إن بناء التشريع، باعتباره سياسات عمومية وقرارًا عموميًا، يتم بناؤه على أساس إعمال المقاربة التشاركية، باعتبارها مبدأً دستوريًا، في احترام عمل السلط والمؤسسات عبر تشريعات ومؤسسات وآليات، في إطار نظام دستوري يقوم على مبدأ فصل السلط، ونظام الاقتراع، والمساءلة.
في هذا الصدد، فإن من أهم توصيفات دستور 2011 أنه دستور الحقوق، المؤسس على مفهومي الحقوق والحريات والسياسات العمومية، ببعدها المرتبط بفعلية الحقوق. ومن ثم، فإن كل التعبيرات المؤسساتية وغير المؤسساتية تقوم بإنتاج السياسات وتقييمها عبر مؤشرات ومعايير حقوقية.
في سياق هذه التحولات النوعية، التي من مخرجاتها الكبرى قوانين تنظيمية وتشريعات مرتبطة بمنظومة العدالة ومجال الحقوق والحريات.
في هذا المسار التشريعي والتنظيمي، يأتي النقاش الحقوقي بشأن مقتضيات مشروع قانون مهنة المحاماة، الذي تضمن توجهات وأنظمة مؤسساتية جديدة، فيها مساس بالمعايير التوجيهية الدولية بشأن الضمانات الحقوقية لمهنة المحاماة. هذه التعبيرات تختلف بشكل جذري ونوعي عن القانون الحالي، خصوصًا فيما يتعلق بالمجلس الوطني للمحاماة، والإذن الصادر عن وزير العدل بصفة استثنائية لمكتب محاماة أجنبي لممارسة المهنة بشأن مشروع استثماري، إضافة إلى ضمانات الحصانة، ومبدأ الاستقلالية على مستوى تأهيل المهنة وكيفية مزاولتها، وحصانة الدفاع، والمسطرة التأديبية، وتنظيم الهيئات.
هذه الأبعاد الجديدة في مشروع قانون مهنة المحاماة، في حالة المصادقة عليها واعتمادها بصيغتها الحالية، سيكون لها تأثير نوعي في طبيعة البنية المؤسساتية لمهنة المحاماة، وتحول نوعي أيضًا في طبيعة الممارسة المهنية، وبناء القرار المهني، وربط الممارسة المهنية بالمنظومة الدولية، من خلال تمدد البعد الدولي المرتبط بالمكاتب الأجنبية. كما سيكون لها تأثير في بناء القرار المهني، الذي سيصبح مشتركًا بين العديد من التعبيرات المؤسساتية، في المجال التنظيمي للحكومة ووزارة العدل، ومجالس الهيئات، والمجلس الوطني، والنقيب، والمكاتب الأجنبية.
على هذا الأساس، فإن مقاربة مشروع قانون مهنة المحاماة تقتضي، من الناحية المعيارية والحقوقية، تعزيز مبدأ استقلالية القرار المهني عن السلطة القضائية ووزارة العدل. وهذا يستدعي تحديد المرجعيات الكبرى التالية:
- إن مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة لا يتعلق فقط باستكمال المنظومة التشريعية والمؤسساتية المرتبطة باستكمال الإطار العام المنظم للعدالة والسلطة القضائية، بل يرتبط برهانات تتعلق بتعزيز الحقوق والحريات، وإعمال توصيات ومخرجات الاستعراض الدوري الشامل، ونظام التقارير، وتفاعل المغرب مع الآليات الدولية في مجال حقوق الإنسان، وتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، والممارسة الاتفاقية المتعلقة بالقانون الدولي لحقوق الإنسان.
- إن البناء التشريعي يقتضي التوافق على المرجعيات قبل تقديم أي مشروع قانون، كما هو الشأن في القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، والقانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة. وعلى هذا الأساس، فإن مسودة مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة تستدعي الاتفاق على المحددات الكبرى بشأن حصانة الدفاع، ومجال عمل المحامي، وطبيعة مؤسسات الهيئة واختصاصاتها: النقيب، والمجلس، والجمعية العمومية، والمجلس الوطني، وتحديد المجال التنظيمي للحكومة ومجال القانون، خصوصًا فيما يتعلق بالمكاتب الأجنبية، مع تدعيم والحفاظ على اختصاصات المجلس في تدبير الشأن المهني، وتقوية مؤسسة النقيب، واستقلالية القرار المهني.
- الحد من تدخل المجال التنظيمي للسلطة التنفيذية ومجال القانون (البرلمان) في اختصاصات المجلس الوطني للمحاماة، بشأن النظام الداخلي للمجلس، تعزيزًا لمبدأ استقلالية المجلس في التدبير الداخلي.
- الحد من تدخل النيابة العامة والمجال التنظيمي للسلطة التنفيذية في أعمال مبدأ الاستقلالية وحصانة الدفاع.
- اعتبار مجالس الهيئات الإطار المؤسساتي الوحيد المختص وجوبًا في تدبير الشأن المهني، إعمالًا لمبدأ استقلالية الهيئات، مع توسيع اختصاصات وصلاحيات المجالس.
- تقوية مؤسسة النقيب.
- تعزيز استقلالية القرار المهني، حصرًا، على مستوى اختصاص المجالس، من حيث التمثيل في العلاقة مع الهيئات الأجنبية والدولية المرتبطة بالممارسة المهنية للمحاماة.
- اختصاصات المجلس الوطني، وجوبًا وحصرًا، في انتخاب أجهزته ومؤسساته: الرئيس، المكتب، والبرلمان.
- التدقيق في الأهداف والاختصاصات.
- مراجعة الأحكام المرتبطة بالمسطرة التأديبية، وذلك عبر الحد من تدخل وتمدد سلطات النيابة العامة في الممارسة الأصلية لمجالس الهيئات في تنظيم وتدبير المسطرة التأديبية، إعمالًا لحصانة الدفاع، وتعزيزًا لمبدأ الاستقلالية، وتدعيمًا لمبدأ التوازن بين السلط. ويُعد هذا مدخلًا لمعايير الحياد والنجاعة، لأن تخويل النيابة العامة حق المنازعة أمام مجالس الهيئات يشكل مساسًا خطيرًا بمبدأ الاستقلالية.
- تعزيز حصانة الدفاع، وذلك عبر تقييد الاختصاصات والسلطات المطلقة للنيابة العامة في تقدير اعتقال المحامي أو وضعه تحت الحراسة النظرية.
إن مشروع قانون مهنة المحاماة تم التداول فيه والمصادقة عليه من طرف مجلس الحكومة طبقًا لمقتضيات الفصل 72 من الدستور.
إذن وبموجب هذه الإجراءات الدستورية، واعتبارًا لكون المشروع تم إيداعه وإحالته طبقًا لمقتضيات المادة 177 من الدستور، فإن هناك مشروعية لسحبه من طرف السيد رئيس الحكومة صاحب المبادرة التشريعية؛ لأن مشاريع القوانين المحالة على البرلمان يمكن سحبها وفق أحكام الدستور والقوانين التنظيمية خصوصًا وأننا في سنة يتحكم فيها المسار الانتخابي وتجديد المؤسسات الدستورية، ومنه فإن جزء كبير من النقاش العمومي يذهب في اتجاه إعطاء أولويات للتحالفات الانتخابية والتوازنات السياسية ومآلات مخرجات العملية الانتخابية.
وبالتالي لا يمكن الحسم في تشريع مهيكل كقانون المحاماة الذي يحمل رهانات كبيرة ومعقدة ترتبط بتعزيز المسار المؤسساتي المرتبط باستقلال السلطة القضائية وضمانات المحاكمة العادلة.
إن مشروع قانون المهنة قلب نظام وروح المحاماة بشكل نوعي وهيكلي على مستوى: الاستقلالية/حصانة الدفاع/القرار المهني… وبالتالي فإنه لا يمكن الحديث عن تعديلات للفرق البرلمانية: أغلبية/معارضة، ولكن يقتضي التأكيد على سحب هذا المشروع لأن المسار التشريعي والمؤسساتي سيحافظ على التوجه العام للسلطة التنفيذية (الحكومة) كما وقع لمشروع قانون المسطرة المدنية وما ترتب عليه من قرار المحكمة الدستورية لأنه لا يمكن الرهان على العمل البرلماني لأنه تبين من خلال التجربة النيابية الحالية أن الأطروحة السائدة هي أطروحة الحكومة وأن الممارسات البرلمانية لا يمكن أن تقدم إجابات نوعية بشأن مشاريع القوانين.
الرهان الآن هو سحب المشروع لأن الأمر يتعلق باختيار تشريعي وبمرجعيات ومحددات ترتبط بتوجهات العمل الحكومي، وبالتالي فإن توجه المحامين للتفاوض عبر مؤسساتهم لا يجب أن يقتصر فقط في اتجاه تعديلات فرعية غير جوهرية وغير هيكلية لا تمس التوجه العام للاختيارات التشريعية للسلطة التنفيذية بل إلى الضغط من أجل سحب المشروع والتفاوض بشأنه على أساس مبادئ وتوجهات كبرى مؤسسة لمهنة المحاماة.