lundi 2 février 2026
اقتصاد

موسى المالكي: ميناء الناظور غرب المتوسط.. يرسخ الموقع الجيوسياسي للمغرب كقوة بحرية متوسطية مؤثرة على مسارات التجارة الدولية

موسى المالكي: ميناء الناظور غرب المتوسط.. يرسخ الموقع الجيوسياسي للمغرب كقوة بحرية متوسطية مؤثرة على مسارات التجارة الدولية ذ. موسى المالكي، منسق ماستر الجغرافيا الاقتصادية والسياسية لإفريقيا

يكثف المغرب الجهود بهدف تطوير مختلف الأبعاد الجغرافية المهيكلة للتراب الوطني، وفق مقاربة اقتصادية واستراتيجية مزدوجة الأبعاد داخلية وخارجية، تعزز ربط المغرب بمحيطه الإقليمي والإفريقي والأورومتوسطي وأيضا الأطلسي – الأمريكي. كما تعيد هذه المقاربة تشكيل جغرافيته الاقتصادية والسياسية وعلاقة مركز وقلب الدولة بالأطراف والمجالات الحدودية.

 

في هذا الصدد، ترأس الملك محمد السادس يوم الأربعاء 28 يناير 2026، اجتماع عمل بغرض الوقوف على تقدم أشغال إنجاز المركب المينائي "الناظور غرب المتوسط"، التوأم الاستراتيجي لميناء طنجة المتوسط الأول إفريقيا وعلى ضفتي البحر الأبيض المتوسط.

وقد نجح المغرب في تعزيز منظومته المينائية الوطنية، وفي ترسيخ موقعه الجيوسياسي، كقوة بحرية مؤثرة على مسارات التجارة الدولية على مضيق جبل طارق، والذي يمثل بوابة البحر الأبيض المتوسط على المحيط الأطلنتي وملتقى للتبادل بين عدة قارات.

وحيث يعيش العالم مخاضا جيو-استراتيجيا وجيو-اقتصاديا وجيوسياسيا عسيرا، تفقد فيه قوى تقليدية نفوذها، وتكافح فيه أخرى من أجل ضمان وجودها على خرائط النفوذ الدولي والإقليمي، فإن المغرب يسير بثبات وسط مختلف هذه التوترات وبين مخاطر عالم اللايقين، نحو ضمان موقع متقدم ضمن النظام الدولي الجديد طور التشكل.

إن الإطلاق التشغيلي للمركب المينائي والصناعي الجديد الناظور غرب المتوسط قبل نهاية السنة الجارية كما أكد ذلك بلاغ الديوان الملكي، من شأنه تعزيز الربط البنيوي للاقتصاد المغربي بسلاسل القيمة العالمية، نظرا لعدة اعتبارات نفصل فيها تباعا.

إن المشاريع المينائية الكبرى التي أطلقها المغرب على الواجهتين البحريتين المتوسطية (طنجة والناظور) والأطلنتية (الداخلة الأطلسي بالإضافة إلى تطوير ميناء الدار البيضاء)، ليست عبارة أن أوراش معزولة، وإنما تشكل مجتمعة منظومة متكاملة الوظائف والأبعاد، ومرتبطة بخطوط طاقية ومنصات صناعية، ومناطق للأنشطة الاقتصادية تسهل جلب الاستثمارات الدولية، واستقطاب كبريات الشركات العالمية المتخصصة في سلاسل قيمة مضافة عالية مثل صناعات السيارات والطائرات والطاقات المتجددة.

وقد صمم ميناء الناظور المتوسط حسب بلاغ الديوان المالكي، كمشروع مندمج وكمركب مينائي من الجيل الجديد، معزز بمنصة صناعية ولوجستية وطاقية متطورة، كما أنه سيقدم عرضا جديدا لمركز طاقي بفضل تجهيزه بأول محطة للغاز الطبيعي المسال في المملكة، بطاقة استيعابية سنوية تبلغ 5 مليارات متر مكعب، بالإضافة إلى محطة للمحروقات، بما يتماشى مع مقتضيات السيادة الطاقية للمغرب.

وبالانتقال إلى البعد المجالي، فإن الميناء يتمتع بحمولة استراتيجية قوية جدا على حدود المغرب الشمالية الشرقية مع الجزائر، وسيعيد الاعتبار للجهة الشرقية تنمويا وترابيا ويجعلها في قلب التحولات الكبرى التي يعرفها المغرب، دون أن نهمل أهمية القاعدة البحرية العسكرية بالقصر الصغير، فيما يتعلق بمراقبة وحماية وتأمين التجارة الدولية بالواجهة المتوسطية.

وفي نفس السياق، سيستكمل ميناء الناظور غرب المتوسط، عملية الإطباق الاقتصادي على ثغر مليلية الذي يتحول تدريجيا بمعية ثغر سبتة المحتلين من قبل إسبانيا، إلى مجرد عبء ثقيل على الدولة المحتلة، ويرجح أن يعجل دفع الجار الشمالي إلى التفاوض مع المغرب بخصوص إعادة السيادة للوطن الأم بطرق ديبلوماسية وسلمية.

لقد تأثرت بعض مدن ومراكز المغرب الشرقي بشكل سلبي بسبب إغلاق الحدود طيلة عقود بين المغرب والجزائر، نظرا لكونها مدن حدودية كانت تعتمد سابقا على اقتصاد الحدود (وجدة مثلا)، وسيسمح لها الميناء الجديد باستعادة الثقل الاقتصادي والديمغرافي والاستراتيجي. ويعزز هذه الدينامية المرتقبة، إعلان شركة "Yongsheng Rubber" الصينية عن إنشاء أول مصنع لها خارج الصين مخصص لصناعة الإطارات في المنطقة الحرة "بيتويا" بإقليم الدريوش باستثمار يصل إلى 675 مليون دولار.

ويؤكد هذا المسار أيضا، مضمون بلاغ الديوان الملكي، عندما نص على التعليمات الملكية السامية بالحرص على أن تستفيد من مزايا هذه الاستثمارات جميع الأقاليم الواقعة ضمن نطاق إشعاع الميناء، ومواكبة المشروع ببرامج للتأهيل الحضري بغية النهوض بالإطار المعيشي بالمنطقة، وإنجاز مخطط عمل متعدد الأبعاد يؤمن التنمية المستقبلية للمشروع.

ونلاحظ أنه بالتدريج، يتم إعادة الاعتبار لأقطاب جهوية لم تحظ بالأولوية بعد استقلال المغرب لاعتبارات مختلفة. وبالتالي يتجاوز هذا التوجه الاستراتيجي الجديد الذي تبناه الملك محمد السادس نصره الله منذ اعتلائه العرش، مقولة "المغرب النافع"، و"المغرب غير النافع".

وهكذا، يعيد المغرب تشكيل جغرافيته الاقتصادية والسياسية، حيث انتقل تركيز الدولة من تعزيز القلب الاقتصادي والصناعي للدار البيضاء ومينائها، إلى العمل على تنمية الأطراف والمجالات الحدودية في إطار توجه استراتيجي جديد، يتحول معه المغرب أيضا من قوة برية إلى قوة بحرية.

وتتجلى هذه النقلة، في إنشاء أقطاب أخرى متنوعة الوظائف، فمن ميناء طنجة المتوسط "قطب تنمية الشمال الغربي"، مرورا إلى النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية "قطب تنمية الصحراء من خلال ميناء الداخلة الأطلسي، معبر الكركارات ومعبر السمارة أم كرين"، وصولا اليوم إلى قطب تنمية المغرب الشرقي "قطب تنمية الشمال الشرقي من خلال ميناء الناظور غرب المتوسط، والمنصات المرتبطة به.

ويتم الربط بين هذه الأقطاب بخطوط طاقية استراتيجية تقليدية/أحفورية وأخرى متجددة ضمانا للسيادة الطاقية، مع تمديد خطوط المواصلات الطرقية (الطرق السريعة) والسككية (السكك الحديدية والقطارات فائقة السرعة)، وأيضا خطوط الاتصال والأنترنت (الجيل الخامس)، بما يعزز الاندماج الترابي والتكامل الوظيفي بين مختلف المجالات.