jeudi 22 janvier 2026
اقتصاد

نبيل عادل: بورصة تغلي.. ومواطن يتفرّج: من المسؤول عن الفجوة المالية؟

نبيل عادل: بورصة تغلي.. ومواطن يتفرّج: من المسؤول عن الفجوة المالية؟ نبيل عادل، أستاذ باحث في الاقتصاد والعلاقات الدولية

يطبع‭ ‬على‭ ‬السلوك‭ ‬المالي‭ ‬للمغاربة‭ ‬تفضيل‭ ‬واضح‭ ‬للادخار‭ ‬البنكي‭ ‬واقتناء‭ ‬العقار‭ ‬أو‭ ‬الذهب‭ ‬كخيارات‭ ‬آمنة‭ ‬ومألوفة‭ ‬للاستثمار،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تبقى‭ ‬بورصة‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء‭ ‬خارج‭ ‬دائرة‭ ‬الاهتمام‭ ‬لدى‭ ‬فئات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭. ‬
لماذا‭ ‬لا‭ ‬يستثمر‭ ‬المغاربة‭ ‬في‭ ‬البورصة،‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬تعزيز‭ ‬ثقافة‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬بورصة‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء؟‭ ‬أسئلة‭ ‬طرحتها‭ "‬الوطن‭ ‬الآن‭"‬،‭ ‬على‭ ‬د‭.‬نبيل‭ ‬عادل،‭ ‬أستاذ‭ ‬باحث‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والعلاقات‭ ‬الدولية،‭ ‬عضو‭ ‬المجلس‭ ‬الوطني‭ ‬للحركة‭ ‬الشعبية، فجاءت‭ ‬أجوبته‭ ‬كالتالي‭:‬


في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬تبدو‭ ‬البورصة‭ ‬المغربية‭ ‬وكأنها‭ ‬دخلت‭ ‬مرحلة‭ ‬“الفوران”‭. ‬مؤشرات‭ ‬ترتفع،‭ ‬تداولات‭ ‬تتزايد،‭ ‬أخبار‭ ‬اقتصادية‭ ‬تتكرر،‭ ‬وتحليلات‭ ‬تُوزّع‭ ‬يميناً‭ ‬ويساراً‭ ‬كأننا‭ ‬أمام‭ ‬موسم‭ ‬حصاد‭ ‬مالي‭. ‬فجأة‭ ‬صار‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الأسهم‭ ‬والسندات‭ ‬حاضراً‭ ‬في‭ ‬المقاهي،‭ ‬وفي‭ ‬مجموعات‭ ‬الواتساب،‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬جلسات‭ ‬العائلة: “شنو‭ ‬وقع‭ ‬فالبورصة؟‭ ‬شكون‭ ‬ربح؟‭ ‬واش‭ ‬ندخل‭ ‬ولا‭ ‬نخاف؟”‭.‬
المفارقة‭ ‬أن‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬المغاربة‭ ‬اليوم‭ ‬يريدون‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الدينامية‭. ‬ليس‭ ‬حباً‭ ‬في‭ ‬المغامرة‭ ‬بالضرورة،‭ ‬بل‭ ‬لأنهم‭ ‬ببساطة‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬معقول‭ ‬لتثمين‭ ‬مدخراتهم،‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬أصبح‭ ‬فيه‭ ‬الادخار‭ ‬التقليدي‭ ‬لا‭ ‬يضمن‭ ‬شيئاً‭ ‬سوى‭ ‬الاطمئنان‭ ‬النفسي…‭ ‬وربما‭ ‬بعض‭ ‬الخسارة‭ ‬الصامتة‭ ‬أمام‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار‭. ‬لكن‭ ‬حين‭ ‬يحاول‭ ‬المواطن‭ ‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬البورصة،‭ ‬يكتشف‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬يشبه‭ ‬الدخول‭ ‬إلى‭ ‬قاعة‭ ‬محاضرات‭ ‬في‭ ‬الرياضيات‭ ‬النظرية…‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬قد‭ ‬مرّ‭ ‬أصلاً‭ ‬من‭ ‬المرحلة‭ ‬الابتدائية‭.‬
 

هنا‭ ‬يبدأ‭ ‬السؤال‭ ‬الحقيقي:‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬البورصة‭ ‬“تشتغل”‭ ‬وتتحرك،‭ ‬لماذا‭ ‬يبقى‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المغاربة‭ ‬خارجها؟‭ ‬ولماذا‭ ‬تتحول‭ ‬الرغبة‭ ‬إلى‭ ‬تردد،‭ ‬والحماس‭ ‬إلى‭ ‬خوف،‭ ‬والفضول‭ ‬إلى‭ ‬انسحاب؟

السوق‭ ‬المالي‮…‬‭ ‬ببساطة‭: ‬عرض‭ ‬وطلب،‭ ‬لكن‭ ‬على‭ ‬سلعة‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬خاص

 

السوق‭ ‬المالي،‭ ‬في‭ ‬جوهره،‭ ‬ليس‭ ‬شيئاً‭ ‬خارقاً‭ ‬للطبيعة‭. ‬هو‭ ‬مثل‭ ‬أي‭ ‬سوق:‭ ‬مكان‭ ‬يلتقي‭ ‬فيه‭ ‬العرض‭ ‬والطلب‭. ‬الفرق‭ ‬الوحيد‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يبيع‭ ‬الطماطم‭ ‬ولا‭ ‬السيارات،‭ ‬بل‭ ‬يبيع‭ ‬الأوراق‭ ‬المالية‭.‬
العرض‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬المقاولات‭ ‬والشركات‭ ‬التي‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬التمويل‭ ‬لتوسيع‭ ‬نشاطها،‭ ‬وفتح‭ ‬مشاريع‭ ‬جديدة،‭ ‬وتحسين‭ ‬قدراتها‭ ‬الإنتاجية‭. ‬والطلب‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬المستثمرين‭ ‬(أي‭ ‬أنت‭ ‬وأنا)‭ ‬الذين‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬تثمين‭ ‬مدخراتهم‭ ‬بدل‭ ‬تركها‭ ‬مجمدة‭ ‬أو‭ ‬محدودة‭ ‬العائد‭.‬
يعني‭ ‬باختصار:‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يحتاج‭ ‬المال‭ ‬كي‭ ‬يعمل،‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬المال‭ ‬ويريد‭ ‬أن‭ ‬يشغله‭. ‬والوسيط‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭ ‬هو‭ ‬السوق‭ ‬المالي‭.‬

 

سندات‭ ‬وأسهم‭: ‬إمّا‭ ‬تقرض‮…‬‭ ‬أو‭ ‬تشارك

السلعة‭ ‬التي‭ ‬تتداول‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬السوق‭ ‬هي‭ ‬الأوراق‭ ‬المالية‭ ‬وهي‭ ‬نوعان‭ ‬أساسيان:
أولاً:‭ ‬سندات‭ ‬الديون‭.‬
هنا‭ ‬المستثمر‭ ‬لا‭ ‬يصبح‭ ‬شريكاً،‭ ‬بل‭ ‬يصبح‭ ‬مقرضاً‭. ‬يعطي‭ ‬المال‭ ‬للمقاولة‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬عقد‭ ‬واضح،‭ ‬ويسترجع‭ ‬المبلغ‭ ‬مع‭ ‬عائد‭ ‬متفق‭ ‬عليه‭ ‬مسبقاً‭ ‬سواء‭ ‬ربح‭ ‬المشروع‭ ‬أم‭ ‬خسر‭. ‬الأمر‭ ‬يشبه‭ ‬أن‭ ‬تقول‭ ‬للمقاولة: “خذ‭ ‬المال،‭ ‬اشتغل‭ ‬به،‭ ‬وأعده‭ ‬لي‭ ‬مع‭ ‬الفائدة‭ ‬ولا‭ ‬دخل‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬نتائج‭ ‬استثمارك”‭.‬

ثانياً:‭ ‬الأسهم‭.‬
هنا‭ ‬المستثمر‭ ‬لا‭ ‬يقرض‭ ‬المقاولة،‭ ‬بل‭ ‬يشاركها‭. ‬يصبح‭ ‬مالكاً‭ ‬لجزء‭ ‬من‭ ‬الشركة،‭ ‬صغيراً‭ ‬كان‭ ‬أو‭ ‬كبيراً‭. ‬وإذا‭ ‬حققت‭ ‬الشركة‭ ‬أرباحاً،‭ ‬يستفيد‭ ‬من‭ ‬جزء‭ ‬منها‭. ‬وإذا‭ ‬ارتفعت‭ ‬قيمة‭ ‬الشركة‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬يرتفع‭ ‬معها‭ ‬سعر‭ ‬السهم‭. ‬لكن‭ ‬إذا‭ ‬تراجعت‭ ‬النتائج‭ ‬أو‭ ‬ضعف‭ ‬الأداء،‭ ‬ينخفض‭ ‬السعر‭. ‬أي‭ ‬أن‭ ‬الربح‭ ‬والخسارة‭ ‬يصبحان‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬اللعبة‭.‬

 

البورصة‭: ‬مرآة‭ ‬للتوقعات‮…‬‭ ‬لا‭ ‬للأمنيات

البورصة‭ ‬هي‭ ‬الجزء‭ ‬الأكثر‭ ‬شهرة‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬المالي،‭ ‬لأنها‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬تُطرح‭ ‬فيه‭ ‬الأسهم‭ ‬والسندات‭ ‬أمام‭ ‬المستثمرين‭. ‬الشركات‭ ‬تلجأ‭ ‬إليها‭ ‬لاستقطاب‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال،‭ ‬والمستثمرون‭ ‬يلجأون‭ ‬إليها‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬فرص‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬سعر‭ ‬السهم‭ ‬ليس‭ ‬ثابتاً‭. ‬إنه‭ ‬يتغير‭ ‬حسب‭ ‬توقعات‭ ‬المستثمرين‭ ‬حول‭ ‬أرباح‭ ‬الشركة‭ ‬المستقبلية‭. ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬التوقعات‭ ‬إيجابية‭ ‬ارتفع‭ ‬السعر،‭ ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬سلبية‭ ‬انخفض‭. ‬لذلك‭ ‬فالسوق‭ ‬المالية‭ ‬حساسة‭ ‬للمعلومة،‭ ‬وللثقة،‭ ‬وللإشارات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وأحياناً‭ ‬حتى‭ ‬للشائعات‭.‬
وهنا‭ ‬بالضبط‭ ‬تظهر‭ ‬المشكلة‭ ‬المغربية:‭ ‬الناس‭ ‬تريد‭ ‬الربح…‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تفهم‭ ‬“كيف‭ ‬ولماذا”‭.‬

 

البورصة‭ ‬ليست‭ ‬معقدة‮…‬‭ ‬لكن‭ ‬الثقافة‭ ‬المالية‭ ‬هي‭ ‬العقدة
على‭ ‬الورق،‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬واضح‭. ‬لكن‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الآلية‭ ‬البسيطة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬شريحة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭. ‬لماذا؟‭ ‬لأن‭ ‬الثقافة‭ ‬المالية‭ ‬ضعيفة‭. ‬والبورصة،‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬كثيرين،‭ ‬ليست‭ ‬أداة‭ ‬استثمار‭ ‬عقلانية،‭ ‬بل‭ ‬شيء‭ ‬غامض‭ ‬بين‭ ‬“القمار”‭ ‬و“المؤامرة”‭ ‬و“الربح‭ ‬السريع”‭.‬
 

وهنا‭ ‬يظهر‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬الشائع:
إذا‭ ‬ربحت‭ ‬في‭ ‬البورصة‭ ‬فأنت‭ ‬“عندك‭ ‬جداك‭ ‬في‭ ‬العرس”،‭ ‬وإذا‭ ‬خسرت‭ ‬فأنت‭ ‬“ضحية‭ ‬نصب”،‭ ‬وفي‭ ‬كلتا‭ ‬الحالتين‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يريد‭ ‬الاعتراف‭ ‬بأن‭ ‬الاستثمار‭ ‬يحتاج‭ ‬معرفة‭ ‬وصبراً،‭ ‬لا‭ ‬فقط‭ ‬حماساً‭ ‬أو‭ ‬خوفاً‭.‬
الثقافة‭ ‬المالية‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬حفظ‭ ‬مصطلحات‭ ‬مثل‭ ‬“سهم”‭ ‬و”سند”‭. ‬إنها‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬الادخار‭ ‬والاستهلاك‭ ‬والاستثمار،‭ ‬وعلى‭ ‬تقييم‭ ‬المخاطر‭ ‬والعوائد،‭ ‬وعلى‭ ‬اختيار‭ ‬أدوات‭ ‬مناسبة‭ ‬للأهداف،‭ ‬وعلى‭ ‬حماية‭ ‬النفس‭ ‬من‭ ‬القرارات‭ ‬العشوائية‭.‬
وحين‭ ‬تغيب‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة،‭ ‬يصبح‭ ‬المواطن‭ ‬رهينة‭ ‬قرارات‭ ‬غير‭ ‬رشيدة:‭ ‬إما‭ ‬تجميد‭ ‬الأموال‭ ‬دون‭ ‬عائد،‭ ‬أو‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬بلا‭ ‬دراسة،‭ ‬أو‭ ‬مطاردة‭ ‬“فرصة‭ ‬العمر”‭ ‬التي‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬فرصة‭ ‬شخص‭ ‬آخر‭ ‬للربح…‭ ‬على‭ ‬حسابه‭.‬

 

المدرسة‭ ‬لا‭ ‬تدرّس‭ ‬المال‮…‬‭ ‬ثم‭ ‬نستغرب‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬نحسن‭ ‬التعامل‭ ‬معه

من‭ ‬أكبر‭ ‬أسباب‭ ‬الضعف‭ ‬المالي‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬أن‭ ‬المدرسة‭ ‬لا‭ ‬تُعامل‭ ‬المال‭ ‬كمهارة‭ ‬حياتية‭. ‬الطالب‭ ‬يتخرج‭ ‬وهو‭ ‬يعرف‭ ‬نظريات‭ ‬كثيرة‭ ‬وقد‭ ‬درس‭ ‬مواد‭ ‬أكثر،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يعرف:
كيف‭ ‬يضع‭ ‬ميزانية‭ ‬شخصية،
ما‭ ‬معنى‭ ‬الفائدة‭ ‬المركبة،
ما‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬السهم‭ ‬والسند،
كيف‭ ‬يعمل‭ ‬صندوق‭ ‬الاستثمار،
كيف‭ ‬يقرأ‭ ‬مؤشرات‭ ‬مالية‭ ‬بسيطة‭.‬
وهكذا‭ ‬نُخرج‭ ‬جيلاً‭ ‬يدخل‭ ‬الحياة‭ ‬العملية‭ ‬دون‭ ‬أدوات‭ ‬لفهم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحقيقي‭ ‬الذي‭ ‬يعيش‭ ‬داخله،‭ ‬ثم‭ ‬نطالبه‭ ‬بأن‭ ‬يكون‭ ‬”مستثمراً‭ ‬ذكياً”‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬تتحرك‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬بسرعة‭ ‬المعلومات‭ ‬التي‭ ‬تتداول‭ ‬من‭ ‬خلاله‭.‬

 

بين‭ ‬“العقار‭ ‬أمان”‭ ‬و”الذهب‭ ‬ضمان”‮…‬‭ ‬تضيع‭ ‬فرص‭ ‬التنويع‭ ‬و‭ ‬التثمين

ثم‭ ‬تأتي‭ ‬الثقافة‭ ‬الاستثمارية‭ ‬التقليدية:‭ ‬المغربي‭ ‬يميل‭ ‬إلى‭ ‬الادخار‭ ‬النقدي،‭ ‬أو‭ ‬الحساب‭ ‬البنكي‭ ‬دون‭ ‬عائد‭ ‬حقيقي،‭ ‬أو‭ ‬الذهب،‭ ‬أو‭ ‬العقار‭ ‬باعتباره‭ ‬“اللي‭ ‬تلف‭ ‬يشد‭ ‬الأرض”‭. ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬الخيارات‭ ‬منطقية‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬معينة،‭ ‬لكن‭ ‬المؤسف‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬احتكار‭ ‬نفسي‭ ‬للاستثمار،‭ ‬ورفض‭ ‬مطلق‭ ‬لأي‭ ‬أدوات‭ ‬أخرى‭.‬
والنتيجة‭ ‬أن‭ ‬المواطن‭ ‬لا‭ ‬ينوّع‭ ‬مدخراته،‭ ‬ويضع‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬أصل‭ ‬واحد،‭ ‬ويصبح‭ ‬مستقبله‭ ‬المالي‭ ‬مرتبطاً‭ ‬بمسار‭ ‬واحد‭. ‬بينما‭ ‬البورصة‭ ‬تتيح‭ ‬التنويع‭ ‬بين‭ ‬قطاعات‭ ‬وشركات،‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬الاستثمار‭ ‬عبر‭ ‬صناديق‭ ‬تخفف‭ ‬المخاطر‭.‬

 

حين‭ ‬يغيب‭ ‬المستثمر‭ ‬الواعي‮…‬‭ ‬يحضر‭ ‬الواقعي

ضعف‭ ‬الثقافة‭ ‬المالية‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬فقط‭ ‬أن‭ ‬المواطن‭ ‬لا‭ ‬يدخل‭ ‬البورصة،‭ ‬بل‭ ‬يعني‭ ‬أيضاً‭ ‬أنه‭ ‬يتركها‭ ‬للمضاربين‭. ‬وعندما‭ ‬يغيب‭ ‬المستثمر‭ ‬طويل‭ ‬الأجل،‭ ‬يصبح‭ ‬السوق‭ ‬أكثر‭ ‬حساسية‭ ‬للانفعالات،‭ ‬وأقل‭ ‬ارتباطاً‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬الحقيقي‭. ‬وتظهر‭ ‬مفارقة‭ ‬عجيبة:‭ ‬البورصة‭ ‬موجودة،‭ ‬والشركات‭ ‬تُدرج‭ ‬وتجمع‭ ‬التمويل،‭ ‬لكن‭ ‬المشاركة‭ ‬الشعبية‭ ‬تبقى‭ ‬محدودة‭.‬
وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬الفراغ،‭ ‬يصبح‭ ‬المواطن‭ ‬أيضاً‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للاحتيال:‭ ‬التسويق‭ ‬الهرمي،‭ ‬منصات‭ ‬تداول‭ ‬وهمية،‭ ‬ووعود‭ ‬بعوائد‭ ‬خيالية‭. ‬لأن‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يفهم‭ ‬الاستثمار‭ ‬الحقيقي،‭ ‬سيصدق‭ ‬بسهولة‭ ‬الاستثمار‭ ‬الوهمي،‭ ‬الذي‭ ‬سيجعل‭ ‬منك‭ ‬مليونيراً‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬أسابيع‭.‬

 

الحل‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬“تطبيق‭ ‬جديد”‮…‬‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬عقل‭ ‬جديد

من‭ ‬الناحية‭ ‬التقنية،‭ ‬الدخول‭ ‬للبورصة‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬معقداً:‭ ‬شركات‭ ‬وساطة،‭ ‬خدمات‭ ‬رقمية،‭ ‬بيانات‭ ‬متاحة،‭ ‬وهيئات‭ ‬تنظيمية‭. ‬لكن‭ ‬المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬تقنية،‭ ‬بل‭ ‬ثقافية‭. ‬المواطن‭ ‬لا‭ ‬يشعر‭ ‬أن‭ ‬البورصة‭ ‬“تخصه”‭.‬
والحل‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬واضح:‭ ‬التعليم‭. ‬ثم‭ ‬الإعلام‭. ‬ثم‭ ‬تبسيط‭ ‬المنتجات‭ ‬المالية،‭ ‬وتشجيع‭ ‬الاستثمار‭ ‬التدريجي‭ ‬بمبالغ‭ ‬صغيرة،‭ ‬وتطوير‭ ‬صناديق‭ ‬مناسبة‭ ‬للمبتدئين‭. ‬والأهم:‭ ‬أن‭ ‬تتحمل‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬مسؤولية‭ ‬التوعية‭ ‬لا‭ ‬مسؤولية‭ ‬البيع‭ ‬فقط‭.‬

 

خاتمة‭: ‬الثقافة‭ ‬المالية‭ ‬ليست‭ ‬رفاهية‮…‬‭ ‬بل‭ ‬ضرورة‭ ‬اقتصادية

ضعف‭ ‬الثقافة‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬ليس‭ ‬نقصاً‭ ‬بسيطاً‭ ‬في‭ ‬المعرفة،‭ ‬بل‭ ‬حرمان‭ ‬اقتصادي‭ ‬غير‭ ‬معلن‭. ‬فحين‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬المواطن‭ ‬كيف‭ ‬يستثمر،‭ ‬يبقى‭ ‬خارج‭ ‬اللعبة،‭ ‬ومدخراته‭ ‬ضعيفة‭ ‬النمو،‭ ‬ومستقبله‭ ‬المالي‭ ‬هش‭.‬
البورصة‭ ‬ليست‭ ‬سوقاً‭ ‬للنخبة‭ ‬فقط‭. ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أداة‭ ‬لبناء‭ ‬الثروة‭ ‬لدى‭ ‬الطبقة‭ ‬المتوسطة‭ ‬وتمويل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحقيقي،‭ ‬شرط‭ ‬أن‭ ‬يمتلك‭ ‬المواطن‭ ‬مفاتيح‭ ‬الفهم‭ ‬والقرار‭. ‬وإلا‭ ‬ستظل‭ ‬البورصة‭ ‬“كتفور”…‭ ‬والمغاربة‭ ‬كيتفرّجو‭.‬