samedi 31 janvier 2026
خارج الحدود

الإمارات العربية المتحدة: ريادة عالمية في الذكاء الاصطناعي وصناعة المستقبل

الإمارات العربية المتحدة: ريادة عالمية في الذكاء الاصطناعي وصناعة المستقبل الإمارات تقود المستقبل بالذكاء الاصطناعي

تُعَدُّ دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجًا فريدًا في مسيرة التنمية الحديثة، حيث استطاعت في زمن قياسي أن تتحول من بيئة صحراوية بسيطة إلى دولة عصرية متقدمة تحتل مكانة مرموقة على المستويين الإقليمي والعالمي. ومنذ تأسيسها على يد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، قامت رؤيتها على الاستثمار في الإنسان قبل المكان، وفي العلم قبل العمران، فجعلت من المعرفة والابتكار ركيزتين أساسيتين لبناء الدولة الحديثة. ومع دخول العالم عصر الثورة الرقمية، لم تقف الإمارات موقف المتفرج، بل اختارت أن تكون في طليعة الدول التي تقود التحول نحو المستقبل، وعلى رأسه مجال الذكاء الاصطناعي.
لقد أدركت القيادة الإماراتية في وقت مبكر أن الذكاء الاصطناعي لم يعد ترفًا تقنيًا أو خيارًا مستقبليًا، بل أصبح عنصرًا حاسمًا في بناء الاقتصاد المعرفي وتعزيز القدرة التنافسية للدول. ومن هذا المنطلق، كانت الإمارات من أوائل الدول في العالم التي أطلقت استراتيجية وطنية شاملة للذكاء الاصطناعي، وعيّنت وزيرًا مختصًا بهذا المجال، في خطوة غير مسبوقة عكست حجم الرهان على هذه التكنولوجيا الحديثة.
وتقوم رؤية الإمارات في مجال الذكاء الاصطناعي على توظيف التقنيات الذكية في خدمة الإنسان وتحسين جودة حياته، وليس استبداله أو تهميشه. فالتكنولوجيا في الفكر الإماراتي وسيلة لتحقيق السعادة والرفاه الاجتماعي، لا غاية في حد ذاتها. ولهذا نجد أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي قد امتدت لتشمل مختلف القطاعات الحيوية، مثل الصحة والتعليم والنقل والطاقة والأمن والخدمات الحكومية.
في المجال الصحي، ساهم الذكاء الاصطناعي في تطوير أنظمة التشخيص المبكر للأمراض، وتحليل الصور الطبية، وإدارة الملفات الصحية الإلكترونية، مما أسهم في رفع كفاءة الخدمات وتقليل الأخطاء الطبية. كما تم توظيف الخوارزميات الذكية في التنبؤ بالأوبئة وتحسين خطط الاستجابة للطوارئ، وهو ما ظهر جليًا خلال جائحة كورونا، حيث أظهرت الإمارات قدرة عالية على توظيف التكنولوجيا في حماية المجتمع.
أما في قطاع التعليم، فقد تبنت الدولة حلولًا تعليمية ذكية تعتمد على تحليل بيانات الطلبة وتحديد مستوياتهم واحتياجاتهم الفردية، مما يساعد المعلمين على تقديم محتوى مخصص لكل طالب. كما دعمت منصات التعلم الرقمي والافتراضي، وربطت المناهج الدراسية بمهارات المستقبل، مثل البرمجة وتحليل البيانات والتفكير المنطقي، إعدادًا لأجيال قادرة على مواكبة العصر الرقمي.
وفي مجال النقل والمواصلات، حققت الإمارات تقدمًا لافتًا من خلال تطوير مشاريع المركبات ذاتية القيادة، والطائرات دون طيار، وأنظمة المرور الذكية. وتسعى دبي، على سبيل المثال، إلى تحويل نسبة كبيرة من وسائل النقل إلى وسائل ذاتية القيادة، بهدف تقليل الحوادث المرورية، وخفض الانبعاثات الكربونية، وتحسين كفاءة التنقل الحضري.
كما أولت الدولة اهتمامًا خاصًا بالمدن الذكية، حيث تم دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء في إدارة البنية التحتية والخدمات العامة. فأصبحت أنظمة الكهرباء والمياه والنفايات والأمن تعمل وفق منظومات رقمية متطورة تعتمد على التحليل الفوري للبيانات واتخاذ القرار الذكي، مما يعزز الاستدامة ويحسن جودة الحياة.
ولم يقتصر اهتمام الإمارات بالذكاء الاصطناعي على الجانب التطبيقي فقط، بل امتد إلى بناء منظومة متكاملة للبحث العلمي والابتكار. فقد أنشأت مراكز بحثية متخصصة، وحاضنات أعمال، ومناطق حرة للتكنولوجيا، وشجعت الشركات الناشئة ورواد الأعمال في مجالات البرمجيات والروبوتات والبيانات الضخمة. كما استقطبت كبرى الشركات العالمية والخبرات الدولية، لتكون الدولة منصة إقليمية للابتكار الرقمي.
وفي هذا السياق، برزت مؤسسات رائدة مثل جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، التي تُعد أول جامعة من نوعها عالميًا متخصصة في هذا المجال، وتسهم في إعداد كوادر بحثية عالية المستوى، قادرة على إنتاج المعرفة وليس فقط استهلاكها. وهذا يعكس وعي الدولة بأهمية الاستثمار في العقول قبل الاستثمار في التقنيات.
وتتميز التجربة الإماراتية أيضًا باهتمامها بالأبعاد الأخلاقية والقانونية للذكاء الاصطناعي، حيث وضعت أطرًا تنظيمية تهدف إلى ضمان الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، وحماية الخصوصية، وتعزيز الشفافية، ومنع التمييز والتحيز في الخوارزميات. فالتقدم الحقيقي في نظر الإمارات هو ذلك الذي يحترم القيم الإنسانية ويحافظ على التوازن بين التطور التقني والبعد الأخلاقي.
كما لعب الذكاء الاصطناعي دورًا مهمًا في دعم الاقتصاد الوطني، من خلال تنويع مصادر الدخل، وتعزيز الصناعات الرقمية، وجذب الاستثمارات الأجنبية. وأصبحت الإمارات مركزًا إقليميًا للشركات التكنولوجية العالمية، ومختبرًا مفتوحًا لتجربة الحلول الذكية، مما ساهم في ترسيخ مكانتها كمحور اقتصادي متقدم في المنطقة.
ولا يمكن إغفال دور الرؤية القيادية في تحقيق هذا التحول النوعي، حيث تبنت القيادة سياسة استشراف المستقبل، والتخطيط طويل المدى، واتخاذ القرارات الجريئة. فمشاريع مثل “مئوية الإمارات 2071” و“رؤية نحن الإمارات 2031” تعكس طموحًا استراتيجيًا يهدف إلى جعل الدولة من أفضل دول العالم في مجالات الابتكار والمعرفة.
إن تجربة الإمارات في مجال الذكاء الاصطناعي ليست مجرد قصة نجاح تقني، بل هي نموذج حضاري يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الهوية الوطنية والانفتاح العالمي، وبين التنمية الاقتصادية والمسؤولية الاجتماعية. لقد استطاعت الدولة أن توظف التكنولوجيا الحديثة في خدمة مشروعها الحضاري، وأن تجعل من الذكاء الاصطناعي أداة لبناء الإنسان قبل بناء الآلة.
وفي ظل التسارع المتواصل للتطورات الرقمية، تواصل الإمارات مسيرتها بثقة نحو المستقبل، مستندة إلى رؤية واضحة، وإرادة سياسية قوية، واستثمار مستدام في الإنسان والمعرفة. وهكذا تؤكد الدولة، يومًا بعد يوم، أن الريادة لا تتحقق بالموارد وحدها، بل بالعقول التي تحسن توظيفها، وبالقيادة التي تؤمن بأن المستقبل يُصنع اليوم، لا يُنتظر غدًا.

 

الصادق العثماني - باحث في الفكر الإسلامي وقضايا التطرف الديني