المحفل وصراعات الأخوة

لم تكن الماسونية فكرة مجرّدة، بل كانت متموضعة جغرافيًا وعمرانياً داخل النسيج الحضري للمدينة. فالمحافل كانت تتمركز استراتيجياً بالقرب من مراكز الثقل كالأحياء الأوروبية والقنصليات والفنادق الكبرى والفضاءات الخاصة. هذا التمركز جعل من المحفل نقطة التقاء فعلية بين الصحافة والدبلوماسية والتجارة.

بيد أن هذا الزخم الصوفي لم ينجُ من صراعات الواقع؛ فطنجة كانت مسرحاً لنشاط استخباراتي مكثف، انعكس حتماً داخل المحافل التي أعادت إنتاج صراعات الدول الكبرى داخل طقوسها. فالمحافل المرتبطة بالشرق الأعظم الفرنسي لم تكن دائمًا على وفاق مع نظيراتها الإسبانية أو الأنجلوساكسونية. هذا التصدع يكشف حدود الماسونية؛ فهي كانت قادرة على خلق لغة تواصل، لكنها ظلت عاجزة عن صهر الولاءات الوطنية تماماً حين يحتدم الصراع على الغنيمة الطنجية.

 

بيان تفكيكي: أطروحة "الإمارة" ونفي السيادة الوطنية

يعتبر متن كتاب فيكتور فيرنيي  « منطقة طنجة الفريدة مظاهرها المختلفة، وما يمكنها أن تصبح لو... » بمثابة البيان التفكيكي الذي يرفع الستار عن المتخيل السياسي للنخب الدولية؛ فهو لا يكتفي برصد الواقع، بل يقدم رؤية استشرافية راديكالية تتنصل من الهوية الوطنية للمدينة لصالح أطروحة الكيان المستقل. إن عنوان الكتاب ذاته ــ «ما يمكنها أن تصبح لو…» ــ يكشف منذ الوهلة الأولى طبيعة المشروع الذي يحمله النص. فطنجة لا تُقدَّم كمدينة ذات تاريخ وسيادة عريقة، بل كمادة أولية، وكفضاء قابل لإعادة البرمجة، شرط أن تُستوفى الشروط التي تضعها النخبة الكونية باسم العقل والكونية. يحاول فيكتور فيرنيي هنا منح طنجة شرعية تاريخية مستمدة من نموذج المدن-الدول الأوروبية، محولاً إياها من ثغر مغربي إلى حلقة في سلسلة المصالح الغربية، حيث يقول موثقاً هذا الطموح:

«إن الازدهار الذي تجنيه من التبادل الحر كان مصدر هذه المحالفة التوتونية الناجحة... هذه المناطق الحرة التي تسير بطريقة ديمقراطية بواسطة مجلس تجارها تشكل دولا حقيقية ذات سيادة واكتفاء ذاتي».

 

إن خطورة هذا البيان تكمن في سعيه لسلخ طنجة عن مغربيتها عبر ابتكار شخصية معنوية هجينة، لا هي بالمغربية ولا هي بالاستعمارية الصرفة، بل هي يوتوبيا الإمارة التجارية التي تخدم النخبة العابرة للحدود. ويرسم فيكتور فيرنيي معالم هذا الانفصال الجذري عن المحيط السيادي للإمبراطورية الشريفة بقوله:

«على منطقة طنجة أن تشكل طائفة مستقلة، دولة صغيرة مستقلة وذات سيادة لها، مثل إمارة ليشتشتين وإمارة أندورا أو الدوق الكبير للوكسمبرغ، دستورها الخاص وعلمها وقوانينها».

 

هنا تكتمل ملامح المؤامرة الرمزية؛ وبعبارة أدق، نحن أمام مشروع نخبوي معلن في نصوصه، لا تخفيه السرية بقدر ما تبرره اللغة الفلسفية؛ فالأخوية الماسونية التي كانت توفر الثقة الأفقية بين النخب، تجد في أطروحة فيكتور فيرنيي ترجمتها السياسية الصريحة: تحويل طنجة إلى إمارة فلسفية وتجارية، معزولة عن عمقها الوطني، ومحكومة بدستور الأخوة والمصلحة بدلاً من قانون السيادة المغربية. ويصل بيان فيكتور فيرنيي إلى ذروته حين يخلع على طنجة رداءً صوفياً وأفلاطونياً بامتياز، متبنياً الأدبيات الماسونية الساعية لبناء الهيكل الإنساني داخل مجمع معماري ذي أعمدة:

 

« نتصور مجمعا مصمما على نمط مدرسة أفلاطون، حيث داخل معمار تُحيط به الأَعْمِدة وحسب الدُّروس ذات الشرف عند الإغريق، ستسود في آنٍ واحِد ثقافة الجسد والروح مع ثقافة الفكر، تهيئ الشباب على استضافة 'عصر البلَّوْر' هذا، الذي وُعد به الرجال ذوو الإرادة الحسنة».

 

إن عصر البلور هذا الذي ينشده فيكتور فيرنيي، هو التعبير الأدبي عن الوظيفة السوسيولوجية للمحافل التي حاولت صياغة إنسية جديدة تتجاوز الأعراق والأديان:

 

« لماذا حاضرة كهاته مفتوحة على كل رياح الفكر لا تصبح مأوى عصبة وحملة فلسفية وحرب مقدسة، والتي بدون تمييز بين الأعراق والديانات وبدون نزعة وطنية ضيقة ستجمع في زخم تقشفي وصوفي واحد كل الذين، إسبان وفرنسيين وإنجليز وأمريكان وعرب أنى جاءوا، يفهمون ضرورة التوحد من أجل محاربة هذه الشرور المشؤومة: المادية والوصولية والأنانية والمُتعية؟». لقد كانت طنجة، في هذا البيان««، هي «المنطقة التي استبقيت من طرف العناية الإلهية خدمة للتأمل»، وهي اليوتوبيا التي وفّر المحفل أروقتها الفلسفية.

 

صدمة الجغرافيا وزخم الحركة الوطنية

 أمام هذا التحليق الفلسفي في فضاء الإمارة المتخيلة، كان هناك ميزان حق يضبط إيقاع المدينة على الأرض؛ فبينما كان فيرنيي ينظّر لجنسية طنجية منبتّة الجذور، كانت الجغرافيا السياسية ترفض هذا البتر عبر صوت الحركة الوطنية المغربية الذي علا في طنجة بكل قوة. لقد كانت طنجة، في تلك اللحظة التاريخية، منبراً حراً للمطالبة بالاستقلال، حيث تحولت من مختبر للكونية الغربية إلى مركز للثقل الوطني؛ ففي أزقتها وشوارعها صِيغ خطاب الوحدة الذي تكلل بالزيارة التاريخية للمغفور له محمد الخامس سنة 1947، وهي الزيارة التي كسرت نهائياً أقنعة النظام الدولي وأعادت التأكيد على مغربية الثغر.

 

إن حضور النخبة المغربية في مشهد طنجة لم يكن تيهًا في يوتوبيا عصر البلور، بل كان حضوراً براغماتياً ونضالياً في آن واحد؛ بمعنى أدق، لم تنخرط هذه النخبة في حلم الانفصال، بل تعاملت مع أدوات العصر (بما فيها التواصل داخل المحافل أو عبر الصحافة) كأدوات تفاوض ومقاومة داخل واقع دولي ضاغط. فلم يبع المغربي هويته لصالح جنسية متخيلة أو إمارة أفلاطونية، بل استخدم الخصوصية الدولية للمدينة ليجعل منها منصة لمخاطبة العالم باسم الاستقلال والسيادة. لقد كان زخم الحركة الوطنية في طنجة هو الصخرة التي تحطمت عليها أطروحة فيرنيي؛ فمهما بلغت سطوة الرمز الماسوني، ظلت طنجة في الوعي الجمعي عاصمة دبلوماسية للمقاومة، مما جعل مشروع الدولة الصغيرة المستقلة يظل مجرد هذيان أمام حقيقة الانتماء التاريخي والسيادي للإمبراطورية الشريفة.

 

نهاية اليوتوبيا وتفكيك الحنين الرمادي

مع استقلال المغرب، سقطت الأقنعة وتداعت الأعمدة الأفلاطونية. لقد أثبت التاريخ أن يوتوبيا عصر البلور لم تكن سوى نبتة طفيلية ازدهرت في المسافات الفاصلة بين السيادات المتصارعة. إن الحفر في هذا التاريخ، واستنطاق نصوص فيرنيي عبر فعل الترجمة، لا يستهدف فقط التوثيق، بل يرمي بالأساس إلى تفكيك ذلك الحنين الغامض والرمادي الذي يروج له اليوم بعض العامة وشبه المثقفين إلى طنجة الدولية.

 

إن هذا الحنين، الذي يستحضر طنجة كفردوس مفقود للتعايش والكونية، هو في جوهره حنين لنموذج قام على بتر المدينة عن سيادتها الوطنية وتجريدها من هويتها التاريخية لصالح يوتوبيا عابرة. إنه حنين يغفل عن حقيقة أن تلك الكونية كانت امتيازاً لنخبة ضيقة تتحرك تحت حماية قنصلية وأخوية، بينما كان الواقع يغلي بالتكالب الاستعماري.

 

لقد انطوت صفحة طنجة الدولية، وبقي تاريخها درساً في كيف تبني النخب عوالمها الرمزية حين يغيب اليقين، وكيف تنهار تلك العوالم حين تشرق شمس الحقيقة الوطنية. إن شرط فهم الذات اليوم يمر عبر تحرير الذاكرة من هذا الاستلاب الرمزي، والتأكيد على أن طنجة لا تجد معناها في "لو" الشرطية التي حلم بها فيكتور فيرنيي، بل في كينونتها الأصيلة كقلعة مغربية، لا تحتاج لأقنعة دولية كي تطل على العالم.