يطرح التصعيد القائم بين هيئات المحامين ووزير العدل سؤالا يتجاوز الخلاف المهني الظرفي، ليبلغ مستوى التفكير في آليات تدبير الأزمات داخل النسق الدستوري ذاته. فحين تتآكل الثقة وتُستنفد قنوات الحوار القطاعي، ويُهدد حسن سير مرفق العدالة بفعل الشلل المتكرر، يصبح التساؤل حول إمكان تفعيل الفصل 42 من الدستور مشروعا من حيث المبدأ، قبل أن يكون محل تحفظ من حيث الجدوى والمآل.
من الزاوية الدستورية الصرفة، لا يتضمن الفصل 42 ما يمنع، نظريا، استحضاره في سياقات لا تقتصر على النزاعات الكلاسيكية بين السلط، ما دام معيار التدخل هو السهر على احترام الدستور وضمان حسن سير المؤسسات الدستورية. وإذا كانت السلطة القضائية إحدى هذه المؤسسات، فإن أي احتمال لتعطل قد يمس عملها، سواء بسبب اختلال تشريعي أو توترات داخل مكونات المنظومة، يمكن أن يُعرض بوصفه مسألة ذات صلة بهذا الحسن في السير، بما يفتح، نظريا، أفق النقاش حول التحكيم الدستوري.
غير أن هذا الإمكان النظري يصطدم بقراءة دستورية متداولة تحصر إمكانية التحكيم في طبيعة النزاع وأطرافه، وتربط تفعيله بوجود مواجهة بين مؤسسات دستورية قائمة بذاتها. فالمواجهة الراهنة لا تنعقد بين سلطتين دستوريتين متقابلتين، وإنما بين سلطة حكومية وهيئات مهنية مستقلة، وإن كانت تضطلع بدور محوري في ضمان حق الدفاع وتحقيق شروط المحاكمة العادلة. ويستمد هذا المنحى التأويلي بعض مبرراته من الطابع المفتوح للنص الدستوري، في ظل صمته عن ضوابط ومحددات تفعيل التحكيم، سواء من حيث الجهة المبادرة إليه أو كيفية ممارسته أو حدوده الإجرائية. غير أن هذا الصمت، بالنظر إلى تذبذب الممارسة الدستورية بين التحفظ عن تفعيل الفصل 42 في بعض السياقات وعدم إبدائه في سياقات أخرى، لا يسمح بإقامة قراءة مستقرة أو حاسمة، بل يُبقي التأويل في دائرة الاحتمال المرتبط بالسياق ورهاناته.
ثم إن اللجوء إلى التحكيم الملكي في ظل مسار تشريعي مفتوح ـ حتى وإن لم يُحال بعد على البرلمان ـ يثير مفارقة دستورية دقيقة، إذ قد يُفهم باعتباره تجاوزا لوظيفة البرلمان بوصفه الفضاء الطبيعي لتدبير الخلافات حول القوانين، وإقرارا ضمنيا بعجز الآليات التمثيلية عن استيعاب النزاع. كما أنه يُثقل وظيفة التحكيم بحمولة ليست من طبيعتها، ويحولها من آلية استثنائية لضمان التوازن الدستوري إلى أداة لحسم نقاش تشريعي يفترض أن يُدار بمنطق التداول والتعديل.
غير أن استبعاد هذا الخيار لا يعني إنكار وجود بدائل دستورية فعالة. فبين منطق الصدام المفتوح ومنطق التحكيم الاستثنائي، توجد وسائط مؤسساتية واضحة نصا وممارسة، في مقدمتها الوساطة البرلمانية. والمقصود بهذه الوساطة ليس تدخلا فوقيا ولا تحكيما سياديا، بل تفعيل الأدوات التي يتيحها المسار التشريعي ذاته: من ضغط منظم عبر الفرق البرلمانية، والاشتغال على التعديلات الجوهرية، وبناء توازنات داخل اللجان المختصة، بما يسمح بإعادة صياغة النص المختلف بشأنه من داخل المؤسسة المخولة دستوريا بذلك، متى تعذر خيار السحب الكلي للمشروع.
إن هذا المسار يعيد النزاع إلى سكته الطبيعية، ويحوله من مواجهة مباشرة مع السلطة التنفيذية إلى نقاش عمومي حول مضمون القانون وحدوده الدستورية. كما أنه يُحصن موقع المحاماة، لا بوصفها فاعلا يطلب حسما استثنائيا، بل كقوة اقتراحية تدافع عن استقلالها داخل منطق دولة القانون والمؤسسات.
وفي هذا السياق، يظل الأفق الدستوري الأنجع هو ربط الخلاف بمسألة احترام ضمانات الدفاع واستقلال المحاماة، باعتبارهما من مقومات المحاكمة العادلة، بما يفتح، عند الاقتضاء، باب الإحالة على المحكمة الدستورية بعد استكمال المسار التشريعي، بدل القفز المبكر إلى منطق التحكيم. فالقوة الحقيقية للنزاع لا تكمن في حدته، بل في قدرته على التحول إلى سؤال دستوري مؤسِّس، لا إلى أزمة تُدار بمنطق الاستثناء.
إن تفعيل الفصل 42 يظل إمكانا نظريا قائما في ضوء بعض السوابق التي تجاوزت القراءة الحرفية أو الشرطية لاختصاص التحكيم الدستوري، حيث تدخل الملك في قضايا تشريعية سجالية، إما من خلال ضبط النقاش في اتجاه خلق دينامية توافقية، كما في مسألة الإجهاض السري، أو من باب التكليف والتوجيه، كما في قضية ممارسة المرأة لخطة العدالة، وتعديل مدونة الأسرة. غير أن إمكان القياس على هذه السوابق، مع التسليم بوجود فوارق موضوعية ورهانات خاصة بكل سياق ومصدر المبادرة، يظل في الحالة الراهنة مكلفا من حيث الرمزية، ولا سيما في ضوء سابقة استدعاء أحزاب المعارضة للفصل 42 وطلب التحكيم الملكي في أعقاب الولاية التشريعية الأولى بعد إقرار دستور 2011، وهو الطلب الذي قوبل بالرفض الضمني. لذلك، يبقى الرهان الأكثر انسجاما مع روح الدستور هو استنفاد الوسائط البرلمانية كاملة، وتحويل الخلاف من مواجهة سياسية أو مهنية مباشرة إلى نقاش تشريعي ودستوري داخل المؤسسة المخولة دستوريا بذلك، وهو المنحى الذي شرع الإطار المؤسسي لهيئات المحامين في سلوكه، من خلال الانفتاح على الحوار مع الأحزاب السياسية وبداية تبلور إرهاصات هذا المسار.