mardi 27 janvier 2026
كتاب الرأي

عبد اللطيف البغيل: لعبة كرة القدم الحقيقية كما لم تلعب من قبل

عبد اللطيف البغيل: لعبة كرة القدم الحقيقية كما لم تلعب من قبل عبد اللطيف البغيل

 عشنا خلال الأيام القليلة الماضية كمغاربة، مع مجريات وأطوار بطولة كأس افريقيا التي نظمت في بلادنا، وشدت إليها أنظار العام، على مدى شهر من التباري والتنافس بين جميع المنتخبات الافريقية المشاركة، وحققت أرقاما قياسية في عدد المتابعين والملاحظين والمتفرجين في ميادين التباري، وغير ذلك مما لم يتحقق في أي نسخة سابقة من نسخ هذه البطولة، وتوجت بمباراة مثيرة جمعت منتخبنا الوطني بنظيرة السنغالي، وهي المباراة التي عرفت أحداثا مثيرة وغريبة وغير متوقعة من المتابعين والمتفرجين، وانتهت بما انتهت إليه مما يعلمه الجميع، وبعد إسدال الستار على هذه النسخة الاستثنائية من البطولة الافريقية، استمرت تفاعلاتها القانونية والأخلاقية والإعلامية والشعبية إلى الآن، والظاهر من خلال هذه التفاعلات أن ما حدث،  حول العرس القاري الافريقي إلى بطولة مغتصبة وكأس مهربة، وينتظر أن تنزل من أجل ذلك،  عقوبات مرتقبة من (الكاف) المضطربة تحت أعين (الفيفا) المراقبة، على من أخل بقواعد اللعب النظيف بالساحرة المتديرة صاحبة الوزن الخفيف، هذه الكرة العجيبة البديعة الشكل التي تثير عواطف متناقضة، تسعد قوما وتحزن آخرين، إذا نظرت إليها أعجبتك، وإذا لمستها وحملتها وجدتها أخف مما كنت تظن، فإن حجمها أكبر من وزنها، لأنها منفوخة بالهواء، لذلك كان هواها هو الذي يتحكم في تحركها واتجاهها، ولذلك كثيرا ما لا تطاوع قاذفها في إرادة توجيهها إلى حيث يريد، وإن توجهت إلى الوجهة التي يريد قاذفها، فإن ذلك لا يتم بالمهارة والموهبة فقط، وإنما يتم بالإضافة إلى ذلك وفق حظ محالف له قد يتكرر معه، وقد ويعانده مرات كثيرة، كما عاندنا الحظ في هذه الكرة لأعوام كثيرة منذ عام 1976، ولهذا لم نعد نعول كثيرا على الظفر ببطولات هذه الكرة، ولم نرهن مستقبلنا بها، واعتبرناها وسيلة للتنمية الاقتصادية، والتنمية البشرية وتكوين المواهب الرياضية بأفق عالمي،  ووسيلة للمتعة والتسلية، نفرح إن حالفنا الحظ فيها وفي لعبها، كما حدث في كأس العالم بقطر سنة 2022 حيث مكنتنا من بلوغ نصف النهائي لهذه البطولة العالمية، وكما حدث في كأس العالم للشباب سنة 2025 حيث حالفنا الحظ فيها وأحرزنا الكأس، وكذلك في كأس افريقيا للمحليين وفي كأس العرب، والحبل على الجرار، وعندما لا يحالفنا الحظ فيها، كما حدث في كأس افريقيا المنظمة ببلادنا هذه السنة، لعوامل كثيرة أغلبها مفتعل ومقصود من جهات خارجية مناوئة، لا زالت تتفاعل وقائعها وأحداثها في أروقة (الكاف والفيفا) وينتظر أن يتقرر فيها من جزاءات وعقوبات، ما يناسب جسامتها وآثارها، فإننا نأسف باعتدال على قلة حظنا وما واجهنا من مشاغبات غير رياضية، ثم ننسى الأمر ونلتفت إلى أعمالنا ومصالحنا التي ما أكثرها ونحمد الله عليها، ومنها ما هو مشترك بيننا وبين إخواننا الأفارقة في مجالات شتى، وكمثال على ذلك ما أبرم بالأمس بالرباط، من اتفاقيات بين المملكة المغربية ودولة السنغال التي كانت بالأمس القريب منافستنا في نهائي كاس افريقيا، واليوم نحن معها في علاقات شراكة استراتسجية لما يخدم مصالح بلادنا، ونعمل بجد بعد ذلك من أجل بناء مستقبل بلادنا، والدفع بها قدما إلى مصاف الدول الرائدة والمؤثرة على المستوى العالمي، ونترك الشامتين فينا يتيهون تيه الضباع مع نتائج هذه اللعبة، فلا هم ربحوا مباراتها، ولا هم أحرزوا بطولاتها، ولكنهم يفرحون، لأننا لم نحرز هذه البطولة منذ سنة 1976 أي بعد أن تم تنظيم خمس وعشرين دورة من دورات هذه البطولة على وجه التدقيق، وماذا في ذلك؟ لا شيء، ومع أننا لم نفز بهذه الكأس طوال هذه المدة، إلا أن منتخباتنا أكثر حضورا وأكثر تتويجا في فئات كروية أخرى ممن فاز بهذة الكأس  مرات عدة، ثم ماذا لو لم نتمكن من هذه البطولة طوال مائة عام أو مائتي عام؟  هل سيؤثر ذلك على مستقبلنا؟ لا،  لن يؤثر، وهل تتوقف مسيرتنا التنموية على ضرورة الفوز بهذه الكأس؟ لا، لن تتوقف مسيرتنا التنموية ولن نحتاج هذه الكأس  لتحقيق ذلك، وهل سيتمكن أصحاب الحظ في هذه اللعبة من التقدم بفضلها من دوننا ونتأخر نحن؟ أم أن كل من أخذ هذه البطولات ومن أعاد المرة فيها وثلث وسبع، لا زال رازحا في مشاكل عدة، ولا يزال  كلما تقدم بخطوة إلا ويتأخر بأخرى؟ لا يهمنا الجواب على هذا السؤال ولا يفيدنا هذا الجواب في شيء، لكن الواقع يشهد أن الفائز بهذه الكأس لم يستطع حل مشاكل التنمية عنده بهذا الفوز، ومن لم يفز لم تتأثر مسيرته التنموية بعدم الفوز، وستستمر المسيرة والحياة بالفوز وبعدمه، وقد يكون الفوز في أمور أخرى أكثر فائدة من الفوز بالكأس نفسه، وهذا هو اللعب الحقيقي بالكرة كما لم يلعب من قبل، فنحن في المملكة المغربية مثلا، وإن كنا لم يسعفنا الحظ في الظفر بهذا الكأس في بلادنا، بسبب ما ذكرناه سابقا، فإننا خرجنا من هذه البطولة  كلاعبين حقيقيين فيها، وفائزين على مستويات عدة أهمها:
-        النجاح الباهر في التنظيم الذي أثلج صدر مولانا جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، حسبما أعلن عن ذلك في بلاغ الديوان الملكي مؤخرا، وهذا النجاح الباهر دفع كذلك كثيرا من المشاركين في هذه البطولة والزائرين والوافدين والملاحظين من مختلف أقطار العالم وغيرهم كثير،  إلى التعبير عن إعجابهم وانبهارهم بقدرات بلادنا التنظيمية للمناسبات الرياضية بطريقة احترافية عالية المستوى، تتوافر فيها معايير التنظيم العالمي للتظاهرات.
- وفزنا كذلك بإعجاب العالم ببنياتنا التحتية المختلفة من ملاعب عالمية ومركبات فندقية رفيعة ووسائل نقل متطورة ، وطرق آمنة حديثة، وأماكن ترفيه ممتعة وغير ذلك.
-        وفزنا بإعجاب العالم بانضباط جماهيرنا وحسن استقبالهم لجماهير القارة الافريقية وجماهير العالم، وقدرة تفطن هذه الجماهير، ومختلف فئات الشعب المغربي لمختلف المحاولات الرامية إلى الانحراف بالتظاهرة القارية عن مسارها الطبيعي، وقدرتها على ضبط النفس في بعض اللحظات التي عمل فيها البعض على تعمد الاستفزاز، ومحاولة إشعال الفتن والدفع إلى الفوضى.
- وفزنا بإشهار بلادنا كوجهة آمنة ومهيأة لاستقبال كل من يختار بلادنا كوجهة سياحية واعدة وممتعة وأصيلة ومتقبلة للآخر، ومتواصلة معه بشكل راق وخضاري.
-        وفزنا بإشادة دولية بقدرات بلادنا وبتمكنها من تدبير الأمور، وتصريف الاستفزازات بطريقة احترافية وباحترام تام للقوانين الجاري بها العمل، وبوعي كبير بجسامة المسؤولية الملقاة على عاتقها في ضمان أمن وسلامة ضيوفها، ولو على حساب مصالحنا الآنية.
-        وفزنا بالإضافة إلى ما سبق، بجني مكاسب ومداخيل مادية متنوعة ومتعددة، وأرباح صافية كبيرة مختلفة من وراء تنظيمنا لهذه التظاهرة القارية.
-        وفزنا أيضا بشراكة (الفيفا) وثقتها في مشروعنا الرياضي المكللة بعقد اتفاقية شراكة حول بناء ثلاثين ملعبا صغيرا  بمختلف مدن واقاليم ببلادنا.
-        والأهم من هذا كله ومن غيره الذي لم نذكره، هو أننا تمكنا من تمحيض الصديق الشاكر، من الغادر الفاجر، الذي كنا نحسبه قريبا، فإذا به نائيا بعيدا، ويجب التعامل معه مستقبلا على هذا الأساس، لأن من يجرؤ على تعريض أمننا الداخلي للخطر، ويعرض تظاهرة قارية منظمة ببلادنا، ومتابعة من كل أرجاء العالم إلى الانزلاق عن مسارها العادي لا يمكن التساهل معه، لأنه من يحاول مرة فسيحاول مرات أخرى إن لم نكن منه على حذر. 
كل هذه المكاسب والنجاحات ستكون حافزا قويا يدفع بلادنا إلى مواصلة الجهود الحثيثة، من أجل البناء عليها لكسب كافة التحديات التنموية والتغلب على مختلف العقبات والعراقيل التي يحاول بها البعض جاهدا، إشغالنا عن تحقيق ما نصبو إليه، ولن يفلحوا في ذلك وستخيب كل مخططاتهم وتفشل كل مؤامراتهم، كما أشار إلى ذلك بلاغ الديوان الملكي بالقول (فإن صاحب الجلالة الملك نصره الله، يظل على اقتناع بأن المخططات المعادية لن تبلغ أبدا مرادها والشعب المغربي يدرك كيف يميز بين الأمور ولن يقبل بالانسياق وراء الضغينة والتفرقة، فلا شيء يستطيع أن يمس بالتعاون الذي تم نسجه على مدى قرون بين شعوبنا الافريقية، ولا بالتعاون المثمر القاىم بين مختلف بلدان القارة والذي ما فتىء يعزز بشركات اكثر طموحا ) وهو ما يعني أن كل ما دبر بليل سيتكشف، وأن كل هذه المخططات، ستبوؤ بالفشل، وستتواصل الجهود في المملكة المغربية الشريفة لكسب الرهانات والتحديات بكل عزيمة وإصرار، والله من وراء القصد.

 

 

الدكتور عبد اللطيف البغيل 
-  أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة