mercredi 28 janvier 2026
اقتصاد

المهندس آيت شعيب: نفق تيشكا.. بين وهم الحلّ السحري السريع وضرورة الرؤية الشمولية المستدامة

المهندس آيت شعيب: نفق تيشكا.. بين وهم الحلّ السحري السريع وضرورة الرؤية الشمولية المستدامة المهندس عبد الله آيت شعيب خريج المدرسة المحمدية للمهندسين

يخطئ من يعتقد أن نفق تيشكا، لوحده، هو الحلّ السحري لتفادي أخطار منعرجات تيشكا، ويُخطئ أكثر من يروّج لهذا التصور وكأن الإشكال التقني والإنساني والتنموّي الذي يطرحه هذا المحور الجبلي العريق يمكن اختزاله في منشأة واحدة، مهما بلغت أهميتها أو رمزيتها.

 

فالمسألة، في حقيقتها، أعقد من ذلك بكثير، وأوسع أفقًا، وأعمق أثرًا، ولا يجوز، من منظور هندسي مسؤول ولا من زاوية تنموية عادلة، اختزالها في حلّ جزئي يُعالج العرض ويُبقي المرض.

 

يعلم الجميع أن الطريق الرابطة بين ورزازات ومراكش تمتد على مسافة تقارب 200 كيلومتر، وأن جزءًا كبيرًا منها يمر عبر تضاريس جبلية قاسية، تتخللها منعرجات خطيرة، وانحدارات حادة، ومقاطع ذات هشاشة بنيوية واضحة، تزداد خطورتها خلال فترات الثلوج، والأمطار الغزيرة، والانجرافات، والضباب الكثيف.

فإذا كان طول نفق تيشكا لا يتجاوز 10 كيلومترات،
فالسؤال المنطقي والبديهي الذي يفرض نفسه هو:

هل سيؤدي حلّ مشكل 10 كيلومترات فقط إلى جعل ما تبقى من 190 كيلومترًا آمنًا وسلسًا؟

وهل ستختفي المخاطر فجأة بمجرد الخروج من النفق؟

الواقع، للأسف، يقول غير ذلك.
إن نفق تيشكا جزء من الحل، وليس الحلّ كله.

وقيمته الحقيقية لا تتحقق إلا إذا أُدرج ضمن رؤية شمولية ومندمجة لإعادة تصور هذا المحور الطرقي الحيوي، رؤية تقوم على الانتقال من منطق “الترقيع” إلى منطق إعادة البناء الوظيفي للمسار.

رؤية تستند، في حدّها الأدنى، إلى:

* إنجاز طريق سريع جبلي حديث يستجيب لمعايير السلامة الدولية.

* تقويم المسار الطرقي لتقليص المنعرجات القاتلة بدل التعايش معها.

* إحداث قناطر كبرى (Viaducs) لعبور الأودية والمنخفضات عوض الالتفاف الطويل والخطير.

* إنجاز أنفاق صغيرة ومتوسطة إضافية في النقاط السوداء بدل الاكتفاء بنفق واحد.

* تنظيم وفصل حركة السير بين الشاحنات الثقيلة والسيارات الخفيفة قدر الإمكان.

* واعتماد تجهيزات السلامة الذكية، وأنظمة الإنذار المبكر في المقاطع الحساسة.

 

بهذا الفهم المتكامل، يصبح نفق تيشكا عنصرًا هندسيًا مهمًا داخل منظومة متماسكة،
لا مجرد إنجاز معزول يُعلّق عليه الأمل كله، ثم نُفاجأ بأن المأساة تتكرر خارجَه.

إن الرهان الحقيقي ليس اختصار مسافة بعشرة كيلومترات، بل تأمين محور استراتيجي يربط الجنوب الشرقي بعمق البلاد اقتصاديًا، وسياحيًا، واجتماعيًا، ويضع حدًا لمنطق الحلول الجزئية التي تُرحّل الخطر ولا تُنهيه. ويجسد مفهوم العدالة المجالية التي نتغنى بها.

 

بعدٌ استراتيجي مغيَّب: النفق المزدوج والخيار السككي :

وهنا تبرز فكرة إضافية جوهرية ينبغي أن تكون حاضرة منذ مرحلة الدراسات الأولى، لا أن تُؤجَّل أو تُهمَّش، وهي دراسة إمكانية إنجاز نفق مزدوج (Double Tunnel)، يُستعمل في مرحلته الأولى كنفق طرقي،
ويُهيَّأ هندسيًا وتقنيًا منذ البداية ليصلح مستقبلًا لاحتضان خط سككي يربط الجنوب الشرقي بوسط المملكة.

ولا يتعلق الأمر هنا بفكرة طوباوية أو اجتهاد نظري معزول، بل بتصور له جذور تاريخية وتقنية موثقة.

 

للتذكير فقط، فإن فكرة نفق تيشكا ليست وليدة اليوم، بل تعود إلى سنة 1948، إبان عهد الحماية الفرنسية، حيث أُنجزت دراسة أولية خلصت إلى اقتراح إنجاز نفق سككي بطول يقارب 10 كيلومترات، وقد قُدِّرت كلفته آنذاك بحوالي 165 مليون درهم، وفق المعايير والأسعار السائدة في ذلك الزمن.

 

والأهم من ذلك، أن هذه المعطيات ليست رواية شفوية ولا استنتاجًا متأخرًا، بل واردة في تقرير رسمي توصلتُ به سنة 1997 من القائد الجهوي للدرك الملكي بورزازات، وهو التقرير الذي اعتمدتُ عليه آنذاك لطرح سؤال شفوي داخل البرلمان، في سياق البحث عن حلول استراتيجية ومستدامة لفك العزلة التاريخية عن الجنوب الشرقي.

هذا المعطى التاريخي يثبت بجلاء:

* أن الإشكال بنيوي وقديم، وليس ظرفيًا أو طارئًا.

* وأن الخيار السككي كان مطروحًا منذ أكثر من سبعة عقود،

لكن تم تأجيله مرارًا لصالح حلول جزئية قصيرة النفس
من هنا، فإن التفكير اليوم في نفق مزدوج متعدد الوظائف
ليس ترفًا هندسيًا، بل استثمارًا استراتيجيًا بعيد المدى، ينسجم تمامًا مع:

* الرؤية الوطنية لتوسيع الشبكة السككية.

* متطلبات الانتقال الطاقي والنقل المستدام.

* تنمية الأقاليم الداخلية وتقليص الفوارق المجالية.

* تخفيف الضغط على النقل الطرقي والشاحنات الثقيلة.

* وتعزيز السلامة وتقليص الكلفة البشرية للحوادث.

 

إن بناء نفق يُغلق أفق التطوير المستقبلي خطأٌ مكلف، أما بناء نفق قابل للتطور والتحول الوظيفي، فهو عين الحكمة، وبعد النظر، وحسن التدبير.

 

خلاصة :

✔ نعم للنفق.
✔ لكن لا للنفق وحده.
✔ نعم لرؤية شاملة: أنفاق، قناطر، طريق سريع جبلي حديث، وأفق سككي مستقبلي
لأن أرواح المواطنين، وتنمية الجهات، وربط الوطن ببعضه
لا تُدار بمنطق “الحد الأدنى”، بل بمنطق الحلّ الجذري، الذكي، والمستدام.