رغم كل ما يُرفع من شعارات حول رقمنة الإدارة وتحديث الخدمات العمومية، ما زال المواطن في سنة 2026، يواجه ممارسات تطرح أسئلة حول حقه في خدمة عمومية منظمة ومحترمة، وهو ما يتجلى في مراكز الفحص التقني للسيارات.
عمر يقيم بالمحمدية، سيارته تجاوزت خمس سنوات من الاستعمال، وهو ما يفرض عليه، قانونًا، إخضاعها للفحص التقني. إجراء عادي من حيث المبدأ، لكنه في الواقع تحوّل إلى معاناة استثنائية امتدت لأيام، فقط من أجل الحصول على دور في قائمة انتظار.
في تصريحه ل"أنفاس بريس"، أوضح عمر أنه توجه بداية إلى أقرب مركز للفحص التقني. حوالي الساعة الثالثة بعد الزوال، اتصل هاتفيًا للاستفسار عمّا إذا كانت هناك إمكانية للحجز، علمًا بأن عدد الفحوصات اليومية محدود. الجواب كان بالنفي. وعندما سأل عن الغد، طُلب منه أن يضع السيارة أمام المركز خلال الليل، ثم يعود في الصباح الباكر على أمل الظفر بدور.
ظن أن الأمر استثنائي، فقام بجولة على مركزين آخرين، حضوريًا وهاتفيًا. النتيجة كانت نفسها: الاكتظاظ، الاكتفاء، والاقتراح ذاته — الانتظار الليلي أمام المركز دون أي ضمان.
بعض العاملين أوضحوا أن طوابير السيارات في الصباح تكون طويلة إلى حد يصعب معه أحيانًا فتح أبواب المركز.
وتزداد حدة الإشكال في شهر يناير، حيث تكثف مصالح الأمن والدرك المراقبة على وثائق السير، خاصة شهادة الفحص التقني، إذ يصبح المواطن عمليًا مجبرًا على إنجاز هذا الإجراء قبل استعمال سيارته، تحت طائلة المخالفة.
في اليوم التالي، حضر عمر في السابعة صباحًا. لم يجد مكانًا. أكثر من خمسين سيارة مصطفة، بعضها في ممر ممنوع به الوقوف، مما تسبب في عرقلة السير. توجه إلى مركز آخر، فكان الوضع مماثلًا.
قرر الحضور في وقت مبكر. في اليوم الموالي، وصل عند الرابعة والنصف صباحًا. المركز كان مفتوحًا، لكن اللائحة كانت ممتلئة بالفعل.
في نهاية المطاف، اضطر للتوجه إلى مركز بعيد عن المدينة. وصل عند الخامسة صباحاً، ورغم ذلك ظل داخل سيارته إلى حدود العاشرة والنصف، دون أن يلج بعد إلى مركز الفحص.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح:
كيف يمكن القبول، في سنة 2026، بأن يُجبر المواطن على الانتظار لساعات طويلة، بل أحيانًا لقضاء ليلة كاملة داخل سيارته، من أجل خدمة مفروضة عليه قانونًا؟
ماذا عن النساء؟
ماذا عن كبار السن؟
ماذا عن السلامة، خصوصًا حين تكون المراكز موجودة في مناطق صناعية أو معزولة ليلًا؟
المسألة لا تتعلق بحالة فردية أو مركز بعينه، بل تبدو مشكلة هيكلية معروفة ومتكررة، يتعايش معها الجميع وكأنها أمر طبيعي، رغم ما تحمله من مساس بكرامة المواطن وحقه في خدمة عمومية لائقة.
هذه الشهادة تسلط الضوء على الاكتظاظ الحاصل خلال بداية السنة بمراكز الفحص التقني السيارات، وتسعى إلى لفت انتباه المسؤولين عن تدبير هذا القطاع، وإلى مساءلة السياسات المعتمدة في تنظيم الفحص التقني للمركبات.
إن اعتماد نظام حجز رقمي مسبق، توسيع الطاقة الاستيعابية، إلى جانب تنظيم عقلاني لتدفق المرتفقين، لم يعد خيارًا، بل ضرورة ملحّة في مغرب 2026، لا ينبغي أن تكون الزيارة التقنية امتحان صبر ولا مغامرة ليلية.
بل خدمة عمومية تحترم وقت المواطن، وأمنه، وكرامته.
مطالب برفع نظام "الكوطا" لعدد السيارات بمراكز الفحص التقني
من جهته، أكد علي شتور، رئيس الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق المستهلك المنضوية بالجامعة المغربية لحقوق المستهلك، ل *"أنفاس بريس"*، توصل الجمعية بعدد متزايد من شكايات المستهلكين بخصوص الانتظار الطويل وغير المقبول داخل مراكز الفحص التقني للمركبات، وهو وضع ناتج بالأساس عن محدودية الحصص (الكوطا) الممنوحة لهذه المراكز، والتي لا تتلاءم إطلاقا مع العدد الحقيقي والمتزايد للمركبات الملزمة بإجراء الفحص التقني الدوري وبالأخص بالدار البيضاء.
وانطلاقا من مقتضيات القانون رقم 31.08 المتعلق بتدابير حماية المستهلك، ولا سيما الحق في حماية المصالح الاقتصادية للمستهلك والحق في الاستفادة من خدمات ذات جودة وفي آجال معقولة والحق في الإعلام الواضح والشفاف حول شروط وكيفيات تقديم الخدمات ومنع كل ممارسة من شأنها الإضرار بالمستهلك أو تحميله أعباء غير مبررة.
اوضح شتور أن ما يعيشه المستهلك اليوم داخل مراكز الفحص التقني يتنافى مع روح هذا القانون وأهدافه، خاصة أن الوقت عنصر أساسي في حياة المواطن، ولا يمكن اعتباره عنصرا ثانويا أو قابلا للهدر في خدمات يفترض أن تكون منظمة ومؤطرة بشكل عقلاني وفعال.
وطالب رئيس الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق المستهلك، وزارة النقل واللوجستيك، ممثلة في الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية (NARSA)، بصفتها الجهة المخول لها قانونا تنظيم وتأطير قطاع الفحص التقني بإعادة النظر في نظام الحصص (الكوطا) المعتمد حاليا، وجعله متناسبا مع الكثافة الحقيقية لعدد المركبات.
اعتماد حلول رقمية وتنظيمية فعالة (الحجز المسبق، تحديد المواعيد، توسيع الطاقة الاستيعابية).
مراقبة جودة الخدمات المقدمة وضمان احترام آجال معقولة دون الإضرار بالمستهلك و القطع مع منطق الانتظار العشوائي الذي لا ينسجم مع متطلبات العصر ولا مع مبادئ الحكامة الجيدة.
وخلص شتور تصريحه بالقول أن اليوم نعيش في عالم تسوده العولمة والرقمنة، حيث يفترض أن تكون الخدمات العمومية وشبه العمومية في خدمة المواطن، لا سببا في معاناته. ومن ثم، فإن إيجاد حل جذري ومستعجل لهذا الإشكال أصبح ضرورة ملحة، احتراما لكرامة المستهلك وتكريسا لحقوقه كما ينص عليها القانون 31.08.