lundi 2 février 2026
كتاب الرأي

محمد براو: دروس إرشادية في الحكامة التنموية انطلاقا من تقرير المجلس الأعلى للحسابات

محمد براو: دروس إرشادية في الحكامة التنموية انطلاقا من تقرير المجلس الأعلى للحسابات محمد براو

تمهيد

لنتخيل أن الدولة تطلق سلسلة مشاريع تنموية لتحسين حياة المواطنين وتيسير ظروف عيشهم، وذلك من خلال: بناء مدارس جديدة للأطفال، تطوير مراكز صحية لتقديم خدمات أفضل، توسيع شبكات الطرق، وتحسين شبكات الماء والكهرباء. هذه المشاريع تبدو مهمة، وتخدم منطق التنمية المجالية في سياق الاستجابة العقلانية المطلوبة لمختلف مظاهر الهشاشة الاجتماعية، وذلك في أفق رفع منسوب الثقة في الدولة ومؤسساتها.  لكن السؤال الحقيقي هو: هل يتم ذلك بمنطق التدبير بالنتائج كما جاء في الخطاب الملكي لشهر أكتوبر الماضي؟ أي بتعبير أوضح، هل تحقق هذه المشاريع أثرا ملموسًا؟ هل تصل إلى الناس الذين يحتاجونها أكثر؟ وفي حالة تحقيق الغرض، هل تظل مستمرة وفعّالة بعد إنجازها ؟

من هنا أهمية ما جاء في تقرير المجلس الأعلى للحسابات لعام 2024–2025 في باب تقييم المشاريع التنموية الاجتماعية، من حيث أنه لا يكتفي برصد تنفيذ الإنجازات بشكل تقريري ولا بنقد نتائجها بشكل تشهيري، بل يأخذ علما بما تحقق معتبرا إياه "جديرا بالاهتمام" ثم يقدم دروسًا وجيهة وحلولا إجرائية بناءة في مجال الحكامة التنموية، من خلال فحص كيفية تحويل الموارد المالية المستثمرة والمشاريع المنجزة إلى مخرجات فعالة ونتائج ملموسة ومستدامة.

 

الدرس الأول: التخطيط الجيد أساس النجاح

أول درس هو أن التخطيط الصحيح يحدد نجاح أي مشروع تنموي. بدون دراسة دقيقة للاحتياجات، قد تُهدر الموارد أو تُنفذ مشاريع غير مناسبة للمواطنين الأكثر حاجة.

أمثلة:

في قطاع التعليم، ركّزت 88% من المشاريع على تحسين المدارس القائمة بدل بناء مدارس جديدة في القرى النائية، ما ترك بعض الأطفال بدون مدارس قريبة.

في قطاع الصحة، 63% من المشاريع كانت لتحسين المراكز الصحية القائمة دون إنشاء مراكز جديدة، ما جعل بعض السكان بعيدين عن الخدمات الطبية الأساسية.

النتيجة: التخطيط يحتاج إلى تشخيص دقيق للمجال، بيانات موثوقة، وأهداف واضحة وقابلة للقياس لضمان وصول الفائدة لمن يحتاجها.

 

الدرس الثاني: التمويل يجب أن يواكب القدرة على الإنجاز

المال وحده لا يكفي. النجاح يعتمد على مطابقة التمويل مع قدرة الفرق المختصة على التنفيذ.

أمثلة:

من بين 78 اتفاقية وُقعت أمام الملك، لم تُستكمل الأشغال إلا في 32 مشروعًا، أي حوالي 41% فقط. تقييم 158 برنامجًا للتنمية المندمجة أظهر أن نسبة المشاريع المكتملة لم تتجاوز 26%.

النتيجة: الأموال تحتاج دائمًا إلى خطة تنفيذية واقعية، مع مراعاة الموارد البشرية والقدرات اللوجستية، حتى يتحقق الأثر المرجو.

 

الدرس الثالث: التنسيق وإدارة المسؤوليات

يؤكد هذا الدرس أن نجاح البرامج والمشاريع العمومية الاجتماعية يظل رهيناً بتنسيق فعّال بين الدولة والجهات والمجالس الترابية، يقوم على تمثيلية حقيقية داخل هياكل الحكامة وتحديد واضح للأدوار والمسؤوليات منذ مرحلة التخطيط. فغياب تمثيلية الجهات، رغم مساهمتها في التمويل، يؤدي إلى ضعف التنسيق المؤسساتي وغموض في توزيع المسؤوليات بين من يقرر ويموّل وينفّذ ويتولى التشغيل والصيانة.

أمثلة:

إنجاز بعض مشاريع الماء والطرق دون تحديد الجهة المسؤولة عن تشغيلها وصيانتها، مما أدى إلى عدم استغلالها رغم اكتمال بنيتها التحتية.

غياب مسؤول إداري أو مؤسسة مشرفة على تتبع المشاريع، وهو ما تسبب في توقف بعضها أو تعثرها بعد الإنجاز.

النتيجة:
يتبيّن أن المشروع الاجتماعي لا ينجح بمجرد إنجازه مادياً، بل يتطلب حكامة قائمة على إشراك الفاعلين الترابيين، وضوح المسؤوليات، وآليات تنسيق فعّالة تضمن الاستمرارية والنجاعة على المدى المتوسط والبعيد.

 

الدرس الرابع: استهداف المناطق الأكثر حاجة

نجاح التنمية يقاس بدقة الاستهداف للمناطق والفئات الأكثر ضعفًا.

أمثلة:

الانتقال من الاستهداف على مستوى الدوار إلى المستوى الجماعي دون مراجعة دقيقة أدى إلى أن بعض القرى الهشة لم تستفد كما ينبغي.

بعض المشاريع ركزت على تحسين البنى القائمة بدل إنشاء بنى جديدة في المناطق الأكثر هشاشة، ما قلل من الأثر الاجتماعي للمشاريع.

النتيجة: المعلومات الدقيقة وتحليل الاحتياجات هما مفتاح التوجيه الصحيح للموارد، وإلا ستظل الفجوات قائمة.

 

الدرس الخامس: متابعة الأثر واستدامة المشاريع

الدرس الخامس والأخير يركز على أن المشاريع لا تنتهي بمجرد إنجازها، بل يجب متابعتها وضمان استمرارها.

أمثلة:

من بين 625 مشروعًا مكتملًا حتى فبراير 2024، حوالي 8% لم تُستغل، خاصة في قطاعي الماء والطرق، بسبب نقص في هيئات التدبير والموارد البشرية.

النتيجة: النجاح الحقيقي لا يقاس بالإنجاز المادي فقط، بل بمدى استمرارية المشروع وتحقيقه للفائدة على المدى الطويل.

 

خلاصة

من خلال هذه الأمثلة الواقعية، يمكن تلخيص دروس الحكامة التنموية في تقرير المجلس الأعلى للحسابات 2024-2025 كما يلي:

1 التخطيط الجيد: دراسة الواقع، تحديد الاحتياجات، وأهداف واضحة وقابلة للقياس.

2 التمويل المتوافق مع القدرة على الإنجاز: المال وحده لا يكفي، بل يجب مطابقته مع الإمكانيات.

3 التنسيق وإدارة المسؤوليات بوضوح: وضوح الأدوار يمنع توقف المشاريع أو تضارب المهام.

4 الاستهداف الدقيق للمناطق والفئات الأكثر حاجة: لضمان وصول الدعم لمن يحتاجه فعليًا.

5 متابعة الأثر واستدامة المشاريع: لضمان أن كل مشروع يُحدث فرقًا حقيقيًا في حياة المواطنين.

بهذه الطريقة، يمكن لكل مدرسة، مركز صحي، طريق، أو مشروع مياه أن يكون فعّالًا ومستدامًا ويخدم الناس الذين يحتاجونه حقًا، ويصبح الاستثمار العمومي أداة حقيقية للتنمية.