أمسك بين يدي اليوم كتاب "فرس كما عرفته عن قرب" لمؤلفه الصديق والزميل محمد شروق، وهو كتاب سيجد كل من يقرأه أنه يشكل وصية إنسانية مكتوبة بحبر الذكريات. لم يختر لنا محمد شروق أسلوب المؤرخ الجاف، ولا أسلوب الإحصائي البارد، بل اختار أسلوب الحكاء الوفي، أسلوب الصديق الذي يجلس معك في زاوية دافئة ويقول: "اسمع، سأحكي لك عن إنسان عظيم". أسلوبه هنا حميمي وقريب للقلب، يتنقل بين الحدث الكبير، مثل كأس إفريقيا 1976، واللحظة الصغيرة، مثل ابتسامة فرس الخجولة أو طريقته في قراءة القرآن قبل النوم، وكأنك لا تقرأ صفحات، بل تستمع إلى قلب يحكي.
الكتاب لا يقدم أرقاما فقط، بل مشاعر وأسرارا؛ معطيات الرياضة،الأهداف، البطولات، الكرة الذهبية، ومعطيات القلب، كيف بكى فرس حين أهانته جماهير الرجاء، وكيف ضحك حين زاره أبو تريكة، ومعطيات الروح،كيف كان يقرأ القرآن في غرفته، وكيف صلى الفجر ثم ركض في شوارع المحمدية. هذا الكتاب يمثل صوت الذاكرة الجماعية التي تكاد تنسى، ورسالة للأجيال الجديدة، أن الأبطال الحقيقيين لا يبنون بالضوضاء، بل بالصمت الذي يتردد صداه عبر الزمن، إنه مرآة تعكس صورة مغرب الأصالة، مغرب الكرامة، مغرب الإنسان قبل النجم.
ويتميز الكتاب بأنه يتحدى التصنيف؛ ليس سيرة تقليدية فهو لا يتبع خط الزمن بتسلسل جاف، وليس توثيقا رياضيا فالرياضة هنا إطار وليست الجوهر، وليس مقالة صحفية رغم أن كاتبه صحافي، بل هو خليط رفيع من أدب الذكريات، والتاريخ الشفوي، والبورتريه الإنساني، والرواية غير الخيالية، ويمكننا تسميته ببساطة: سيرة إنسانية مروية بأسلوب قصصي حميمي. يقول الكاتب محمد شروق في أحد فصول الكتاب: "كنت ألتقط الصور معه وأقول: لن أشبع من التقاط الصور معك، فيبتسم لي بتواضعه الذي يخفي خجلا جميلا"، وهذا هو روح الكتاب،ليس تقريرا، وإنما حكاية، ليس سردا، بل عطر ذكريات. فليفتح كل منا قلبه مع هذه الصفحات، ويسأل نفسه: هل ما زلنا نعرف كيف نصنع أبطالا من هذا النوع؟ أم أصبحنا نفضل الأضواء على الأخلاق؟
..
الكلمة التقديمية للزميل جلال كندالي التي ألقيت في حفل توقيع كتاب الصحافي والكاتب محمد شروق: "فرس كما عرفته عن قرب.. سلسلة حكايات لم ترو من قبل" بمقر نادي الراسينغ الجامعي الرياضي بالدار البيضاء، مساء الجمعة 30 يناير 2026