dimanche 25 janvier 2026
اقتصاد

جميلة السيوري: الإضراب ليس خروجا عن الأخلاق.. بل واجب دستوري لاستقلال المحاماة

جميلة السيوري: الإضراب ليس خروجا عن الأخلاق.. بل واجب دستوري لاستقلال المحاماة جميلة السيوري، المحامية بهيئة الرباط

في ظل النقاش الدائر حول إضراب المحامين المهني، أكدت الأستاذة جميلة السيوري، المحامية بهيئة الرباط، أن هذا الاحتجاج ليس تجاوزا أخلاقيا، بل حق دستوري ودولي محمي. واصفة بلاغ النقيبين السابقين درميش والشهبي، بأنه يتجاهل السياق الوطني والاجتهادات الأممية والإفريقية التي ترى في استقلال المحاماة ركيزة أساسية للمحاكمة العادلة ودولة الحق.  
مضيفة بأن التاريخ المهني للمحامين يشهد بأن الإضرابات ضد قوانين المسطرة الجنائية والدفاع عن سرية العلاقة مع الموكل كانت خطوات لترسيخ استقلال الدفاع.  

 

 

تابعت، كمحامية وكحقوقية، باهتمام بالغ، النقاش العمومي الدائر حول الإضراب المهني للمحامين، وأود توضيح موقفي استنادًا إلى الدستور والمعايير الدولية والإفريقية ذات الصلة.  

إن بلاغ النقيبين السابقين، الأستاذ درميش والأستاذ الشهبي، حين يطعن في مشروعية الإضراب المهني، يتجاهل ليس فقط السياق الوطني الدستوري، بل كذلك الاجتهادات الحقوقية الدولية والإقليمية المستقرة، والتي تعتبر استقلال المحاماة وحقها في التعبير والاحتجاج جزءًا لا يتجزأ من ضمانات المحاكمة العادلة ودولة الحق.  

فمهنة المحاماة ليست وظيفة تقنية محايدة، بل مكوّن أساسي من منظومة العدالة، وهو ما كرّسه دستور المملكة لسنة 2011، حين نص في الفصل 117 على أن القاضي مكلف بحماية حقوق الأشخاص والجماعات، وفي الفصل 118 على ضمان حق التقاضي، وهو حق لا يستقيم عمليًا دون دفاع مستقل وفعّال. كما يقرّ الفصل 12 من الدستور بالدور المحوري للهيئات المهنية في تأطير المواطنين والدفاع عن مصالحهم والمساهمة في إعداد السياسات العمومية، وهو ما يمنح لجمعية هيئات المحامين بالمغرب مشروعية دستورية كاملة في اتخاذ المواقف والقرارات النضالية.  

إن تاريخ المحاماة بالمغرب يشهد بأن استقلال الدفاع لم يكن معطًا جاهزًا، بل ثمرة محطات نضالية واحتجاجية مفصلية، شملت الإضرابات والوقفات المهنية ضد المساس بضمانات الدفاع في قوانين المسطرة الجنائية، والاحتجاجات الوطنية دفاعًا عن سرية العلاقة بين المحامي وموكله، والمعارك المهنية الرافضة لتهميش دور المحامي داخل الجلسة أو إخضاعه لمنطق الضبط الإداري بدل الاستقلال المؤسساتي. وهي محطات لم تُعتبر يومًا خروجًا عن أخلاقيات المهنة، بل تجسيدًا لوظيفتها الحقوقية.  

وعلى المستوى الأممي، أكّد المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني باستقلال القضاة والمحامين في تقاريره المتعاقبة أن استقلال المحامين ليس امتيازًا مهنيًا، بل ضمانة أساسية لحقوق المتقاضين، وأن للمحامين وهيئاتهم المهنية الحق في اتخاذ مواقف جماعية، بما فيها أشكال الاحتجاج السلمي، كلما تعرّض استقلال المهنة أو دورها في منظومة العدالة للتهديد.  

كما نصّت مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن دور المحامين (هافانا، 1990)، لاسيما المبادئ 16 و23 و24، على ضرورة تمكين المحامين من أداء مهامهم دون ضغط أو تدخل غير مشروع، وضمان حقهم في حرية التعبير والتنظيم والانخراط في منظمات مهنية تمثيلية تدافع عن مصالحهم المشروعة.  

وأكدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في تعليقها العام رقم 32 المتعلق بالمادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أن الحق في الدفاع يفترض استقلالًا فعليًا للمحامي وقدرته على العمل بحرية، بما في ذلك الاحتجاج ضد النصوص أو الممارسات التي تمس ضمانات المحاكمة العادلة.  

كما شددت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في اجتهاداتها (ومنها قضيتي Morice v. France وBagirov v. Azerbaijan) على أن المحامين فاعلون أساسيون في تحقيق العدالة، وأن مواقفهم وانتقاداتهم للتشريعات أو السياسات التي تمس استقلال مهنتهم تندرج ضمن حرية التعبير المحمية، ولا يجوز تأويلها كإخلال بالأخلاقيات المهنية.  

وعلى المستوى الإفريقي، نصّ الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب في المادة 7 على الحق في المحاكمة العادلة، وهو حق فسّرته اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب باعتباره مشروطًا بوجود دفاع مستقل وحر وغير خاضع للضغط.  

كما أقرت مبادئ وإرشادات الحق في محاكمة عادلة والمساعدة القانونية في إفريقيا (2003) بأن للمحامين وهيئاتهم المهنية الحق في التنظيم والتعبير واتخاذ المواقف الجماعية دفاعًا عن استقلال المهنة، وأن أي تدخل في تنظيمهم الذاتي أو في قدرتهم على الاحتجاج السلمي يُعد مساسًا مباشرًا بضمانات المحاكمة العادلة.  

وتؤكد مبادئ لواندا بشأن الحق في محاكمة عادلة والمساعدة القانونية في إفريقيا أن استقلال المحامين شرط جوهري لقيام دولة القانون، وأن على الدول الامتناع عن أي تشريعات أو ممارسات من شأنها إضعاف الهيئات المهنية أو تقييد قدرتها على الدفاع عن مصالح المهنة وحقوق المتقاضين.  

إن استحضار هذه المرجعيات الدستورية والدولية والإفريقية يُبرز بوضوح أن الاحتجاج المهني، بما فيه الإضراب، ليس خروجًا عن رسالة المحاماة، بل ممارسة مشروعة ومحمية، كلما تعلق الأمر بالدفاع عن استقلال المهنة وضمان حق المواطنين في محاكمة عادلة.  

وعليه، فإن تصوير الإضراب كمساس بأخلاقيات المهنة أو كتجاوز لرسالتها، يُعد قراءة اختزالية تتناقض مع الدستور والمواثيق الدولية والإقليمية، وتنطوي على تنكّر لذاكرة مهنية نضالية أسهمت في ترسيخ مكانة الدفاع داخل منظومة العدالة.  

إن المرحلة الراهنة ليست خلافًا تقنيًا عابرًا، بل لحظة مفصلية تمس جوهر المهنة ودورها الدستوري والحقوقي، وهو ما يجعل من الاحتجاج المهني اليوم مسؤولية تاريخية، تفرض دعم الموقف الجماعي الصادر عن المؤسسات التمثيلية المنتخبة، لا إضعافه بخطابات تُفرغ النضال المهني من مشروعيته.  

لذلك يجب التمسّك بوحدة الصف المهني، وبالاحتكام إلى المؤسسات التمثيلية المنتخبة، وبالاستمرار في الدفاع عن استقلال مهنة المحاماة باعتبارها ركيزة أساسية لدولة الحق والقانون.