أفردنا مقالا سابقا للقرار 2803 الذي أعتمده مجلس الأمن في 17 شتنبر 2025، وتناولنا فيه سياق اعتماد هذا القرار الذي نص على إقرار مبادرة الرئيس "ترامب " وخطته الشاملة المقترحة لوقف إطلاق النار و إنهاء الحرب على غزة ،ولاسيما إنشاء " مجلس السلام" باعتباره هيئة إدارية انتقالية ذات شخصية قانونية دولية، تتولى وضع إطار العمل لإعادة إعمار وتنمية غزة " بما يتسق مع مبادئ القانون الدولي ... ريثما تستكمل السلطة الفلسطينية برنامجها الإصلاحي بشكل مرض "، وإنشاء قوة دولية مؤقتة لتحقيق للاستقرار في قطاع غزة . كما لفتنا الانتباه في نفس المقال، إلى بعض أسباب ودواعي التوجس والتحفظ من الانعكاسات والآثار السلبية المحتملة لهذا القرار على مسار التسوية العادلة والدائمة للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي بما يضمن للشعب الفلسطيني ممارسة حقه في تقرير المصير، فضلا عن الإشارة الى بعض الصعوبات العملية التي ستعترض التنفيذ الميداني لمقتضيات القرار.
ويتضح بعد مضي ما يقرب من أربعة شهور على اعتماد مجلس الأمن للقرار المذكور، أن التصور الأصلي لمجلس السلام الذي حظي بتوافق أعضاء المجلس ( كهيئة محدثة لغرض محدد) ، و شكل من "الإدارة الدولية المؤقتة" لتأطير وتدبير مرحلة الانتقال السياسي في قطاع غزة، قد تعرض للانزياح عن الالتزام بروح النص و إدخال تعديلات جوهرية على مضمونه ، حيث بادر الرئيس "ترامب" إلى الإعلان الرسمي بمناسبة التئام مؤتمر "دافوس" بسويسرا في 22 يناير 2026، عن الوثيقة التأسيسية لمجلس السلام الذي اصبح طبقا لميثاقه " "منظمة دولية "تسعى الى تعزيز الاستقرار، وإعادة إرساء الحكم الرشيد والقانوني، وضمان السلام الدائم في المناطق المتضررة أو المهددة بالنزاعات "، ( المادة 1 من الميثاق التأسيسي).
وما يؤكد ابتعاد الموقف الأمريكي عن التوافق الذي حصل حول القرار بين أغلبية أعضاء مجلس الأمن( باستثناء روسيا والصين)، أن تصريحات عدد من المسؤولين في الإدارة الأمريكية والتعاليق الأولية لعدد من الخبراء حول الهدف من إنشاء "مجلس السلام "، تدفع إلى الاعتقاد أن حرص الرئيس ترامب على تأسيس هذا المجلس ، وتوسيع اختصاصاته وصلاحياته ووضع شروط العضوية فيه و توليه شخصيا رئاسته ، يندرج في سياق دبلوماسي مطبوع بإرادة "دونالد ترامب" فرض منهج جديد لتدبير الأزمات والنزاعات الدولية ، يكرس قطيعة واضحة مع الآليات الأممية المتعددة الأطراف ونظام الأمن الجماعي الذي ظل سائدا منذ تأسيس منظمة الأمم المتحدة ، وإنشاء ما يعتبره الرئيس ترامب هيئة دولية أكثر مرونة وفعالية لبناء السلام ، بديلة للآليات التقليدية الموجودة التي أبانت عن إخفاقها و عدم فعاليتها و عجزها عن حل النزاعات الدولية .
ويجدر بنا أيضا التوضيح أن الملاحظات الأولية التي نسعى الى إبدائها في هذا المقال، تنطلق من اعتبار "مجلس السلام "موضوعا قانونيا"، وليس كمشروع أو خطة سياسية، وبالتالي، لن نخوض في مسألة تقييم الملاءمة السياسية لهذا الخيار، أو مدى قوة المرتكزات وصواب الدوافع الاستراتيجية التي تحدد أهدافه ورهاناته الجيوسياسية، ولا في تقييم دوافع وأهداف الدول التي اتخذت قرار العضوية فيه اعتبارا لسيادتها في تقدير مصالحها الوطنية. وما سوف يستأثر باهتمامنا تحديدا، هو محاولة توضيح الى أي حد ينسجم إنشاء مجلس السلام مع منظومة القانون الدولي الموجودة في الوقت الراهن، والوقوف على بعض أوجه التعارض أو الاختلاف الجزئي مع هذه المنظومة.
والواقع أنه لا زال من المبكّر ومن الصعب أيضا، المجازفة بقراءة قانونية تستوفي شروط وعناصر الدراسة والتحليل والتكييف المفصل والدقيق لطبيعة هذا "الكيان الدولي" الجديد. وتعزى هذه الصعوبة من جهة، الى عدم التوفر الى حد اليوم على المصادر والتفاصيل اللازمة والكافية عن الأشغال التحضيرية- طبقا للمألوف في الممارسة الاتفاقية الدولية -التي سبقت الإعلان الرسمي عن إنشاء هذه " المنظمة الدولية". ومن جهة أخرى، إن الدور " المؤسساتي" الفعلي الذي سيناط بالولايات المتحدة داخل هذه المنظمة لا زال يكتنفه غموض كثيف في هذه المرحلة.، علاوة على أن التركيبة النهائية لهذا المجلس وقائمة الدول الأعضاء فيه لم تكتمل بعد (30 دولة إلى غاية اليوم)، وقوة هذه الدول ومدى وزنها وتأثيرها الجيوسياسي العالمي أو الجهوي و درجة انسجامها وقوة تحالفاتها لا زالت غير معروفة بوضوح كاف ، الأمر الذي سيكون معه أي استنتاج حول مدى تأثير هذا المجلس على الأزمات والنزاعات الحالية أو القادمة سابقا لأوانه ومجرد ضرب من التكهن ليس إلا. بيد ان هذه الصعوبة الموضوعية لا تحول مع ذلك دون إبداء بعض الملاحظات الأولية بالاعتماد أساسا على القليل من المصادر المتوفرة، وخاصة نص الوثيقة التأسيسية التي تداولتها وسائل الإعلام الدولية، وميثاق منظمة الأمم المتحدة، دون إغراق المقال بالمصادر القانونية الدولية المتخصصة (قانون المعاهدات، القانون الدولي العرفي، الاجتهاد القضائي، السوابق المتعلقة بعمليات حفظ الأمن والسلم في الممارسة الدولية ...).
من المتفق عليه والمستقر في القانون الدولي، أنه لا يمكن اعتبار أي مبادرة أو مشروع سياسي متعدد الأطراف بمثابة كيان دولي يحظى بالشخصية الدولية. فالتوصيف والتكييف القانوني لأي كيان دولي جديد يخضع بالضرورة لتوفره على مجموعة من المعايير القانونية الموضوعية، ولا يمكن أن يتأسس أي كيان بمفهومه الدولي بالاستناد فقط على الطموح الوظيفي لعدد من المتحالفين حول مشروع سياسي، أو توفرهم على قدرات وعوامل التأثير السياسي والاقتصادي القوي على الصعيد العالمي أو الجهوي.
على هذا الأساس يميز القانون الدولي بين ثلاث فئات رئيسية، المنتديات السياسية أو الاقتصادية وما يشابهها، التي تعتبر محافل غير رسمية للتشاور والحوار والتنسيق بين الدول حول قضايا ذات اهتمام مشترك، ويمكن لهذه المنتديات إصدار إعلانات مشتركة أو توصيات للمشاركين في أشغالها والتعبير عن مواقف موحدة تجاه قضايا دولية معينة، لكنها لا تتمتع بالشخصية القانونية الدولية المستقلة، كما أن قراراتها لا تعد ملزمة إلا للدول التي وافقت عليها بمحض إرادتها، ولا تكتسب هذه المنديات أية أهلية دولية في القانون الدولي.
أما المنظمات الدولية فيستند إنشاؤها على اتفاقيات دولية تأسيسية متعددة الأطراف، ووفقا لمراحل وإجراءات يحددها قانون المعاهدات وقانون المنظمات الدولية وطورتها الأعراف والممارسات الدولية المتواترة، وتتمتع هذه المنظمات بالأهلية المؤسساتية والوظيفية المستقلة نسبيا عن أعضائها، كما تتوفر على أجهزة دائمة وأنظمة ومساطر داخلية لإصدار القرارات، فضلا عن الاعتراف لها بعدد من الحصانات والامتيازات الوظيفية وفقا للقانون الدولي.
وأما الأجهزة الفرعية أو الثانوية وغيرها من الآليات والهيئات المحدثة في إطار نظام الأمم المتحدة، فإنها تستمد سلطتها مباشرة من الميثاق، وغالبا ما تنشأ بناء على قرارات صادرة عن مجلس الأمن أو الجمعية العامة، وتمارس اختصاصات محددة بمقتضى الولاية التي فوضتها لها الأجهزة التي أنشأتها، كما تظل من الناحية القانونية مدمجة في النظام المؤسساتي للأمم المتحدة وتابعة له، وفي حالة الاعتراف لها بالشخصية القانونية فإنها لا تكون سوى شخصية وظيفية وفرعية وليست مستقلة بذاتها.
وفي ضوء ما سبق، ما هو التوصيف الذي ينطبق على مجلس السلام الذي أنشأه الرئيس " ترامب"؟ وهل هو منظمة دولية جديدة؟
أشرنا إلى أن فكرة إنشاء مجلس للسلام ظهرت في مبادرة الخطة الشاملة المتكونة من 20 نقطة التي اقترحها الرئيس "ترامب " " في29 شتنبر 2025 لإنهاء النزاع في غزة"، ثم اعتمدها مجلس الأمن وأصبحت وثيقة مرفقة بنص قراره 2803. وفي يناير 2026 ظهرت من جديد لكن بصيغة مختلفة وبمضمون أكثر اتساعا مقارنة بنصها الأصلي الذي اعتمده مجلس الأمن.
ويتضح من قراءة الميثاق التأسيسي لمجلس السلام الذي أعلن عنه الرئيس "ترامب" في 22 يناير أن هذه الهيئة الجديدة تختلف في جوهرها عن المشروع الأصلي من عدة جوانب، أبرزها الغياب التام لأي ذكر لغزة أو للأراضي الفلسطينية في نص الميثاق التأسيسي لمجلس السلام، ذلك أن مادته الأولى تتحدث عن " .... ضمان السلام الدائم في المناطق المتضررة أو المهددة بالنزاعات". كما أن الطابع المؤقت والانتقالي والمرحلي الذي نصت عليه الخطة الأصلية المرفقة بقرار مجلس الأمن اختفى في الميثاق التأسيسي ،حيث أصبح مجلس السلام قابلا للدوام والاستمرار طالما لم يتعرض للحل وفقا لأحكام المادة العاشرة /1 و2 من ميثاقه.
ولعل ما يسترعي الانتباه أيضا ما ورد في ديباجة الميثاق التأسيسي من نقد حاد لمنظمة الأمم المتحدة وإن بصيغة مبطنة وضمنية، لكنها تكشف التصور الأمريكي لمجلس السلام باعتباره منظمة منافسة بشكل مباشر للأمم المتحدة ولمجال تدخلها. وتعكس ديباجة الميثاق التأسيسي أيضا، الموقف الأمريكي من الأمم المتحدة باعتبارها منظمة مأزومة ومتدهورة، وبأن السلام الدائم يتطلب " .... حكمة عملية، وحلولا منطقية، وشجاعة للتخلي عن المناهج والمؤسسات التي فشلت مرارا وتكرارا ". وتؤكد الديباجة على " الحاجة إلى هيئة دولية أكثر مرونة وفعالية لبناء السلام «، وبأن «العديد من مناهج بناء السلام ترسخ التبعية الدائمة، وتكرس الأزمات بدلا من قيادة الشعوب لتجاوزها ".
وصلة بمحاولة توصيف الهيئة الدولية التي أنشأها الرئيس" ترامب " يبدو أنه قرر أن يمنح مجلس السلام، وفقا للمادة 1 من ميثاقه التأسيسي، الشكل التقليدي والمعروف للمنظمة الدولية، وذلك بالرغم من العزوف الشديد لهذا الرئيس من المنظمات الدولية ومجاهرته بعدم الاقتناع بجدوى الكثير منها وعدم فعاليتها، بل اتخاذه قرار انسحاب الولايات المتحدة من 66 منظمة ووكالة دولية من بينها 31 وكالة أو هيئة تنتمي لنظام الأمم المتحدة بذريعة كونها لم تعد تخدم المصالح الأمريكية. غير أن طرق اشتغال هذه المنظمة تتميز باختلافها عن النمط المألوف في سائر المنظمات الدولية، ذلك أن طرق عمل وتسيير مجلس السلام تنتظم بشكل كامل حول رئيسه "دونالد ترامب". وقد كرس الميثاق التأسيسي المكانة المركزية التي يتمتع بها الرئيس "ترامب " ضمن هياكل المجلس وأجهزته بصفته الإسمية والشخصية وبشكل مستقل ومنفصل عن وضعه الرسمي كممثل لدولة الولايات المتحدة الأمريكية. فقد نصت المادة الثالثة /2 على أن " يتولى دونالد ج ترامب منصب الرئيس الافتتاحي لمجلس السلام، ويتولى بشكل منفصل منصب الممثل الافتتاحي للولايات المتحدة الأمريكية ..." و" يتمتع الرئيس بسلطة حصرية لإنشاء أو تعديل أو حل الكيانات التابعة حسبما تقتضيه الضرورة أو الاقتضاء لتحقيق مهمة مجلس السلام". وأما فرضية الخلافة والاستبدال فقد نصت المادة 3 فقرة 3 على أن " يعين الرئيس دائما خلفا له في منصب الرئيس، ولا يجوز استبدال الرئيس إلا في حالة الاستقالة الطوعية أو نتيجة العجز، وفقا لما يقرره المجلس التنفيذي بالإجماع ....». وبالتالي، إن مقتضيات المادة الثالثة تؤكد الوضع الاستثنائي للرئيس ترامب الذي يمكنه الاستمرار في تولي منصب رئيس مجلس السلام حتى بعد نهاية ولايته الانتخابية كرئيس للولايات المتحدة، حيث لا يتوقف وضعه كرئيس لمجلس السلام إلا في حالتين هما، الاستقالة الطوعية وحالة العجز التي يقررها المجلس التنفيذي بإجماع أعضائه. وفي كلتي الحالتين إن الرئيس "ترامب" هو من " يعيّن دائما خلفا له في منصب الرئيس " (المادة 3/3). كما أن المادة الرابعة من الميثاق تمنح للرئيس سلطة واسعة في اختيار أعضاء المجلس التنفيذي الذي "يتألف من قادة ذوي مكانة عالمية"، ويجوز للرئيس "عزلهم أو تجديد عضويتهم وفقا لتقديره " كما أنه هو الذي يرشح رئيس المجلس التنفيذي.
وعلى خلاف المعتاد والمتبع في قانون المنظمات الدولية بشأن الصلاحيات المنوطة بالأمناء العامين أو المدراء أو المفوضين السامين أو من في حكمهم، اعترف ميثاق مجلس السلام بسلطات واسعة جدا لرئيس المجلس. ويتجلى النطاق الشاسع لهذه السلطات في العديد من مقتضيات الميثاق نقتصر على الإشارة لبعضها على سبيل المثال لا الحصر.
فيما يتعلق بعضوية الدول في مجلس السلام فإنها تقتصر حصريا على الدول "التي يدعوها الرئيس .... للمشاركة ..."(المادة الثانية /1). و حددت نفس المادة في فقرتها( 2 ج ) المدة ا المبدئية للعضوية في المجلس في 3 سنوات كحد أقصى بدءا من دخول الميثاق الى حيز النفاذ ، غير أن هذا القيد الزمني لمدة العضوية لا ينطبق "على الدول الأعضاء التي تساهم بمبلغ أقله 1 مليار دولار أمريكي نقدا خلال السنة الأولى من نفاذ الميثاق ".وفي كل الأحوال يخول الميثاق التأسيسي للرئيس طبقا للمادة الثانية / ف 3 إمكانية تجديد عضوية الدول ،و إقالتها أيضا مع مراعاة حق النقض بأغلبية ثلثي الدول الأعضاء ، ويجوز لأية دولة عضو الانسحاب من مجلس السلام فورا دون تحديد مدة زمنية لإخطار الرئيس بقرار الانسحاب.
ومن جهة أخرى، يعكس مسلسل اتخاذ القرارات في مجلس السلام الطابع المفرط للسلطات المخولة لرئيسه. فالرئيس هو الذي يوافق على جدول أعمال الاجتماعات التصويتية للمجلس، ما يمنحه في الواقع سلطة الاعتراض على النقط المقرحة من أجل التداول فيها بالمجلس، إضافة الى ان القرارات تتخذ بأغلبية الدول الأعضاء الحاضرة والمصوتة، لكن " مع مراعاة موافقة الرئيس، الذي يجوز له أيضا التصويت بصفته رئيسا في حالة تعادل الأصوات" (المادة 3-1، ه).
وتبرز السلطات الواسعة لرئيس المجلس أيضا في الدور الموكول له بموجب المادة السابعة من الميثاق المتعلقة بطرق حل المنازعات الداخلية بين أعضاء مجلس السلام. فعلى خلاف الممارسة الاتفاقية الدولية المتبعة بخصوص طرق تفسير أحكام الاتفاقيات وتسوية الخلافات الناشئة بين الدول الأطراف فيها، إما بإحالة المنازعات على هيئة قضائية دولية أو على آلية للوسطة والتحكيم تحدث لهذا الغرض، إن المادة السابعة تنص فقط على "التعاون الودي " لتسوية المنازعات، وتجعل من الرئيس " المرجع النهائي فيما يتعلق بتفسير الميثاق وتطبيقه ".
وفي ضوء العناصر التي أجملناها، يمكن القول دون مبالغة أن الوثيقة التأسيسية لمجلس السلام منحت الرئيس الأمريكي "ترامب " مركز الصدارة في هذا التنظيم الجديد، وجعلت رئاسته له غير محدودة زمنيا ولا تقابلها أية سلطة موازية حقيقية.
ورغم المواقف أو ردود الفعل التي قد تعبر عن استهجان بعض الدول أو رفضها أو تحفظها أو استيائها من إقدام الرئيس "ترامب" على إنشاء هذه المنظمة التي يتمتع بصفته رئيسا لها بسلطات شاسعة وغير معهودة في المنظمات الدولية، لا بد من الإقرار أن القانون الدولي لا يتضمن ما يمنع تأسيس هذا الكيان الدولي، طالما أن الدول تتمتع من حيث المبدأ بالحرية في تحديد شروط وطرق عمل المنظمات الدولية التي تنشئها وتوافق على الانضمام إليها بمحض إرادتها.
ومن ثم، إن المنحى الذي سيأخذه مجلس السلام واعتماد أعضائه أولويات خطة عملها، باعتبار هذا المجلس منظمة دولية ناشئة، ومدى الطابع الواقعي لآليات تدخله وممارسة مهامه الواسعة في تدبير النزاعات الدولية، لن يتوضح إلا في المرحلة القادمة، كما أن عوامل وشروط استمراره تعتبر رهينة بقدر كبير بمدى التقارب والتجانس بين الدول التي وافقت على الانخراط في مشروع إنشاء مجلس السلام والعضوية فيه والالتزام بأحكام ميثاقه وقواعده وقراراته. ومن البديهي أن مجلس السلام لا يعترف له في القانون الدولي بأي اختصاص أو سلطة على الدول غير الأعضاء فيه لأنها لا تتحمل أي التزامات قانونية تجاهه.
وينبغي التنبيه أيضا إلى الصعوبة التي قد تثيرها عضوية الدول في منظمة الأمم المتحدة وفي مجلس السلام. وتتجلى هذه الصعوبة في فرضية التعارض بين التزامات الدول بموجب مجلس السلام والتزامها بتنفيذ قراراته من جهة، والتزاماتها الأصلية وفقا لميثاق الأمم المتحدة استنادا الى كون هذه الدول أعضاء في الأمم المتحدة، لا سيما أن المادة 103 من ميثاقها تنص صراحة – في حالة التعارض بين الالتزامات - على سمو وترجيح الالتزامات التي يرتبط بها أعضاء الأمم المتحدة على غيرها من الالتزامات. الأمر الذي يطرح بالتالي المسألة الأساسية المتعلقة بالتنسيق بين مجلس السلام ومنظمة الأمم المتحدة، خاصة مع مجلس الأمن الذي يتحمل وفقا للمادة 24 من الميثاق ومنذ سنة 1945 مسؤولية حفظ السلم والأمن الدولي. فما هي آفاق التنسيق والتعاون بين الأمم المتحدة ومجلس السلام؟ وما هي المجالات والقضايا التي قد يشملها هذا التنسيق، وكيف يمكن تصور أنماطه وآلياته وشروطه وحدوده؟ وهل هناك ما يبرر التخوف من الاصطدام بين مجلس السلام ومنظمة الأمم المتحدة؟ وهل يمثل مجلس السلام بالشكل الذي يريده رئيس "ترامب" تهديدا لنظام الأمم المتحدة بكامله؟ إن هذه الأسئلة المهمة وغيرها كثيرة، تبقى مطروحة الى حين اكتمال معالم وهيكلة مجلس السلام وشروعه في تنفيذ مهامه طبقا لميثاقه التأسيسي، وسنحاول العودة اليها بما تستحقه من تمحيص وتحليل.
محمد العمارتي / أستاذ القانون الدولي وحقوق الإنسان بجامعة محمد الأول – وجدة (سابقا)