ليس التوقف الشامل عن أداء مهام الدفاع مجرد رد فعل عابر على مشروع قانون ينظم المهنة، ولا هو نزاع مهني ضيق كما تحاول بعض القراءات السطحية أن تشيعه.
إن ما يجري اليوم هو تعبير عن قلق عميق على مصير العدالة ذاتها، لأن المساس باستقلال مهنة المحاماة لا يقف عند حدود المحامين، بل يمتد أثره إلى صميم حق المتقاضين في قضاء منصف ومحاكمة عادلة.
فالمحامي، في جوهر وظيفته، هو ضمير حي في محراب العدالة، وصوت المواطن حين تضيق به السبل، وضمانة من ضمانات توازن الخصومة وحماية الحقوق والحريات. وكل تضييق على دوره أو تحجيم لاستقلاله هو تضييق غير مباشر على حق المتقاضي في دفاع حر وفعال، وإضعاف لمناعة العدالة في مواجهة كل أشكال الشطط والتغول.
ورغم وضوح هذا البعد الحقوقي والوطني في أسباب التوقف عن العمل ورفض المشروع، تطفو على السطح محاولات للتشويش على هذا الشكل النضالي عبر اختزاله في كونه مطالب فئوية أو حسابات مصلحية. وهي محاولات لا تخلو من تعمد توجيه الرأي العام نحو قراءة مضللة تفرغ المعركة من مضمونها الحقيقي، وتصور الدفاع عن استقلال المهنة وكأنه دفاع عن امتيازات ضيقة.
والحال أن جوهر الاعتراض لا يتعلق بمكاسب مادية أو وضعيات مهنية ظرفية، بل برفض مقاربة تشريعية تمس بأدوار دستورية للمحاماة داخل منظومة العدالة، وبالدفاع عن حق المجتمع في قضاء متوازن لا تختزل فيه وظيفة الدفاع في هامش شكلي أو دور ثانوي.
وفي خضم هذا السياق المحتقن، تتهيأ الأسرة المهنية لوقفة الصمود المرتقب أن تكون محطة فارقة يوم الجمعة 06/02/2026 تحت شعار: "نضال مستمر من اجل محاماة مستقلة و عدالة حقيقية"، وقفة يراد لها أن تكون تعبيرا جماعيا عن وحدة الموقف وصلابة الإرادة، حيث يلتقي الشباب وقيادمتهم في مشهد واحد، لا يفصل بينهم جيل ولا موقع، بل تجمعهم قناعة مشتركة بأن الدفاع عن المهنة هو في عمقه دفاع عن العدالة.
ستكون وقفة بصوت مرتفع، لا صخبا فارغا، بل صدى لموقف واضح يرفض تمرير نصوص تضعف استقلال الدفاع وتفرغ دوره من محتواه، ويؤكد أن الإصلاح الحقيقي لا يبنى بمنطق الإملاء، بل بالحوار الجاد والاحترام المتبادل.
ولا يمكن إغفال أن التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية ليس خيارا سهلا ولا قرارا بلا كلفة.
فالمحامون يدركون أن هذا الشكل النضالي يحملهم أعباء مادية ومهنية مباشرة، ويضعهم أمام تحديات يومية قاسية. ومع ذلك، فإن الإصرار على الاستمرار فيه يعكس وعيا بأن ثمن الصمت على نصوص تضعف الدفاع أكبر من كلفة الاحتجاج عليها.
إنها تضحية تقدم باسم الوطن والعدالة، واختيار واعٍ لوضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات الظرفية، انطلاقا من قناعة راسخة بأن استقلال الدفاع ليس امتيازا للمحامين، بل شرط من شروط عدالة يراد لها أن تبقى قائمة على التوازن والإنصاف وحماية الحقوق.
ناجي الكتامي، محام بهيئة المحامين بطنجة