vendredi 30 janvier 2026
اقتصاد

إدريس الفينة: مفارقة التجارة الخارجية للمغرب سنة 2025

إدريس الفينة: مفارقة التجارة الخارجية للمغرب سنة 2025 إدريس الفينة(يتوسط) عمر احجيرة، ورياض مزور((يسارا)

في سنة 2025، يجد المغرب نفسه أمام وضع للتجارة الخارجية يبدو للوهلة الأولى مستقرًا، لكنه في العمق يعكس اختلالًا بنيويًا متفاقمًا. فالسياق الدولي، مقارنة بسنوات الصدمة الممتدة من الجائحة إلى الحرب في أوكرانيا، أصبح أقل توترا: أسعار الطاقة تراجعت نسبيًا، الضغوط التضخمية العالمية انحسرت، وسلاسل القيمة الدولية دخلت مرحلة إعادة تموضع أكثر وضوحًا. من الناحية النظرية، كان يفترض أن يشكل هذا السياق فرصة لتخفيف القيود الخارجية. غير أن الأرقام تكشف عكس ذلك.

تشير آخر المعطيات المتاحة إلى أن العجز التجاري للمغرب بلغ في 2025 مستوى تاريخيًا غير مسبوق، متجاوزًا 353 مليار درهم، بزيادة تناهز 16% مقارنة بالسنة السابقة. هذا التطور لا يمكن اعتباره ظرفيًا، لأنه يحدث في سياق نمو الصادرات، لا في سياق انهيارها. فالصادرات ارتفعت إلى حوالي 469 مليار درهم، مدفوعة أساسًا بالفوسفاط ومشتقاته، الطيران، وبعض فروع الصناعة التحويلية. غير أن هذه الدينامية ظلت محدودة الأثر، لأن الواردات واصلت توسعها بوتيرة أسرع، متجاوزة 822 مليار درهم. النتيجة هي تراجع واضح في معدل التغطية، واستمرار الاعتماد الهيكلي على الخارج.

الأكثر دلالة في هذا المشهد هو التزامن بين هذا العجز التجاري التاريخي وبين بلوغ الاستثمارات الأجنبية المباشرة مستويات قياسية. ففي 2025، تجاوزت مداخيل هذه الاستثمارات 56 مليار درهم، وارتفع صافي تدفقها بأكثر من 70% في سنة واحدة. من منظور اقتصادي بحت، يفترض أن تسهم هذه الاستثمارات في تقليص الاختلال الخارجي عبر تعزيز القدرات الإنتاجية المحلية. لكن ما يحدث فعليًا هو العكس: الاستثمار الأجنبي يعمّق القدرة الإنتاجية دون أن يقلّص التبعية للاستيراد، لأن بنيته القطاعية تقوم على سلاسل إنتاج كثيفة الاستيراد.

وهنا تتجلى المفارقة الأساسية. فالعجز التجاري لا يتولد أساسًا مع الشركاء الذين يرتبط بهم المغرب اقتصاديًا بأكثر من قناة، بل مع شركاء لا يشكلون رافعة متكاملة للاقتصاد الوطني. فالدول الأوروبية، التي تمثل الوجهة الرئيسية للصادرات المغربية والمصدر الأول للاستثمارات الأجنبية، ليست في العموم مصدر الاختلال الأكبر في الميزان التجاري. بل أكثر من ذلك، هذه الدول نفسها تشكل العمود الفقري لفائض ميزان الخدمات، سواء عبر السياحة أو تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج.

في سنة 2025، تجاوز فائض ميزان الخدمات 159 مليار درهم، مدفوعًا بعائدات سياحية فاقت 138 مليار درهم، وتحويلات مالية من الجالية قاربت 122 مليار درهم. وهذه التدفقات تأتي في معظمها من نفس الفضاء الأوروبي الذي يستقبل الصادرات المغربية ويضخ الاستثمارات. بمعنى آخر، الشركاء الأكثر اندماجًا في الاقتصاد المغربي هم أيضًا الشركاء الذين يساهمون في استقرار توازناته الخارجية.

في المقابل، تلعب الصين دورًا متزايدًا في تدهور الميزان التجاري وتدمير الاقتصاد الوطني. فالواردات القادمة منها ترتفع باطراد، تشمل تجهيزات صناعية، منتجات إلكترونية، ومدخلات وسيطة، دون أن يقابلها نمو مماثل في الصادرات المغربية نحو السوق الصينية. العجز الثنائي مع الصين بلغ مستويات تاريخية، وأصبح أحد المحركات الرئيسية للعجز التجاري الإجمالي، دون أن يقابله استثمار صيني مكافئ أو أثر إيجابي على ميزان الخدمات او على الاقتصاد ككل .

أمام هذه المعطيات، يطرح سؤال لا يمكن تجاوزه: ما هو الدور الفعلي لسياسات التجارة الخارجية؟ وإذا كانت الدول التي تدمّر الميزان التجاري ليست هي الدول المصدّرة لرؤوس الأموال ولا السياح ولا التحويلات، فما جدوى سياسة تجارية لا تميّز بين الشركاء بحسب أثرهم الصافي على الاقتصاد الوطني؟ إن استمرار التحرير التجاري غير الموجَّه، والانفصال بين السياسة التجارية والسياسة الصناعية وسياسة جذب الاستثمار، يفرغ مفهوم “الانفتاح” من مضمونه التنموي.

المغرب في 2025 لا يعاني من صدمة خارجية، بل من حدود داخلية لنموذجه التجاري. لقد نجح في جذب الاستثمار، وفي تثبيت موارد السياحة والتحويلات، لكنه أخفق في تحويل هذه العناصر إلى رافعة لتصحيح العجز التجاري. المفارقة ليست في الأرقام، بل في غياب الاتساق بين السياسات. وما لم يُعاد التفكير جذريًا في وظيفة التجارة الخارجية، سيظل العجز التجاري حقيقة بنيوية تُدار، لا إشكالية تُحل.