mardi 27 janvier 2026
كتاب الرأي

عبد الغني السرار:الأبعاد التنظيمية لعدم ترشح أخنوش لولاية ثالثة على رأس التجمع الوطني للأحرار

عبد الغني السرار:الأبعاد التنظيمية لعدم ترشح أخنوش لولاية ثالثة على رأس التجمع الوطني للأحرار عبد الغني السرار

يعتبر تجديد القيادة الحزبية واحدا من المؤشرات الدَّالة على الديمقراطية الحزبية، لكن بالرجوع لواقع الممارسة الحزبية المغربية يبدو بأن التداول على القيادة الحزبية ظل مُغَيَّبا لعقود، وحتى إن تم هذا التجديد فإنه تتكرر نفس الوجوه السابقة. فالتأمل في مخرجات المؤتمرات الوطنية التي عقدتها بعض الأحزاب السياسية، على الأقل، بعد دخول القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية حيز النفاذ، نجدها تُؤسس لقاعدة أساسية تتمثل في أن انعقاد المؤتمرات الوطنية للأحزاب لا تحكمه قوانينها الداخلية بقدر ما تحكمه ميولات نحو الزعامة، فحتى وإن حصل وانعقدت هذه المؤتمرات في توقيتها المحدد في القوانين والأنظمة الأساسية، فإنها لا تؤدي وظيفتها السياسية المتجسدة في تعاقب النخب على القيادة، كما لا تؤدي وظيفتها السوسيولوجية التي هي ربط الأواصر بين القيادة والقاعدة.
من بين المفارقات التي عاشتها الأحزاب المغربية سابقا، هو أنه نادرا ما وجدنا حزبا التزم باحترام دورية عقد مؤتمره الوطني في تاريخه المحدد في نظامه الداخلي، لهذا نجد بأن القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية، أولى لمسألة المؤتمرات الحزبية أهمية خاصة، وذلك بأن ألزم من خلال مادته 49 كل حزب سياسي بأن يعقد مؤتمره الوطني، على الأقل، مرة كل أربع سنوات. ومخافة عدم التزام الأحزاب بهذا المقتضى رتَّب المشرع جزاءات عن مخالفة هذا المبدأ القانوني تتجلى في كون الحزب السياسي الذي لا يعقد مؤتمره الوطني خلال هذه المدة يفقد حقه في الاستفادة من التمويل العمومي الذي تقدمه الدولة للأحزاب السياسية، وهذا يعتبر معطى ايجابي يهدف لحمل الأحزاب السياسية على احترام انتظامية عقد المؤتمرات الوطنية وتجديد القيادات والسماح بالتداول على المسؤوليات.
لكن ما يلاحظ بخصوص المؤتمرات الحزبية التي عُقدت بعد دخول القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية حيز النفاذ هو كونها لم تُعَبِّر حقيقة عن مدلولها الوظيفي الذي هو التداول على مهام المسؤولية الحزبية وذلك لسببين: الأول يتجلى في عدم تحقيق تداول حقيقي على القيادة الحزبية باستمرار نفس الوجوه على رأس الأمانة العامة للحزب. والثاني هو عدم احترام مدة الانتدابات الخاصة بالمسؤوليات داخل أجهزة الحزب، وعدد الانتدابات التي لا يجوز تجاوزها طبقا لما نصت عليه المادة 29 من القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب.
وإذا كان القانون واضحا في عدد الانتدابات التي لا يمكن تجازوها خاصة حين يتعلق الأمر بمنصب الأمين العام، وإذا كانت جل الأنظمة الداخلية للأحزاب نصت وحددت عدد الانتدابات التي لا يمكن تجاوزها، فإن الممارسة الحزبية أسَّسَت ل"عرف" سيئ يتمثل في التحايل على هذه الشروط القانونية، فظهرت بعض السلوكيات التي بواسطتها يتم فسح المجال لأشخاص بعينهم، للظفر بمهام القيادة عبر اللجوء لتعديل الأنظمة الداخلية للحزب، حيث غالبا ما يتم تعديل أو رفع المانع القانوني للترشح لولاية جديدة على رأس الحزب، وهذا ما حصل بالفعل بمناسبة عقد العديد من المؤتمرات الوطنية لمجموعة من الأحزاب السياسية. بحيث أنه قبل الشروع في عملية تقديم الترشيحات، تم تعديل المواد الخاصة بعدد الانتدابات التي لا يمكن تجاوزها بالنسبة لمنصب الأمين العام، وبطبيعة الحال هذا التعديل كان الهدف منه هو فسح المجال أمام الأمين العام المنتهية ولايته للترشح من جديد.
وفي هذا السياق، وبعد أن كان خلود الزعامات وعسر دوران النخبة هما الخاصيتان اللتان تعيشهما جميع الأحزاب السياسية، فقد تم تعويضهما بآلية أخرى قد تختلف عنهما من حيث المنهجية، إلا أنها تتشابه معهما في المحصلة النهائية، ويتعلق الأمر باللجوء لتعديل الأنظمة الداخلية للحزب، خاصة المقتضيات أو المواد المتعلقة بانتخاب الأمين العام، مثل ما حصل في حزب الحركة الشعبية، بمناسبة مؤتمره الوطني الثاني عشر أيام 28 -29 -30 شتنبر 2018، الذي قبل الشروع في تقديم الترشيحات قام بتعديل المادة 50 من نظامه الأساسي ودمجها مع المادة 27 التي وضعت شروطا جديدة للترشح للأمانة العامة. كما برزت تقنية تعديل القوانين الأساسية حتى داخل حزب العدالة والتنمية الذي يعتبر من أبرز الأحزاب السياسية تمسكا باحترام أنظمته الأساسية والداخلية، وذلك قبل عقد مؤتمره الوطني الثامن يومي 9 و10 دجنبر 2017، حيث تم تعديل المادتين 16 و37 من قانونه الداخلي، بما يتيح للأمين العام السابق الاستمرار لولاية ثالثة، لكن هذا التعديل رفضه المجلس الوطني للحزب في دورته الاستثنائية، يومي 25و26 نونبر 2017. وبمناسبة مؤتمره الوطني التاسع سنة 2025 صادق المجلس الوطني على نظامه الداخلي، فأصبحت المادة 17 تنص على أنه لا يمكن لعضو أن يتحمل مسؤولية الأمين العام ورئيس المجلس الوطني لأكثر من ولايتين متتاليتين وهو نفس الأمر والمقتضى الذي يسري على الكاتب الجهوي والإقليمي والمحلي.
نفس الشيء يسري على حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وذلك بمناسبة مؤتمره الوطني الثاني عشر بتاريخ 18 أكتوبر 2025 ، الذي قام بدوره بتمديد مدة انتداب كاتبه الأول على رأس الحزب لأكثر من ثلاثة ولايات متتالية، عبر تعديل المادة 217 من نظامه الأساسي وعرضها على أشغال اللجنة التحضيرية لمؤتمره الوطني الثاني عشر لتحظى بالموافقة، حيث أصبح يمكن للمؤتمر الوطني تمديد ولاية الكاتب الأول، المنصوص عليها في المادتين 9 و64 "إذا اقتضت ذلك المصلحة العليا للحزب"، بالرغم من أن كاتبه الأول تم انتخابه في 2012 وحصل على ولاية ثالثة في 2022 بعد تعديل المادة 9 من النظام الأساسي.
نفس الملاحظة عاشها حزب الاستقلال، بمناسبة انتخاب عباس الفاسي أمينا عاما للحزب لولاية ثالثة بمناسبة المؤتمر العام 15 للحزب سنة 2009، فبالرغم من كون مقتضيات الفصل 52 من النظام الأساسي كانت تنص على انتخاب الأمين العام لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، إلا أنه تم إعادة انتخابه بعد تعديل الفصل 52 والفصل 57 الذي أصبح ينص أنه:"ينتخب الأمين العام من المجلس الوطني لأربع سنوات قابلة للتجديد، ويجوز للأمين العام بصفة استثنائية في حالة ما إذا كان يتولى مسؤولية الوزارة الأولى أن يترشح لولاية جديدة".
وبالعودة إلى مستجدات المشهد الحزبي المغربي، فقد أثار افصاح السيد عزيز أخنوش عن موقفه القاضي بعدم ترشحه لولاية ثالثة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار خلال المؤتمر الاستثنائي المزمع عقده في 7 فبراير 2026، عدة قراءات وردود أفعال متباينة داخل الوسط الأكاديمي، خاصة من حيث الزمن السياسي الذي جاء فيه هذا القرار والذي يتميز بقرب الاستحقاقات الانتخابية 2026 وذلك بمبرر أن الحزب يحتاج نوعا من الاستقرار والاستمرارية السياسيتين، ولا من حيث غياب مؤشرات داخلية أو تنظيمية توحي بأن الحزب يعيش على وقع أزمة داخلية أو تنظيمية ممثلة في وجود تيارات معارضة أو حركة تصحيحية تنادي بتغيير القيادة الحزبية؟ بيد أن ربط تغيير القيادة داخل حزب التجمع الوطني للأحرار بغياب أزمة تنظيمية أو داخلية يبقى مقاربة اختزالية قاصرة، ذلك أن تغيير القيادة وتحقيق التداول ودوران النخب يبقى مسألة مطلوبة وهو ما يجب أن يكون سائدا، لكن بالنظر للأعطاب والممارسات السلبية التي راكمتها الممارسة الحزبية ببلادنا أصبح يعتبر كل سلوك طبيعي عادي يتم تأويله وكأنه سلوك يوحي بأزمة خفية.
وبخلاف التحليلات والقراءات التي حاولت ربط هذا القرار بسياقات وأسباب مضمرة وغير معلن عنها بشكل صريح، وحتى إن صحت هذه الأسباب فإن الجانب المضمر منها يحجب الجزء الأكبر فيها الذي يبقى غير مكشوف بالشكل الذي يجعله قابلا للتأويل أو الإدراك أو التحليل الموضوعي، حيث عمدت هذه التحليلات إلى إرجاع القرار إلى مسببات تتجاوز البُعد التنظيمي والداخلي للحزب، ذلك أنه بالرغم من وجاهتها الظاهرية التي تفرضها مبدئيا الاستعدادات المبكرة التي تقوم بها الأحزاب تحضيرا للانتخابات التشريعية المقبلة وما يتطلبه ذلك من استقرار حزبي واستمرارية قيادية، سيما وأن أخنوش كان له دور كبير في جعل حزب التجمع الوطني للأحرار يتصدر انتخابات 2021 ويرأس الحكومة، بيد أن هذه التبريرات رغم أهميتها العلمية والمنهجية لا يمكنها أن تحجب أو على الأقل أن تقلل من أهمية الأبعاد التنظيمية والداخلية التي يكتسيها قرار عدم الترشح لعهدة ثالثة.
أولا: في حالة ما تبث فعليا عدم ترشح السيد عزيز أخنوش لولاية ثالثة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار، فإننا نكون أمام سابقة داخل هذا الحزب الذي ظل ينعت بمجموعة من النعوت من جانب خصومه السياسيين، ونكون بذلك أمام ممارسة تأسيساتية تفند بعض الانطباعات التي ظلت ملازمة لجميع الأحزاب، بما في ذلك الأحزاب السياسية التي تعطي الانطباع، على حرصها على تفعيل الضوابط التنظيمية كما هي محددة في أنظمتها الداخلية، وربما يكون حزب التجمع الوطني للأحرار أول حزب لم يلجأ لتعديل نظامه الداخلي، بمناسبة مؤتمره الوطني الاستثنائي، خاصة في ظل تفشي ظاهرة تعديل القوانين الأساسية والأنظمة الداخلية لبعض الأحزاب، خصوصا المواد المتعلقة بانتخاب الأمين العام، حيث غالبا ما يتم تعديل المانع القانوني للترشح لولاية جديدة على رأس الحزب بالشكل الذي يفسح المجال للأمناء العامون السابقون الذين استنفذوا عدد الولايات التي يحددها النظام الداخلي للحزب وكثيرة هي الأمثلة في هذا الباب كما تم ذكرها سابقا.
ثانيا: إن قرار السيد عزيز أخنوش ليس معناه الانسحاب كليا من الحياة والمشهد السياسيين. وبالتالي، ففرضية ترشحه لانتخابات مجلس النواب غير مستبعدة وتظل قائمة إلى غاية انقضاء الفترة المخصصة لتقديم الترشيحات لانتخابات مجلس النواب. أما بخصوص رغبته بعدم التقدم للترشح لعهدة ثالثة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار الذي كان انتخب رئيسا له منذ المؤتمر الاستثنائي، بتاريخ 29 أكتوبر 2016، بعد استقالة الرئيس السابق للحزب السيد صلاح الدين مزوار، على خلفية النتائج غير الإيجابية التي حصل عليها الحزب في الاستحقاقات التشريعية لـ 7 أكتوبر 2016. ففي حالة ما لم يقدم فعلا السيد أخنوش ترشحه، يكون لم يفعل كما فعل أمناء عامون كانوا صرحوا بذلك قولا إلا أنهم لم يلتزموا به فعلا. وبالتالي، فإن هذا القرار القاضي بعدم الترشح لولاية ثالثة، وبغض النظر عن كونه يوحي باحترام مقتضيات النظام الداخلي للحزب التي تحدد مدة الانتدابات التي لا يمكن تجاوزها في منصب رئيس الحزب، وهي المنصوص عليها في المادة 33 من النظام الداخلي التي تنص على أن يتم انتخاب الرئيس من قبل المجلس الوطني لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، فإنه في حالة تحققه سيكون قد سلك مسلكا مغايرا يؤسس لقاعدة التداول على القيادة الحزبية في ظروف عادية، بالشكل الذي يجعله تصرفا إيجابيا مقارنة بما قامت به بعض القيادات الحزبية التي ظلت متمسكة بالبقاء على رأس أحزابها.

 

عبد الغني السرار: أستاذ العلوم السياسية بكلية الحقوق بالجديدة