jeudi 22 janvier 2026
كتاب الرأي

أنور الشرقاوي: بقال الحي وطبيب الحومة

أنور الشرقاوي: بقال الحي وطبيب الحومة الدكتور أنور الشرقاوي خبير في التواصل الطبي والإعلام الصحي

الوقاية دائمًا أقل كلفة من العلاج.  واقتصاد الصحة يبدأ قبل المستشفى، وقبل المرض.

في زمن المتاجر الكبرى والمنصات العملاقة، قيل إن بقال الحي إلى زوال. لكنه ما زال موجودًا. هادئًا، صامدًا، ولا غنى عنه.


ندخل، نختار حاجياتنا، نملأ السلة… وأحيانًا حتى قارورة الغاز. وندفع في نهاية الشهر، بلا استمارات ولا خوارزميات. يكفي دفتر صغير.

 

الأمر لا يتعلق بالتجارة فقط، بل بعقد اجتماعي صامت، قائم على الثقة، والقرب، ومعرفة الواقع الإنساني.

هذا المشهد اليومي البسيط يقول الكثير عن علاقتنا بالخدمات الأساسية.

 

وهو يسلّط الضوء، بالمقارنة، على فاعل آخر في القرب الاجتماعي كثيرًا ما يُهمَل: الطبيب العام الحر في الحي.

تمكين الناس من العلاج لا يقل نُبلًا عن تمكينهم من الغذاء.

لنأخذ مثال هذه المعلمة الحامل.


اختارت متابعة حملها عند طبيبة نساء حرة وطبيب عام قريبين من بيتها.
ليس بدافع الترف، بل بدافع الوعي.


هذا الاختيار يوفّر لها الوقت والطاقة وراحة البال، وهي موارد تعيد استثمارها في عملها التربوي، خدمةً للمجتمع.

صحيح أن المركز الصحي العمومي موجود، مجاني ومتاح. وهي تعلم ذلك جيدًا. لكنها تفضّل ترك المكان لمن هم أكثر هشاشة منها.

 

بدافع الكرامة، وبحسّ اجتماعي مسؤول. فهي تُدرّس أطفالًا من أسر بسيطة، ولا تريد أن تجد نفسها، في فضاء صحي مكتظ، تتزاحم مع أمهاتهم من أجل موعد.

 

إنها تحمي موقعها الاجتماعي دون تعالٍ، وبكثير من الرصانة. هذا السلوك ليس أنانيًا ولا نخبويًا.
إنه متوازن. ويساهم، بطريقته، في تنظيم النظام الصحي.

 

لهذا السبب تحديدًا، يجب تعزيز مكانة الطبيب العام الحر القريب من المواطنين، والاعتراف بدوره، وإعادة الاعتبار له.


فمثل بقال الحي، يعرف مرضاه، قصصهم، هشاشتهم، وحتى صمتهم.

غالبًا ما يكون أول من يُلجأ إليه، وأحيانًا آخر خط دفاع.

 

لكن دوره لا يجب أن يقتصر على علاج المرض. بل ينبغي أن يكون فاعلًا أساسيًا في الوقاية.

لماذا لا يتم إقرار استشارة مخصّصة للأشخاص الأصحاء، الراغبين في الحفاظ على رصيدهم الصحي؟ استشارة للوقاية، والاستباق، والتثقيف الطبي.

 

والأهم: لماذا لا تُعَوَّض من طرف نظام التأمين الصحي؟

لن يكون ذلك ترفًا ولا إسرافًا، بل استثمارًا عقلانيًا.

فالوقاية دائمًا أقل كلفة من العلاج.
واقتصاد الصحة يبدأ قبل المستشفى، وقبل المرض.

 

إن الحفاظ على المستوى الاجتماعي-الاقتصادي للطبيب العام الحر القريب من المواطنين، هو حفاظ على توازن الحي، وسلاسة منظومة العلاج، وكرامة الطبقة المتوسطة، وتفرغ المرفق العمومي للفئات الأكثر هشاشة.
وهو، في العمق، سبيل عملي لترسيخ السلم الاجتماعي.