بين صخب الملاعب المونديالية وصمت القرى النائية، ترسم كرة القدم في المغرب ملامح مشروع دولة. هل هي مجرد قوة ناعمة للتسويق الخارجي، أم أنها قاطرة حقيقية للتغيير الاجتماعي؟ قراءة في ثنايا كان 2025 وما وراء المستطيل الأخضر.
مقدمة: أكثر من مجرد لعبة
لم تعد كرة القدم في المغرب مجرد ركض خلف جلد منفوخ أو أداة للترفيه العابر، بل انزاحت عن سياقها الرياضي الضيق لتتحول إلى عقيدة استراتيجية وركيزة محورية في مشروع الدولة المغربية المعاصر. إنها اليوم القوة الناعمة التي تحاول من خلالها المملكة صياغة هويتها الجديدة في المحافل الدولية.
ومع إسدال الستار على بطولة كأس أمم أفريقيا كان 2025، والبدء في العد التنازلي لمونديال 2026، يقف المغرب اليوم أمام مرآة كاشفة؛ مرآة تعكس، من جهة، نجاحات باهرة في تشييد ملاعب بمواصفات عالمية وقدرة فائقة على الحشد اللوجستي، لكنها في الوقت ذاته، تُظهر بوضوح ندوباً وثغرات لم يعد ممكناً القفز عليها. هي ثغرات تتراوح بين ارتباكات تنظيمية تقنية، وأسئلة اجتماعية عميقة حول جدوى هذه الاستثمارات الضخمة في ظل واقع معيشي معقد. إننا أمام لحظة مكاشفة وطنية:
كيف يمكن للشغف الكروي أن يكون قاطرة للتنمية الحقيقية لا مجرد واجهة براقة لإخفاء التحديات الهيكلية؟
I. كان 2025 في ميزان التاريخ.. قفزة لوجستية أم مفارقة تنظيمية؟
لا يمكن قراءة نجاح أو إخفاق نسخة المغرب دون وضعها في سياق المقارنة مع النسخ الأفريقية السابقة (مثل كوت ديفوار 2023 أو الكاميرون 2021). فمن حيث البنية التحتية الصلبة، تفوق المغرب بمراحل؛ حيث انتقلت البطولة من ملاعب كانت تعاني في النسخ السابقة من سوء العشب أو بعد المسافات، إلى مركبات رياضية متكاملة ترتبط بشبكة قطارات فائقة السرعة، وهو ما لم يتوفر في أي نسخة سابقة في تاريخ القارة بأكملها.
ومع ذلك، تبرز المفارقة التنظيمية عند مقارنة تجربة المشجع؛ فبينما اتسمت نسخة كوت ديفوار 2023 بطابع شعبي وسلاسة في دخول الملاعب رغم تواضع الإمكانيات، وقعت نسخة المغرب في فخ التعقيد الرقمي وأزمة التذاكر الإلكترونية التي أبعدت شريحة واسعة من البسطاء. كما أن النسخ السابقة، ورغم معاناتها اللوجستية، كانت تنجح أحياناً في خلق هوية بصرية أكثر التصاقاً بالثقافة المحلية، بينما طغى على نسخة المغرب الجانب التجاري الصارم لشركات الرعاية، مما جعل البطولة تبدو في بعض لحظاتها أوروبية القالب، أفريقية الميدان.
إن المقارنة التاريخية تؤكد أن المغرب نجح في عصرنة الكان ونقله إلى مستوى المونديال تقنياً، لكنه لا يزال يحتاج لاستعادة الروح الشعبية التي ميزت البطولات الأفريقية الكلاسيكية، لضمان أن التطور التكنولوجي لا يقتل العفوية والشغف الذي هو جوهر كرة القدم في القارة السمراء.
II. سوسيولوجيا المدرجات.. كرة القدم كمتنفس اجتماعي وصوت للمهمشين
في الأحياء الشعبية المغربية، حيث تضيق خيارات العيش وتتسع دائرة التحديات الاقتصادية، تتجاوز كرة القدم كونها لعبة لتصبح الرئة البديلة التي يتنفس من خلالها الشباب. إن المدرجات في الدوري المغربي، وخاصة خلف المرمى حيث تستقر مجموعات الألتراس، لم تعد مجرد حيز للمشاهدة، بل تحولت إلى برلمانات مفتوحة وصوت لمن لا صوت له.
هنا، تلتحم المعاناة الفردية بالهتاف الجماعي؛ فالأغاني التي تصدح بها الحناجر (مثل في بلادي ظلموني) والتيفوهات الفنية المعقدة، ليست مجرد زينة بصرية، بل هي رسائل سياسية واجتماعية مشفرة تعكس أحلام جيل يرى في الملعب المكان الوحيد الذي يمنحه الشعور بالاستحقاق والوجود. بالنسبة لهذه الفئات الضعيفة، فإن فوز الفريق المفضل ليس مجرد ثلاث نقاط، بل هو انتصار رمزي على واقع الإقصاء، وتعويض معنوي عن انكسارات يومية في مجالات الشغل والصحة والتعليم.
إن هذه المركزية الكروية في حياة المغاربة تجعل من كل مباراة حكاية صمود اجتماعي؛ حيث تذوب الفوارق بين الطبقات تحت شعار النادي، وتتحول الكرة إلى خيط حرير يربط بين نسيج مجتمعي متباين، يجمعه الشغف وتوحده الرغبة في إثبات الذات أمام مرأى العالم.
III."تمغربيت" الكروية : صهر الهويات في بوتقة المستطيل الأخضر
بعيداً عن الأرقام والنتائج، كشفت الملحمة الكروية المغربية عن قدرة عجيبة للساحرة المستديرة على إعادة تعريف مفهوم "تمغربيت" في أبهى تجلياته. فداخل المستطيل الأخضر، وفي مدرجات الهتاف، تلاشت المسافات الجغرافية والحواجز اللغوية؛ حيث انصهرت المكونات الثقافية المغربية من روافد أمازيغية، وعربية، وحسانية، في نشيد وطني واحد. لم تعد كرة القدم مجرد رياضة، بل أصبحت مختبراً للهوية الوطنية الحية، حيث يعانق العلم الأمازيغي الراية الوطنية، وتُعزف أهازيج "أحيدوس" و"الدقة المراكشية" و"الركادة" في قلب الملاعب المونديالية. إن هذا التلاحم العفوي أثبت أن كرة القدم في المغرب هي العروة الوثقى التي تتجاوز التجاذبات السياسية، لتقدم نموذجاً فريداً لـوحدة التنوع؛ حيث يشعر كل مغربي، من جبال الأطلس إلى رمال الصحراء ومن حواري طنجة إلى تخوم فيكيك، أن هذا النصر هو استعادة لكرامته الشخصية وتأكيد لخصوصيته الثقافية التي تحتضنها الدولة في مشروعها المعاصر.
IV. صراع الأولويات بين تشييد الملاعب وأنين القطاعات الحيوية
تفتح الاستثمارات المليارية التي ضُخت في البنية التحتية الرياضية واللوجستية باباً واسعاً لجدلٍ وطني لا ينقطع، يتمحور حول فقه الأولويات في مجتمع لا يزال يكافح ضد فوارق اجتماعية ملموسة. فبينما ترتفع المآذن الرياضية كملعب الرباط الكبير وطنجة كشواهد على المغرب الحديث والقدرة على مضاهاة القوى العظمى، تبرز في المقابل تساؤلات مشروعة تنبع من عمق الأحياء الشعبية والقرى النائية: هل يمكن لبريق الذهب في الميداليات أن يحجب أنين القطاعات الحيوية؟
إن هذه المفارقة تضع الدولة في اختبار حرج؛ فمن جهة، تُعد كرة القدم قوة ناعمة ومحركاً اقتصادياً قادراً على جلب الاستثمارات الأجنبية، وتنشيط القطاع السياحي، وخلق فرص عمل لآلاف الشباب. ومن جهة أخرى، يرى الكثيرون أن تكلفة تشييد وصيانة ملعب واحد بمعايير الفيفا كانت كفيلة بسد العجز في مستشفيات إقليمية أو بناء مئات المدارس في مناطق المغرب غير النافع.
هذا الصدام بين الاستثمار في الصورة والاستثمار في الإنسان يتجاوز كونه نقاشاً مالياً ليصبح قضية وجودية؛ فالمجتمعات الضعيفة اقتصادياً قد تقدس الكرة كمتنفس، لكنها لا تقبل أن تكون هذه اللعبة مخدراً يغيب الوعي عن ضروريات العيش الكريم. إن نجاح التجربة المغربية في أفق 2030 لن يقاس بجمالية التصاميم الهندسية فحسب، بل بمدى قدرة الدولة على جعل هذه النهضة الرياضية قاطرة حقيقية ترفع معها جودة حياة المواطن البسيط، ليكون الهدف الأسمى ليس في الشباك، بل في كرامة الإنسان.
ومع ذلك، فإن العبور الآمن من وهج كان 2025 إلى استدامة طموح 2030 يفرض بالضرورة الانتقال من منطق الإنجاز بالمناسبة إلى منطق الاستدامة بالبنية. إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في استضافة تظاهرات كبرى، بل في مأسسة هذا النجاح عبر حكامة رياضية تقطع مع أساليب التدبير الهاوية. فبقدر ما تحتاج الدولة إلى ملاعب من الصنف الأول، تحتاج المجتمعات المحلية إلى عدالة كروية تبدأ من تكوين الناشئة في المناطق المهمشة وتمر عبر دمقرطة الولوج للمراكز الرياضية، وصولاً إلى تدبير مالي شفاف يضمن ألا تذهب ميزانيات الضيافة على حساب ميزانيات التنمية البشرية. إن الرهان القادم هو تحويل كرة القدم من حدث عابر يثير الحماس اللحظي، إلى نسق بنيوي يساهم في خلق ثروة مادية ولامادية، ويجعل من كل طفل في قرية نائية يرى في الملعب أفقاً للترقي الاجتماعي، لا مجرد شاشة لمشاهدة أحلام الآخرين.
V.كرة القدم والوعي الجمعي: بين التخدير والتسييس
لا يمكن القفز فوق التساؤل الجوهري الذي يرافق كل طفرة كروية: هل تُستخدم الساحرة المستديرة كأداة لـتخدير الوعي الجمعي وصرف الأنظار عن القضايا المصيرية؟ في المنظور السوسيولوجي الكلاسيكي، قد تبدو الملاعب كصمامات أمان لتفريغ الاحتقان الاجتماعي وتوجيه الطاقات نحو انتصارات رمزية تعوض الانكسارات الواقعية.
لكن الحالة المغربية تقدم نموذجاً مغايراً؛ فالكرة هنا لم تعد مجرد أداة إلهاء تفرضها السلطة، بل تحولت إلى مساحة للمكاشفة. المشجع الذي يهتف في المدرج لم يعد منفصلاً عن واقع الغلاء أو أزمة التعليم والصحة، بل أصبح يستخدم فضاء الملعب لبعث رسائل سياسية واضحة، محولاً أفيون الشعوب المفترض إلى ترياق للوعي ومطالبة بالحقوق. إنها المفارقة الكبرى: حيث تحاول السياسة أحياناً الإلهاء بالكرة، تختار الجماهير التسييس عبر الكرة، مما يجعل المستطيل الأخضر ساحة صراع على المعنى، لا مجرد حلبة للركض خلف الأوهام.
VI.الكان ورهان المشروعية: بين التجاذبات الإقليمية والاعتراف الدولي
تجاوزت بطولة كان 2025 حدود المستطيل الأخضر لتتحول إلى ساحة حرب روايات كشفت عمق الشرخ الإقليمي؛ حيث لم يكن التنافس كروياً فحسب، بل كان مواجهة إعلامية شرسة سعت من خلالها أطراف إقليمية إلى التشكيك في الجاهزية المغربية. وقد ركز هذا الخطاب المضاد على تضخيم الثغرات اللوجستية واتهام المؤسسات القارية بالمحاباة، في محاولة لتصوير البطولة كفشل بنيوي يفتقر للروح الأفريقية.
وأمام هذا الضغط الإعلامي، نهج المغرب استراتيجية الرد عبر مسارين متوازيين:
1. دبلوماسية الميدان: انتقلت المملكة من التسويق إلى الإثبات الواقعي، بفتح الأوراش الكبرى أمام الرقابة الدولية وتسريع الربط اللوجستي (كالبراق والنقل الحضري). هذا الرد العملي حوّل الملاعب إلى شواهد حية تُفند روايات التشكيك وتثبت قدرة الدولة على ضبط الأمن وإدارة الحشود في أصعب الظروف.
2. المشروعية الدولية والتوثيق العالمي: جاء الحسمُ من أعلى الهيئات الكروية (FIFA) و(CAF)؛ حيث لم تكتفِ الإشادات بالجانب التنظيمي، بل اعتبر الاتحاد الأفريقي نسخة المغرب معياراً مرجعياً لمستقبل القارة. ولم يقتصر هذا الاعتراف على المؤسسات الرياضية فحسب، بل امتد ليشمل كبرى المنصات الإعلامية العالمية؛ حيث تختارُ منصة نتفلكس (Netflix) العالمية توثيق ملحمة "كان 2025" عبر فيلم وثائقي حصري يستعرضُ كواليس البطولة وأجواءها الاستثنائية؛ إذ تسلطُ العدسة السينمائية الضوء على عبقرية الحلول اللوجستية والرقمية التي تجترحُها الدولة المغربية، مبرزةً الفخامة المعمارية للملاعب ذات المواصفات العالمية. ولا يتوقفُ الإبهارُ هنا عند حدود الحجر، بل تحتفي المنصة بـ "تمغربيت" كفلسفة عيش، من خلال رصد قيم الضيافة والتعددية التي تطبعُ استقبال الشعب المغربي للجماهير الأفريقية. إن هذا التماهي بين الإشادة التقنية لـ "إنفانتينو" والتوثيق الجمالي لـ "نتفلكس"يُحوّلُ حملات التشكيك الإقليمية إلى مجرد ضجيج هامشي، ليؤكدَ أن المغرب لا ينظم بطولة فحسب، بل يصيغُ قصة نجاح عالمية بالصوت والصورة.
خاتمة: الطريق نحو 2030.. موازنة الرهان بين "عالمية الصورة" و"محليّة التنمية"
في المحصلة، تبرز كرة القدم في المغرب اليوم كأكثر من مجرد منافسة رياضية؛ إنها مرآة صادقة لمجتمع يتحرك بطموح جامح نحو المستقبل بينما يواجه، في الآن ذاته، تحديات الواقع المعقدة. لقد أثبتت محطة "كان 2025" أن المملكة تمتلك "الصلابة" التنظيمية و"النعومة" الثقافية لفرض اسمها كقوة إقليمية ودولية صاعدة، موثقةً نجاحها في سجلات الهيئات الدولية ومنصات التوثيق العالمية.
ومع ذلك، يظل الاختبار الحقيقي الذي ينتظر المغرب في أفق 2030 هو اختبار "الاستدامة والعدالة". إن النجاح الباهر في المستطيل الأخضر يجب أن يجد صداه في "المستطيلات الاجتماعية" الأخرى؛ من مستشفيات، ومدارس، وفرص شغل تحفظ كرامة المواطن. فالهدف الأسمى للدولة، والرهان الذي تفرضه لحظة المكاشفة الوطنية، هو تحويل هذه النهضة الكروية من "واجهة برّاقة" إلى "قاطرة حقيقية" للتنمية البشرية، بحيث لا يُقاس الانتصار بعدد الأهداف المحققة في الملاعب فحسب، بل بحجم الأمل الذي يُزرع في نفوس الشباب في القرى والمداشر. إن الطريق نحو المونديال هو، في جوهره، طريق نحو بناء مغرب يزاوج بين احترافية التنظيم وعدالة التوزيع، ليكون "الاستثناء المغربي" قصة نجاح شعب استثمر في أحلامه الكبرى دون أن ينسى أن كرامة الإنسان هي أغلى انتصار.
الدكتور عبد الواحد غيات
باحث في العلوم السياسية