dimanche 1 février 2026
خارج الحدود

عبد الواحد غيات: سلسلة جغرافيا الممرات فنزويلا والممرات المائية.. إعادة هندسة العالم بالنفط والبارود

عبد الواحد غيات: سلسلة جغرافيا الممرات فنزويلا والممرات المائية.. إعادة هندسة العالم بالنفط والبارود عبد الواحد غيات

خلاصة إستراتيجية:

يدخل العالم في عام 2026 حقبة "جيوسياسة المحابس"، حيث تحول الصراع بين واشنطن وبكين من التنافس على النفوذ الإيديولوجي إلى معركة "كسر عظم" حول السيطرة على صمامات الطاقة وممرات العبور العالمية. يحلل هذا المقال كيف تحولت فنزويلا، بصفتها صاحب أكبر احتياطي نفطي في العالم، من مجرد أزمة إقليمية إلى ساحة الاختبار الأولى لإستراتيجية أمريكية تهدف إلى خنق "التنين" الصيني عبر تجفيف منابع إمداداته التقليدية.

ومن خلال إحكام القبضة على المثلث البحري الإستراتيجي (باب المندب، هرمز، والكاريبي)، تسعى واشنطن لتحويل اعتماد الصين الطاقي إلى نقطة ضعف قاتلة، في وقت يستميت فيه التنين الصيني للهروب نحو "القلعة القارية" والتحول التكنولوجي الكامل. إنها مواجهة فاصلة لا تُقاس بقوة السلاح فحسب، بل بالقدرة على إغلاق شريان الحياة الاقتصادي للخصم بلمسة زر واحدة على "المحبس" الإستراتيجي الكبير.

 

لم تعد الصراعات الدولية في مطلع عام 2026 تُدار حول كسب العقول والقلوب أو نشر القيم الليبرالية؛ بل انتقلت إلى مرحلة "الواقعية الصلبة" التي تتمحور حول السيطرة على العصب الحيوي الذي يحرك الحضارة الحديثة: الطاقة وخطوط الإمداد. في هذا المشهد العالمي المعقد، سقطت الأقنعة التي غلفت السياسة الخارجية الأمريكية لعقود، فلم تعد شعارات "نشر الديمقراطية" أو "حماية حقوق الإنسان" سوى صدى بعيد في أروقة واشنطن، وحلت محلها إستراتيجية ترى العالم كمجموعة من الصمامات والمحابس.

وتأتي العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا في يناير 2026 كإعلان رسمي عن ولادة هذه العقيدة، حيث برزت كاراكاس ليس كمجرد دولة تعاني من فشل سياسي، بل كساحة الاختبار الأولى لإستراتيجية كونية شاملة تتجاوز أهدافها تغيير الأنظمة، لتستهدف تفكيك ركائز الصعود الجيوسياسي للصين عبر السيطرة المطلقة على "شريان الحياة الطاقي".

واشنطن اليوم تدرك أن تحطيم الطموح الإمبراطوري لبكين لا يبدأ من جبهات القتال في المحيط الهادئ، بل من تجفيف منابع الطاقة في الحديقة الخلفية لأمريكا، وتحويل النفط الفنزويلي من ورقة قوة بيد الخصوم إلى أداة تطويع إستراتيجية بيد البيت الأبيض، حيث تُلغى المسافة بين الأمن القومي والمصالح النفطية لتصبح وحدة واحدة غير قابلة للتجزئة.

إن هذا الاندفاع العسكري نحو كاراكاس يمثل الإحياء الصارخ لما يمكن تسميته 'عقيدة مونرو الجديدة'؛ وهي النسخة المحدثة من مبدأ عام 1823 الذي كان يهدف لمنع التدخل الأوروبي، لكنه في عام 2026 يستهدف حصرياً 'الاختراق التنيني' للصين والتموضع الروسي. هذه العقيدة لم تعد تكتفي برفع شعار 'أمريكا للأمريكيين' كحماية دبلوماسية، بل تحولت إلى استراتيجية 'تطهير جيوسياسي' تسعى لاستعادة الهيمنة المطلقة على نصف الكرة الغربي، واعتبار أي وجود لخصوم واشنطن في هذا النطاق بمثابة خرق أمني يستوجب التدخل المباشر بالبارود والمحابس.

إن اختيار فنزويلا كساحة اختبار لم يكن عرضياً، فهي، حسب التقرير الإحصائي للطاقة العالمية، تمتلك أكبر احتياطيات مؤكدة للنفط الخام في كوكب الأرض، متجاوزة عتبة الـ 300 مليار برميل، وهي كميات تفوق احتياطيات دول الخليج مجتمعة في بعض التصنيفات.

لسنوات، كانت بكين تنظر إلى فنزويلا كحصن طاقي منيع بعيد عن متناول الأساطيل الأمريكية التي تسيطر على مضيق مالاكا؛ كانت تخطط لبناء "جسر طاقي آمن" عبر الكاريبي. وبسيطرة واشنطن على هذه الموارد، هي لا تضمن أمن طاقتها فحسب، بل تمارس "خنقاً إستراتيجياً صامتاً" ضد الآلة الصناعية الصينية التي تستهلك يومياً ما يقارب 15 مليون برميل.

لقد طوى التاريخ صفحة الخطاب التقليدي لواشنطن الذي ركز على مكافحة المخدرات، ليصبح الهدف هو وضع اليد على الصمامات التي تغذي الصين بالخام الثقيل الضروري لمصانع البتروكيماويات العملاقة. فمن خلال إخضاع النفط الفنزويلي وتحجيم النفوذ الصيني في الصادرات النيجيرية، تسعى الولايات المتحدة إلى تحويل الاعتماد الطاقي الصيني من ميزة تنافسية إلى نقطة ضعف قاتلة تجعل أمن بكين القومي رهينة للقرار الأمريكي، حيث يمكن لواشنطن، عبر التلاعب بحصص الإنتاج، أن ترفع تكلفة الإنتاج الصناعي في الصين بلمسة زر واحدة، مما يفقد البضائع الصينية ميزتها السعرية في الأسواق العالمية.

هذه المعركة لا تتوقف عند حدود الآبار، بل تمتد لتشمل هندسة الجغرافيا البحرية فيما يُعرف بـ "حرب الممرات" أو "جيوسياسة الاختناق البحري". تدرك واشنطن أن السيطرة على المنبع في فنزويلا لا تكتمل دون التحكم في نقاط عبور النفط العالمية. هنا يبرز المثلث الإستراتيجي المتمثل في أرض الصومال وجنوب اليمن ومضيق هرمز. فبينما يشتد الخناق في حوض الكاريبي، تكتمل حلقة الحصار عبر السيطرة الفعلية على باب المندب من ضفتيه؛ حيث منح التواجد العسكري الأمريكي في "بربرة" و"سقطرى" قدرة إنكار بحري لا مثيل لها.

هذا الوضع يضطر الصين، التي استثمرت أكثر من تريليون دولار في "مبادرة الحزام والطريق"، لطلب إذن مرور غير معلن من قوى تسيطر عليها واشنطن. وفي المقابل، تحول مضيق هرمز من سلاح ضغط إيراني إلى "فخ جيوسياسي" لبكين؛ فإيران التي كانت تهدد بإغلاق المضيق كأداة ردع، تجد نفسها اليوم أمام معضلة: أي تصعيد في هرمز سيعني انتحاراً اقتصادياً لحليفها الصيني قبل خصمها الأمريكي. ففي حال إغلاقه، ستصاب الآلة الصناعية الصينية بسكتة قلبية فورية، بينما تظل الولايات المتحدة في مأمن بفضل فائض الإنتاج من حوض "برميان" والنفط المستعاد من فنزويلا، مما يحول الجغرافيا البحرية من ممرات تجارة إلى مشانق اقتصادية معلقة فوق أعناق المنافسين.

تتجلى البراغماتية الأمريكية في عام 2026 في تفضيل "الاستقرار الوظيفي" على الفوضى التي قد تخلفها الثورات الديمقراطية. واشنطن باتت تفضل التعامل مع نظام متماسك يضمن طرد النفوذ الصيني والروسي وتأمين تدفق الخام، بدلاً من المخاطرة بفراغ سلطة قد يؤدي لحرب أهلية تحرق آبار النفط.

هذا التحول يفسر تراجع الاهتمام بالمعارضة اليمينية الراديكالية، مثل "ماريا كورينا ماتشادو"؛ فاستبعادها من الحسابات لم يكن خيانة للقيم، بل كان حساباً دقيقاً للمخاطر. واشنطن تخشى أن يؤدي وصول شخصية صدامية للسلطة إلى تفكيك مؤسسات الدولة الأمنية التي تحرس الآبار، مما يفتح الباب أمام عصابات التهريب أو المليشيات. لذا، تقبل واشنطن بـ "نظام وظيفي" يضمن تدفق النفط شمالاً، وتأمين إغراق السوق بالخام الرخيص الذي يضرب الجدوى الاقتصادية لمشاريع الطاقة البديلة الصينية.

هذا يمثل نهاية عصر "التبشير الديمقراطي" لصالح "السيادة الاقتصادية"، حيث تُقاس شرعية الأنظمة بمدى قدرتها على تأمين سلاسل الإمداد الأمريكية، لا بمدى التزامها بصناديق الاقتراع.

وفي عمق هذه التحولات، تبرز 'عقيدة مونرو الجديدة' كإطار ناظم للبراغماتية الأمريكية؛ فهي لا تعبأ كثيراً بالهوية الأيديولوجية للنظام في كاراكاس بقدر ما تهتم بمدى ولائه الوظيفي للمجال الحيوي الأمريكي. لقد انتقلت واشنطن من مرحلة 'تصدير الديمقراطية' إلى مرحلة 'تأمين الفناء الخلفي'، حيث تُختصر السيادة الفنزويلية في كونها جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي للولايات المتحدة. وبموجب هذه العقيدة، يصبح النفط الفنزويلي 'أصلاً أمريكياً بامتياز الجغرافيا'، مما يغلق الباب نهائياً أمام أي طموحات صينية لاستخدام المنطقة كمنصة لإضعاف الهيمنة الدولارية أو كسر الحصار الطاقي.

وفيما يخص الرد الصيني، فإن بكين لم تكتفِ بالمشاهدة، بل أطلقت ما يسمى بـ "إستراتيجية القلعة". الصين تدرك أن نقطة ضعفها هي "المحيطات المفتوحة" التي تسيطر عليها البحرية الأمريكية. لذا، سارعت بكين في 2026 إلى تسريع مشاريع الأنابيب البرية من سيبيريا وآسيا الوسطى. لكن الرد الأعمق هو التكنولوجي؛ فالصين تراهن على كسر السيادة النفطية عبر "كهربة الحضارة".

من خلال الهيمنة على سلاسل توريد الليثيوم، وتحقيق اختراق في مفاعلات الاندماج النووي، تسعى بكين لجعل النفط الفنزويلي "أصلاً ميتاً" قبل حلول عام 2035. إنها سباق مع الزمن؛ واشنطن تحاول خنق الصين بالنفط التقليدي الآن، وبكين تحاول الوصول إلى استقلال طاقي كامل يعتمد على الشمس والذرة والمعادن النادرة، لتتحول المحابس الأمريكية من أدوات قوة إلى مجرد أنابيب صدئة في عالم لم يعد يحتاج للكربون.

على الجانب الآخر، تبرز معضلة "الرعب السعري" التي تتبعها وزارة الخزانة الأمريكية. السيطرة على النفط الفنزويلي تعني امتلاك القدرة على التحكم في سعر البرميل عالمياً خارج أطر "أوبك+".

في عام 2026، تستخدم واشنطن السعر كسلاح "هدم حراري"؛ فبإبقاء السعر منخفضاً جداً، تحرم روسيا من تمويل آلتها العسكرية، وتحرم الصين من مبررات الاستمرار في إنفاق المليارات على أبحاث الطاقة البديلة المكلفة. إنها إستراتيجية تجعل النفط رخيصاً جداً لدرجة تجبر الصين على التخلي عن خطط التحول الطاقي والعودة للاعتماد على الخام، وحينها فقط، تطبق واشنطن قبضتها على المحابس لقطع الإمداد في لحظة المواجهة الكبرى.

ولم يكن التدخل الأمريكي في فنزويلا مجرد صفعة للصين، بل كان اختباراً حاسماً للنفوذ الروسي الذي تداعى تحت وطأة البعد الجغرافي. واشنطن استغلت هذا الانكسار لتفكيك الوجود الروسي في الكاريبي، محولةً الاستثمارات النفطية الروسية والصينية إلى "غنائم إستراتيجية" تدار بعقلية أمريكية. هذا التفكيك يعني أن الصين وروسيا خسرتا ليس فقط النفط، بل خسرتا مليارات الدولارات من الديون التي كانت فنزويلا ستسددها عبر شحنات الخام، مما يوجه ضربة قاصمة لنظام القروض الجيوسياسية الذي اعتمدته بكين لسنوات.

وفي الختام، من المحتمل أن ننهي عام 2026 بعالم منقسم بحدة؛ قطب أمريكي يسيطر على "الجغرافيا التقليدية" والمضائق، وقطب صيني يستميت للسيطرة على "المستقبل التكنولوجي". فنزويلا لم تكن سوى الشرارة الأولى في حرب "إعادة ترسيم السيادة العالمية"، حيث لم تعد القوة تُقاس بعدد الرؤوس النووية بقدر ما تُقاس بالقدرة على التحكم في "إيقاع الحياة" للخصم عبر الصمامات. الجدلية القائمة اليوم ليست حول من يملك النفط، بل حول من يملك القدرة على منع الآخر من الوصول إليه. ويبقى السؤال المعلق فوق أنقاض النظام العالمي القديم: هل سيؤدي هذا الضغط الهائل إلى انصياع التنين الصيني، أم أن الخنق سيؤدي إلى انفجار يغير القواعد الفيزيائية للقوة، ويجعل من عام 2026 العام الذي بدأت فيه "دبلوماسية المحابس والبارود" في صياغة قدر البشرية؟

 


 

 

د. عبد الواحد غيات

                                             باحث في العلوم السياسية