لم تكن النظارات الشمسية التي ارتداها ماكرون في منتدى دافوس سوى تفصيلاً عابثاً، بل إشارة صغيرة في مشهد أكبر بكثير. ليست هي بيت القصيد، ولا تستحق كل ذلك التركيز الإعلامي في حد ذاتها. ما يهم فعلاً ليس ما كان على عيني الرئيس الفرنسي، بل ما لم ينطق به لسانه: الذاكرة، والاتساق، والصدق السياسي. فالمسألة أعمق من إكسسوار، وأخطر من لقطة إعلامية؛ إنها مسألة نفاق جيوسياسي فج.
لم تكن الصورة تافهة إلا في ظاهرها. التفسير الرسمي كان طبياً: “وعكة بسيطة في العين أجبرته على ارتداء نظارات شمسية”. الإعلام تعامل مع المشهد كطرفة، أو مادة للميمات، أو تفصيل عابر. لكن في فضاءات السياسة العليا، لا شيء بريئاً. هناك، الإيماءة ليست صدفة، والملبس ليس راحة، والنظرة ليست شخصية. كل شيء رسالة… حتى ما يُفترض أنه “لا شيء”
النظارات الشمسية في الداخل تعني: لامبالاة، سيطرة، استخفاف بالقواعد. هي طريقة لقول: “أنا حاضر… لكنني لست على نفس المستوى من الانخراط”. وهذا ينسجم تماماً مع أسلوب ماكرون السياسي: سلطة استعراضية، كسر رمزي للقواعد لايجدي نفعاً، وإيمان عميق لديه بأن لديه القدرة على التحكم بالصورة. لكن النظارات لم تكن أمراً شكلياً. كانت جزءاً من مشهد متكامل. لأن الخطاب الذي تلاها لم يكن أقل غرابة.
ماكرون اختار في دافوس نبرة “نقد هيمنة الإمبريالية” والدعوة إلى التوازن والاستقلال. كلام جميل على الورق، مألوف لدى شعوب عاشت عقوداً تحت وطأة الاختلالات العالمية. لكن المشكلة دائماً في السياق.
دافوس ليس أرضاً محايدة. إنه الكاتدرائية السنوية للرأسمالية المعولمة، ومصنع الشرعية للنخب المالية والجيوسياسية. إلقاء خطاب “ضد الإمبريالية” هناك، بدعوة رسمية، وبمكبرات صوت النظام نفسه، ليس معارضة… بل عرض مسرحي.
أن ينتقد رئيس دولة إمبريالية بامتياز مثل فرنسا “الإمبريالية” في المحفل العالمي للإمبريالية، فذلك يستدعي قدراً عالياً من العبث… أو قدراً أكبر من النسيان المتعمد. ففرنسا ليست مراقباً خارجياً للنظام الإمبريالي، ولا ضحية بريئة له. هي أحد اكبر أعمدته التاريخية. من إفريقيا إلى الكاريبي، من الفرنك الإفريقي إلى القواعد العسكرية، من التدخلات السياسية إلى الوصاية النقدية، من هندسة التبعية الثقافية إلى تمويل الانقلابات، يصعب على أي مؤرخ جاد أن يضع فرنسا في خانة “المنتقد الأخلاقي” للنظام الذي ساهمت في بنائه، ومازالت تستفيد منه منذ عدة قرون. الفارق الوحيد اليوم أن هذا النظام لم يعد يبتسم لها كما كان يفعل سابقاً.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة: نقد ماكرون للإمبريالية لا ينبع من عداء لها، بل من كونه بدأ يكتوي بنارها. فرنسا لم تستيقظ فجأة على قيم التحرر العالمي، ولم تكتشف فجأة معاناة الجنوب. ما تغير ببساطة هو تراجع موقعها النسبي داخل السلسلة الغذائية للهيمنة الغربية.
لسنوات طويلة، كانت الولايات المتحدة تقود الغرب، وتمنح حلفاءها الأوروبيين هامشاً مريحاً: حماية أمنية، مظلة نقدية، ونظام تجاري يسمح للجميع بالادعاء أنهم “شركاء”. لكن مع التحول الأمريكي الأخير — لغة أكثر فجاجة، معاملات أكثر صراحة، وضغط مباشر على الحلفاء — بدأت أوروبا، وفرنسا تحديداً، تشعر بما شعرت به دول كثيرة قبلها: أن التحالف لا يلغي التراتبية، وأن الصداقة لا تمنع تقديم الفاتورة.
الولايات المتحدة اليوم تتحدث بنبرة مختلفة، فهي تمر بمرحلة انهيار نسبي بطيء لكنه يتسارع. فالإمبراطوريات لا تختفي فجأة؛ بل تضيق دائرتها. حين تعجز عن إدارة العالم، تبدأ في عصرنة استغلال محيطها القريب. ترفع الكلفة، تفرض الشروط، وتطالب الحلفاء بالدفع: مالياً، عسكرياً، وسياسياً. هذه ليست قسوة أخلاقية، بل منطق تراجع القوة.
هذا ليس انعزالاً بالمعنى الكلاسيكي، ولا انسحاباً ساذجاً من العالم كما يُقدَّم أحياناً في الخطاب الإعلامي. ما يحدث هو شيء أدقّ وأكثر قسوة: إعادة تحجيم مدروسة للقوة الأمريكية. الولايات المتحدة لا تغادر المسرح الدولي، بل تعيد رسم حدود تدخلها فيه بما يتناسب مع قدرتها المتناقصة على تحمّل كلفة الهيمنة الشاملة. نحن نشهد انتقالاً من وضعية الهيمنة العالمية إلى محاولة فرض هيمنة قارية بالحديد و النار، مصحوبة بنفوذ خارجي انتقائي يُستخدم عند الضرورة فقط. هذا السلوك ليس استثناءً تاريخياً، بل نمط معروف في المراحل المتأخرة من عمر القوى المهيمنة.
المؤشرات على هذا التحول عديدة ولا تخطئها عين الدارس لحركة التاريخ: عجز متزايد عن تمويل دور “شرطي العالم”، إنهاك داخلي سياسي واجتماعي من فرط الالتزامات الخارجية الطويلة، ارتفاع هائل في كلفة الردع عبر مسارح متعددة في آن واحد، وتآكل متسارع لشرعية الخطاب الذي قدّم الولايات المتحدة لعقود بوصفها “قائدة النظام العالمي”. القوة لم تختفِ، لكنها لم تعد قابلة للتوزيع السخي. ما يحدث هو تركيز للقوة لا تخلي عنها.
في هذا الإطار الجديد، تتغير طبيعة الهيمنة نفسها. الهيمنة القارية تعني أن الأولوية تصبح للأمن الترابي، وللسيطرة على المضايق البحرية الحيوية، وللاستقلال الطاقي، وللتفوق التكنولوجي، وللاستخلاص المالي. في المقابل، تتراجع فكرة ضمان أمن الحلفاء كخدمة مجانية، ويختفي الوعد بالقيادة المطلقة، ويتآكل الالتزام بضبط جماعي متعدد الأطراف. التحالفات لا تُلغى، لكنها تُفرَّغ من بعدها الأخلاقي وتتحول إلى علاقات معاملية صرفة، حيث تُقاس الحماية بما يُدفع، والولاء بما يُقدَّم. وهذا بالضبط ما بدأت أوروبا تكتشفه، متأخرة، وبكلفة نفسية عالية.
كابوس أوروبا الحقيقي ليس روسيا في حد ذاتها، بل حالة اليُتم الاستراتيجي التي وجدت نفسها فيها فجأة. لعقود طويلة، أُجبرت أوروبا على تفويض أمنها الصلب، وردعها النووي، وعمقها الاستخباراتي، للولايات المتحدة، على أساس افتراض غير مُعلن مفاده أن هذه الحماية دائمة وغير مشروطة. لكن ومع بدء انكماش القوة الأمريكية، وجدت أوروبا نفسها مكشوفة بلا ظهير، ومطالبة بتحمل مسؤوليات لا تملك أدواتها، ومتمسكة بقيم ومعايير لم تعد مسنودة بقوة إنفاذ. هذه ليست أزمة ظرفية، بل صدمة وجودية كاملة.
في مراحل الأفول، تصبح الإمبراطوريات أكثر شراسة و براغماتية. التاريخ يُظهر أن القوى المهيمنة حين تدرك تقلص قدرتها، تبدأ في تسييل ما تبقى من امتيازاتها: بيع الحماية، توظيف الطاقة، توسيع أنظمة العقوبات، واستغلال الهيمنة النقدية والمالية إلى أقصى حد. والأهم أن الاستخلاص لا يتم من الخصوم فهم أكثر شراسة، بل من الحلفاء فهم الأكثر طواعية، والأكثر اندماجاً قانونياً، والأكثر تبعية بنيوية. بهذا المعنى، يصبح الحلفاء التابعون آخر خزّان للريع السهل. هذا السلوك ليس خيانة أخلاقية، بل افتراس بنيوي في زمن التراجع.
اللافت أن الجنوب العالمي، الذي كان تاريخياً الهدف الأول لهذه الآليات، تعلّم بمرور الوقت كيف يتحوط، وكيف ينوع شراكاته، وكيف يبني غموضاً استراتيجياً يحميه من الابتزاز الكامل. أوروبا، على العكس، استبطنت التبعية، واستسهلت الاصطفاف، وفككت أدوات الاستقلال، ونزعت عن نفسها السلاح الفكري والمادي باسم “النظام القائم على القواعد”. والنتيجة أنها أصبحت قابلة للابتزاز بأقل كلفة سياسية. الولايات المتحدة لا تحتاج إلى إكراه أوروبا بعنف؛ فالاصطفاف الاعمى للقارة العجوز يقوم بالمهمة نيابة عنها.
في هذا السياق، لا يبدو دونالد ترامب حالة شاذة، بل كاشفاً لما كان قائماً. لم يغيّر المسار، بل أزال عنه المخدر الدبلوماسي. ما كان يُخفى خلف خطاب القيم، وتلطّفه المؤسسات، وتخففه اللغة المنمّقة، أصبح فجأة صريحاً، معاملاتياً، وبلا اعتذار. شعور أوروبا بالإهانة لم يكن ناتجاً عن القسوة في حد ذاتها، بل عن اكتشاف متأخر بأنها خلطت طويلاً بين الشراكة والتبعية.
في هذا السياق، يصبح الخطاب الفرنسي “ضد الإمبريالية” مفهوماً، لكنه مثير للشفقة. إنه خطاب من اكتشف فجأة أنه لم يعد في الصف الأول، وأن عليه أن يتحمل جزءاً من العبء الذي طالما حُمِّل للآخرين. هو غضب من تدهور الامتياز، لا ثورة على الظلم.
أما دافوس، فيبقى المسرح المثالي لهذا النوع من الخطاب. مكان يسمح بانتقاد النظام من داخله، دون أن يُمسّ النظام نفسه. فضاء تتحول فيه التناقضات إلى دليل “تعددية”، والاحتجاج إلى جزء من الديكور. هناك يمكن لرئيس دولة إمبريالية سابقة — أو حالية بصيغة مخففة — أن ينتقد الإمبريالية بحرية كاملة… لأن الجميع يعرف أن ذلك لن يغيّر شيئاً.
لهذا، لا يجب أن ننشغل كثيراً بالإيماءات، ولا بالنظارات الشمسية، ولا بالتفاصيل الشكلية. فالأعراض لا تهم بقدر المرض. والمرض هنا واضح: أوروبا التي طالما قدّمت الهيمنة في شكل قيم، بدأت تكتشفها اليوم في شكل فواتير. وفرنسا التي اعتادت لعب دور الواعظ، تجد نفسها مجبرة على الصراخ من الشكوى.
وفي السياسة، كما في الحياة، ليس أكثر إثارة للسخرية من جلادٍ يشتكي من السوط… فقط لأنه اصبح يرسم اللوحات على ظهره.
نبيل عادل، أستاذ باحث في الاقتصاد والعلاقات الدولية
عضو المجلس الوطني لحزب الحركة الشعبية