vendredi 30 janvier 2026
خارج الحدود

مصطفى الخداري: لمعسل هو اللخر

مصطفى الخداري: لمعسل هو اللخر مصطفى الخداري

"عندك تحشمنا! سميرة بنت خالتك نجحات بمونسيو"!

جملةٌ اعتاد خالد سماعها في كل لحظة، كل يوم، بنفس النبرة، بنفس الوجع. تخرج من فم الأم كرصاصة صغيرة، لا تترك دمًا، لكنها تترك أثرًا عميقًا.
أما الأب، فيفضّل الصمت غالبًا. غير أن صمته، حين ينكسر، يزيد الجرح اتساعًا:

"عيّيت بالخلاص… ها فلوس المدرسة، ها فلوس السوايع، ها فلوس الطوبيس…"
ثم يختم، وكأنه ينطق بحكمة مُرّة لا تقبل النقاش:
"لمعسل هو اللخر!"

في هذا الجو المشحون، داخل شقة صغيرة تضيق بأهلها، حيث تختلط الأصوات بالحركة، والتوتر بالضغط، يجد خالد نفسه مجبرًا على إنجاز واجباته في ركنٍ من أركان الغرفة، محاولًا أن يقتنص لحظة تركيز وسط فوضى لا تهدأ.

أصبحت الواجبات المنزلية في المغرب طقسًا يوميًا مفروضًا على كل تلميذ، في التعليم العمومي كما في الخصوصي.
بعد ساعات طويلة داخل الفصل، يُطلب من التلميذ أن يواصل “العمل” في البيت، وكأن المدرسة لم تكن كافية، وكأن الطفولة ترف لا يستحق الوقت.

وهنا يبرز السؤال المشروع:
ما جدوى هذه البرامج الدراسية الماراثونية التي تفرضها الوزارة، وتثقل بها كاهل المتعلمين الأبرياء؟

برامج مكثفة، مقررات متخمة، وحقائب مدرسية تحولت إلى عبء جسدي حقيقي. حقائب مليئة بالكتب ودفاتر التمارين ودفاتر الواجبات المنزلية، إلى درجة أن بعض التلاميذ لم يعودوا قادرين على حملها لوحدهم. فيُضطر أحد الوالدين,  أو الخادمة، بالنسبة لأصحاب “VIP” إلى القيام بالمهمة.

المفارقة المؤلمة أن الوزارة الوصية لا تكتفي بتشجيع هذا النهج، بل تطالب الآباء والأمهات بالسهر اليومي على تتبع الواجبات المنزلية، وكأن الأسرة أصبحت امتدادًا إجباريًا للفصل الدراسي. ومع الوقت، أصبح هذا الوضع طبيعيًا، مقبولًا، بل مُسلّمًا به… وكأنه الخيار الوحيد الصحيح.

ثم تأتي المعضلة الثانية: الساعات الإضافية.
تحولت من استثناء إلى ضرورة. ومن دعم مؤقت إلى قاعدة ثابتة. إرهاق مضاعف للتلميذ، واستنزاف مادي لجيوب الأسر، التي تجد نفسها مطالبة بأداء مصاريف المدرسة الخصوصية، ثم مصاريف الساعات الإضافية، ثم مصاريف النقل، ثم… لا نهاية.

أما المعضلة العظمى، فهي “الموضة” الجديدة التي غزت الأحاديث في أماكن العمل والجلسات العائلية:
التباهي بأسماء المدارس الخصوصية.

لم يعد المعيار هو جودة البرامج أو المناهج أو القيم التربوية، بل حجم المبلغ المؤدى.
المدرسة أصبحت علامة تجارية، والطفل مشروع استثمار، والنجاح شهادة استهلاك.

والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح:
إلى متى سنظل نؤمن بأن الواجبات المنزلية اليومية والساعات الإضافية هي الطريق الوحيد للنجاح؟

هل تعلمون، مثلًا، أن جميع التلاميذ في هولندا يتابعون دراستهم في التعليم العمومي؟
طبعًا، لا مجال للمقارنة المباشرة بين الأوضاع، لكن فقط لإبراز أن هناك بدائل أخرى ممكنة.

فيما يخص الواجبات المنزلية، فهي هناك نادرة، ولا تُستعمل إلا في حالات خاصة ومحدودة.
التلاميذ يذهبون إلى المدرسة دون حقائب ثقيلة، دون كتب، دون دفاتر. ويغادرونها بنفس الكيفية.
التعلم يتم داخل المدرسة، خلال الزمن المدرسي.

بهذا الأسلوب، تُمنح للتلاميذ فرصة ممارسة أنشطتهم، تطوير هواياتهم، تجديد طاقتهم، والاستمتاع بوقتهم مع أصدقائهم وعائلاتهم، دون ضغط أو توتر يومي.
ما يُدرَّس داخل الفصل غالبًا كافٍ لتحقيق الأهداف التعليمية، باستثناء حالات خاصة تتطلب حلولًا خاصة، لا تعميمًا مرهقًا للجميع.

هذه الفلسفة التربوية تثير أحيانًا نقاشًا حادًا مع بعض الآباء من أصول أجنبية، الذين تعودوا على منطق “التمارين المنزلية هي السبيل الوحيد للنجاح”. وتجد بعض المدارس صعوبة في إقناعهم بأن الضغط ليس دائمًا حلًا.

ثم تأتي فترة الامتحانات… المرحلة الأكثر رعبًا.

“ألو، بنتي نجحات، وشنو دار ولدك؟”

عبارات تتكرر، تُقال أحيانًا ببراءة، وأحيانًا أخرى كخناجر ناعمة.
أسئلة تزيد من توتر الأسر، خصوصًا تلك التي لم يحالف أبناءها النجاح.

مع اقتراب الامتحانات، يتكهرب الجو العائلي. يسكن الخوف البيوت، ويخيّم القلق على الجميع:
هل سينجح ابني أم لا؟

معاناة تتكرر كل سنة، من البداية إلى النهاية. نفس السيناريو، نفس الضغط، نفس الأعصاب المنهكة.

ألا يمكن أن نعيد النظر بجدية في هذه البرامج التعليمية المكتظة؟
ألا يمكن أن نختار الأهم بدل الإغراق في الكم؟

ألم يحن الوقت لإعادة الاعتبار للمدرسة العمومية، حتى تصبح فعلًا فضاءً جامعًا لكل التلاميذ، بغض النظر عن وضعهم الاجتماعي؟

ألم يحن الوقت لمراجعة برامج تكوين الأساتذة، والإنصات الحقيقي لهم، وللآباء، وإشراكهم الفعلي في القرار التربوي؟

التعليم ليس سباقًا، ولا استعراضًا، ولا مجالًا للمزايدة الاجتماعية.
إنه مشروع مجتمع.
وإصلاحه لا يبدأ بـ«لمعسل هو اللخر"،
بل بالشجاعة لطرح السؤال الصحيح…
ثم الاستعداد الصادق لتغيير الجواب.


                                                مصطفى الخداري، نائب مدير سابق بالتعليم الهولندي 
                                                          يوميات عن التعليم في المغرب والمهجر