mardi 27 janvier 2026
فن وثقافة

محمد شروق يفتح صندوق الذاكرة... طردوه من الدرك فحاول البحث عن سلطة أخرى من خلال الصحافة (15)

محمد شروق يفتح صندوق الذاكرة... طردوه من الدرك فحاول البحث عن سلطة أخرى من خلال الصحافة (15) الزميل محمد شروق

تنشر جريدة "أنفاس بريس" حلقات من ذكريات ومذكرات الكاتب الصحافي محمد شروق، انطلاقا من قضائه للخدمة المدنية بوزارة الداخلية والإعلام (قطاع الإعلام) في 01 دجنبر 1986؛ إلى إحالته على المعاش في 25 مارس 2024، بعمالة الدار البيضاء أنفا كمسشار للعامل في الصحافة والاتصال.

بفضل حصولي  على سيارة المصلحة (رونو 4) ، التي آنذاك السيارة رقم واحد بالإدارة المغربية، صرت أحمل معي لتغطية أنشطة العامل خارج العمالة، المصور الحاج محمد الشقروني ومراسل جريدة لوماتان الصحراء Le matin du Sahara عبد المجيد بستاني. 


كان حضوري ضروريا في جميع الأنشطة داخل العمالة وخارجها، لأن أي عامل يبحث عن تلميع صورته في الصحافة، لأنه يدرك أن أصداء ذلك تصل إلى المصالح المركزية بوزارة الداخلية.

يشار إلى أنه قبل أن أصبح الملحق الصحافي لعمالة المحمدية، كان مراسل جريدة لوماتان يتنقل في تغطيته لأنشطة العمالة ككل، عبر سيارة مصلحة وسائق خاص ينقله من بيته ويعيده إليه. لكن الوضع تغير وأصبح مضطرا إلى الاعتماد على نفسه، علما أنني كنت أخبره بجميع الأنشطة وأترك له الاختيار في الحضور من عدمه. إلا أنني أتذكر أنه لم يغب ولو مرة واحدة لأنه كان يدرك أنني سأقوم بالواجب، وأن المحمدية ستكون حاضرة في الصفحة التي كانت تخصصها جريدة لوماتان لعمال الدار البيضاء (page Casablanca).

كنت أقوم بعملي بنزاهة وشفافية وجمع المعطيات وتسهيل مأمورية أي صحافي مهني يأتي للعمالة من أجل البحث عن معلومة أو قضاء غرض إداري شخصي، وذلك في إطار نسج علاقات مع المهنيين.

مثلا، في يوم من الأيام، سألاحظ دخول الصحافي عبد العزيز كوكاس إلى العمالة. ناديت عليه وقدمت له نفسي وأنني في الخدمة لتسهيل أي غرض إداري. شكرني وقال لي إنه جاء لزيارة أحد الأصدقاء الموظفين. منذ ذلك اليوم، نسجت معه علاقة ود واحترام إلى يومنا هذا.

لهذا كنت أقول ومازلت بأنه لكي ينجح ملحق صحافي في عمله، لابد أن يكون أولا صحافيا مهنيا، لأن هذه الصفة تمكنه من سلاسة عمله بفضل قدرته على تحرير البلاغات بشتى أنواعها والمقالات واختيار الصور والاستفادة من علاقاته بالصحف والإعلام السمعي البصري. إضافة إلى تحليل المعطيات والأخبار.

في سنة 1996، سأفجأ بحضور شاب لأنشطة العامل. يحمل في عنقة آلة تصوير وفي جيبه بطاقة زيارة تفيد بأنه مدير جريدة. حاولت التقرب منه، فأكد لي أنه بصدد إعداد جريدة وأنه في مرحلة جمع المواد وهو من سكان مدينة المحمدية. حضر حوالي أربعة خرجات للعامل، حيث كان البروتوكول يفرض حضور أقرب مساعديه ورؤساء  المصالح الخارجية للوزارات والمؤسسات العمومية.

حاولت البحث عن أخبار "الشاب الصحافي"، فبلغني من مصدر موثوق، أنه بدون مشروع صحافي، ومشكلته أنه تم طرده من سلك الدرك الملكي بعد أن نجح في الامتحان وبدأ في التدريب لسبب من الأسباب لم أعرفه. كان يبحث عن سلطة ما، بعد أن فقد سلطته كدركي قادم.

فكرت كيف أبلغه بعدم الحضور بدون صفة خاصة أن الخروج رفقة العامل تتيح الفرصة للتعرف على رؤساء المصالح الأمنية، وقد يستغل هذا للنصب والاحتيال.

خطرت ببالي فكرة، وفي النشاط الموالي للعامل، ناديت على "الصحافي الوهمي"،  وقلت له: "إن العامل سأل عنك وأبلغته بصفتك. لكنه أمر بعدم حضورك لأنشطته إلا بعد صدور الجريدة. حينها مرحبا بك كأي صحافي".
صمت الشاب وأنزل آلة التصوير من عنقه وذهب دون أن أراه مرة ثانية.

حكاية أخرى، دخل إلى مكتبي شخص بدا لي من أول كلامه أنه متكبر. قال إنه كان عند العامل وله جريدة بالرباط؛ وهو بصدد إنجاز ملف خاص عن عمالة المحمدية. أجبته بتواضع كبير بأنني رهن إشارته بمده بجميع ما يطلب من ملفات وصور وحتى لقاءات مع رؤساء الأقسام بالعمالة. لكن طلبت منه نسخة من جريدته لأطلع على توجهها. رد علي بأنه لا يتوفر عليها. ظهر لي أنه لم يتقبل طلبي، فغير لهجته بأنه كان عند العامل ووافق على إنجاز الملف الخاص،  ويمكن أن يعود إليه للتشكي مني. قلت له بلهجة إسمع: "هل تظن أنني هنا موظف بسيط أشتغل بأوامر كل من هب ودب. الرباط الذي جئت منه درست فيه الصحافة بالمعهد، والقدر هو الذي وضعني بهذه العمالة. وأنصحك بعدم الشكاية بي لدى العامل، بل ضع شكايتك لدى وزير الداخلية؛  فأنت بالرباط وهو أقرب إليك". صمت الرجل وجمع أوراقه وغادر المكتب.

كانت ورقة صفتي كخريج المعهد العالي للصحافة" تساعدني في التصدي لمثل هذه الأشكال من البشر التي تظن أن العمالة مليئة بالموظفين العاديين البسطاء ذوي المستوى التعليمي الصغير. كانوا يجهلون أن بالعمالة مهندسين ودكاترة ومثقفين وصحافيين.

لابد من الإشارة أن كل هذا العمل والاجتهاد الذي كنت أقوم به، يتم بدون منحة أو تحفيز مادي. ليس بالنسبة لي ولكن بالنسبة لجميع رؤساء المصالح والأقسام. الامتيازات التي كانت كلها عينية. هي السيارة والبنزين أو السكن الوظيفي أو هما معا.  بالنسبة لسيارة رونو4، رغم أن العمالة هي التي كانت مكلفة بإصلاح أي عطب، فإنني كنت أعتبرها سيارتي وأصلحها من جيبي الخاص، بل إنني قمت قمت بصباغتها كاملة دون أن أطلب شيئا من مصلحة حظيرة السيارات التي كان يشرف عليها الرجل الطيب الحاج جمال.

ستمر أربع سنوات على تعيين محمد الحسني عاملا على عمالة المحمدية ليحال على التقاعد ويتم تعويضه بادريس العموني، صهر وزير الداخلية إدريس البصري، والقادم من إقليم شيشاوة.

مع العموني شكل ثاني وثالث ورابع..عامل جديد وأساليب جديدة.
 

 

                                                                                يتبع