mercredi 21 janvier 2026
كتاب الرأي

توفيق مفتاح: إعداديات الريادة.. كيف حوَّلت وثيقة وزارية موادًا دراسية إلى أنشطة هامشية؟

توفيق مفتاح: إعداديات الريادة.. كيف حوَّلت وثيقة وزارية موادًا دراسية إلى أنشطة هامشية؟ توفيق مفتاح

في خضم الأجواء الإصلاحية التي تُروج لها وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، وجهت الكتابة العامة للوزارة للأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين مراسلة وزارية – تداولتها وسائل التواصل الاجتماعي – حول موضوع "تدريس وتقييم بعض المواد بإعداديات الريادة". هذه الوثيقة التي تحمل الرقم المرجعي 0160/26 بتاريخ 15 يناير 2026، كشفت عن تحول جوهري في فلسفة واختيارات الوزارة فيما يتعلق بمواد التكنولوجيا والإعلاميات والتربية التشكيلية والتربية الموسيقية والأسرية، أو ما تسميه الوزارة اختصارا وتقزيما في نصوصها الرسمية "المواد غير المعمَّمة".

 

تستند هذه الوثيقة رسميًا إلى "خارطة طريق الإصلاح 2022-2026 من أجل مدرسة عمومية ذات جودة"، ذلك المشروع الطموح الذي أُعلن عنه كحل سحري لأزمة التعليم المدرسي المزمنة. في الظاهر، تقدم الوثيقة نفسها كخطوة تقدمية نحو "إرساء نظام تقييم فعال" و"تكوين الفرق التربوية"، لكن بين سطورها تكمن مفارقة تربوية صادمة. كيف لوزارة ترفع شعار "مدرسة الجودة" أن تقدم خيارا يحول موادا تعليمية رسمية ضمن المناهج الدراسية إلى أنشطة هامشية؟ وكيف يمكن لبرنامج إصلاحي في إطار "مؤسسات الريادة" أن يحول حصصا دراسية مؤطرة بمرجعيات بيداغوجية وديداكتيكية إلى "أنشطة موازية"، ويسحب منها شرعيتها الأكاديمية؟ وأي تحديات قد تنتج عن تطبيق مثل هذه التوجيهات الوزارية؟

 

الخياران المطروحان: من المنهاج إلى الهامش
تقدم الوثيقة خيارين يبدوان للوهلة الأولى كمرونة تربوية. الخيار الأول يطرح تدريسا عاديا مع اشتراط تفعيل خاصية "مادة غير معتمدة" على منصة "مسار"، وهذا بمثابة اعتراف صريح بأن المادة تُدرس ولكنها لا تستحق الاعتراف الرسمي.

 

أما الخيار الثاني فيطرح تحويل هذه المواد إلى أنشطة موازية من خلال أندية تربوية، وهو ما يشكل انتكاسة تاريخية ورسمية تخرج هذه المواد الدراسية من إطار المنهاج الدراسي إلى إطار التنشيط والترفيه، مع وعود بنقاط إضافية جزافية تُمنح للمتعلمين كـ"عمولة/تضويرة" تربوية سمتها الوزارة "Bonus" مقابل الانخراط والمشاركة في هذه الأندية.

 

إن هذا المستجد يفتح أسئلة جوهرية كثيرة، من بينها: مدى تأسيس هذه القرارات الإدارية على معطيات ودراسات علمية، ومدى استجابة هذه الخيارات المطروحة لحاجات تربوية حقيقية، أم أنها مجرد محاولة لمعالجة إشكالات إدارية أخرى؟ فما الدافع الحقيقي وراء إصدار هذه الوثيقة في هذا التوقيت بالذات، أي النفس الأخير من تنزيل برنامج مؤسسات الريادة بسلك التعليم الثانوي الإعدادي؟ وكيف ستؤثر هذه القرارات على مصير آلاف التلاميذ الذين سيحرمون من تعليم تكنولوجي وفني وإبداعي جاد؟ وما الرسالة التي ترسلها الوزارة للفاعلين التربويين والأسر والمجتمع عموماً عندما تعلن أن موادًا كالتربية التشكيلية أو الموسيقية أو الأسرية أو الإعلاميات أو التكنولوجيات هي مواد غير ملزمة و"غير معتمدة رسميا ضمن المناهج والبرامج الدراسية"؟

 

تحول في الجوهر: من البيداغوجيا إلى البيروقراطية
إن هذه المراسلة الوزارية، في عمقها، بمثابة مرآة عاكسة لأزمة المنظومة التعليمية المغربية في أبعادها الشاملة، وهي تعبر عن أزمة الرؤية والغايات التربوية، وأزمة الهوة بين القرار الإداري المركزي والميدان التربوي، كما أنها تبرز بجلاء أزمة الشرعية الاجتماعية والتربوية للمدرسة العمومية التي أضحت تكرس "الهشاشة المعرفية والفقر المهاري والثقافي والفكري للمتعلم" بمثل هذه القرارات الفوقية غير المؤسسة على أي خطاب علمي أو بيداغوجي ذي مصداقية.

 

إن مناقشة وتحليل هذه الوثيقة لا يمكن أن يتم بمعزل عن السلسلة الطويلة من "الإصلاحات" التي لا تزيد نظامنا التعليمي إلا تعقيداً دون حل لمشاكله الجوهرية، بل هي تمثل أحد أعراض المرض المزمن والعميق للمنظومة التعليمية.

 

ويمكن اعتبارها، في أدنى مستوياتها، محاولة لإنقاذ برامج فاشلة يتم تسويقها تحت شعار "مؤسسات الريادة".

ولا بد أن نؤكد مرة أخرى أن هذه الوثيقة ليست مجرد نص إداري، بل هي وثيقة تاريخية تسجل لحظة فارقة وحرجة في مسلسل تدهور التعليم العمومي، ومؤشر على تحول الدولة من ضامن لحق التعليم إلى مدبر لأزمة تربوية بنيوية، مع التشديد على أن جوهر الإصلاح التربوي يجب أن يكون تعليماً شاملاً وعادلاً ومنصفاً لجميع التلميذات والتلاميذ.

 

ولعل المتأمل بعمق في محتوى هذه الوثيقة الوزارية يتبين له حجم المخاطر الكامنة في هذا الخيار الإداري فيما يتعلق بتدريس المواد الدراسية المذكورة، فهو يقاربها من زاوية إدارية ضيقة على حساب جوهرها التربوي والتعليمي وبعدها الاستراتيجي.

 

فهذه الوثيقة لم تتناول كيفية تحسين تعليم التربية الفنية أو الموسيقية أو التكنولوجية، بل انتقلت من سؤال "كيف نُدرِّس هذه المواد بشكل أفضل وأنجع؟" إلى "كيف نتعامل معها إدارياً بأقل كلفة وجهد؟". وهذا تحول خطير من الفعل التربوي إلى الإجراء البيروقراطي.

 

فالخياران المعروضان هما في الحقيقة هروب من مواجهة العجز الهيكلي في تدريس هذه المواد الذي انطلق منذ عقود خلت، وأصبح يُكرس باختيارات وممارسات إدارية منذ سنة 2012، سنة التخلي عن تكوين وتوظيف أساتذة تدريس المواد الفنية بسلك التعليم الثانوي الإعدادي، وما ترتب عنه من تفكيك إرادي للبنيات البيداغوجية بمراكز التكوين التابعة للوزارة.

 

إن تفكيك وتحليل عمق الخيارين الواردين بالوثيقة الوزارية المذكورة يكشف وهم "التدبير الناجع" لهذه المواد.

فالطريقة الأولى القائمة على التدريس "العادي" مع وصم المادة بـ"غير معممة" تعد صفعة للتلميذ والمدرس. فكأننا نقول للتلميذ(ة): "أنت تدرس وتُختبر، لكن مادتك غير معتمدة رسمياً". هذا يخلق ازدواجية معرفية وتربوية تدمر قيمة المادة الدراسية وتحولها إلى حصة لملء فراغ ما. كما أن المدرس(ة) بهذه الإجراءات يُحوَّل إلى كائن تربوي غير مستقر وغير ثابت الهوية والوجود ضمن تنظيم الدراسة وخارج الهندسة البيداغوجية للمنظومة التعليمية، وباستدامة وتكريس هذا الوضع الغامض لهذه المواد تُنتزع الشرعية البيداغوجية للمدرس داخل المجتمع المدرسي.

أما الطريقة الثانية التي تسعى لتحويل هذه المواد لأنشطة موازية، فهذه نكسة حقيقية للمنهاج الدراسي المغربي. فتحويل مادة لها أهداف ومحتوى إلى نشاط موازٍ هو تفريغ لها من مضمونها الأكاديمي والتربوي، وتقييمها يصبح مجرد "نقطة إضافية" مقابل المشاركة فقط.

 

وهذا يصل لدرجة إبادة لفكرة أو تصور التدريس والتعلم بالمنهاج الدراسي، واستبدالها بثقافة المشاركة الشكلية في الأنشطة التربوية.

 

تناقض صارخ وفخ التوافق :
الحقيقة أن هناك تناقضاً صارخاً في مقتضيات هذه الوثيقة الوزارية، فهي تتحدث عن "مدرسة عمومية ذات جودة" و"نظام تقييم فعال"، ثم تقدم آلية إجرائية تقول صراحة بأن المادة "غير معممة". فأين تكمن الجودة هنا، في تعليم يتبنى خيار مواد لا يدرسها لجميع تلامذته بنفس الحظوظ والفرص والمقاربات البيداغوجية؟ وأين تتجلى فعالية التقييم في مواد تتحول إلى أنشطة اختيارية؟


إنه بالإضافة إلى هذا التناقض، فالوثيقة تحمل غموضاً مريباً، حيث نجد فيها أن "الفرق التربوية بالمؤسسات التعليمية مدعوون للتوافق" حول اختيار إحدى الطريقتين. وهذه العبارة غير مفهومة نحويا ومعنويا، فهي فضفاضة ولا تحمل إلزاما ولا توضح آليات التنزيل والتنفيذ العملي. لا أحد هنا يتحمل المسؤولية. فالنصوص الرسمية عادة تكون دقيقة لتجنب سوء الفهم، وصارمة لضمان التنفيذ، وواضحة لتوحيد التطبيق. لكن هنا اللغة لا تحمل أي سلطة، فهي غامضة تترك المجال للتأويلات، ومرنة بشكل مدمر، حيث كل جهة تفهم كما تشاء لأنها غير ملزمة، فالمعنيون "مدعوون" وليسوا "مطالبين".

 

و"التوافق" يمثل فخا ديمقراطيا للجميع، حيث تثير عبارة "مدعوون للتوافق" إشكالات عميقة، فمن يحق له التوافق؟ ومن هي الفرق التربوية؟ وما هو التوافق؟ هل هو إجماع؟ أغلبية؟ توافق بأية مرجعية بيداغوجية ومؤسساتية؟ وماذا لو لم يتم التوافق؟ من يقرر عند التعارض؟ الوزارة تحملت مسؤولية القرار، والميدان يتحمل تبعات غموضه، ويُحاسب على النتائج. لغة هذه الوثيقة تعكس بجلاء العقل المؤسساتي للوزارة، فمنطقها يقول: "لا نعرف ما نريد، فافعلوا ما تريدون". نحن أمام إشكالات تدبيرية حقيقية لا يمكن تجاهلها، ولعله عجز واضح عن تدريس جميع المواد بشكل منصف ولائق. والوزارة تقدم حلا تقنويا لمشكلة تربوية عميقة.

 

هاجس الأرقام وإعادة إنتاج التهميش:

تتجلى النتيجة المتوقعة لهذه القرارات الإدارية في استمرار تآكل مصداقية المدرسة العمومية، وتراجع في جودتها، وانزياح عن الأسئلة والإشكالات الفعلية. فمحتوى المراسلة في جوهره استسلام وليس إصلاحا. إنه يرسخ هشاشة المواد الفنية والإبداعية والتكنولوجية التي هي بالأساس مهمشة، ويشرعن ويعمق هذا التهميش الرسمي بإعطاء المؤسسات خيار "التعامل معها بلا ضوابط ومرجعيات". إنه يكرس فكرة أن هذه المواد لا قيمة أكاديمية لها ولا أثر لها على تكوين المتعلم(ة)، ويعمق فكرة التسلسل الهرمي للمواد من أساسية إلى غير أساسية. وهذا، بدوره، يؤدي إلى قتل الإبداع والتوازن، فالمدرسة التي تهمش الفنون والموسيقى والمهارات التكنولوجية والرقمية والحياتية والأسرية هي مدرسة تنتج تلاميذ أحاديي النمو تحت مظلة قرارات رسمية.

 

في مستوى آخر، تبدو هذه الوثيقة الوزارية محاولة لإنقاذ برنامج الأنشطة الموازية بمؤسسات الريادة الذي يواجه صعوبات حقيقية في تنزيله وتحقيق أهدافه.

 

فالمتتبعون لهذا الملف يدركون أن نسبة المشاركة الفعلية في الأنشطة الموازية محدودة أمام سقف التوقعات الرسمية الذي يطمح لبلوغ نسبة استفادة 50% من التلاميذ، وأن العديد من التلاميذ والأسر لا يرون فيها قيمة مضافة حقيقية في سيرورة التعلم والتطور المعرفي والمهاري الفعلي.

 

كما أن المؤسسات التعليمية تتعامل مع البرنامج كعبء إضافي أمام ضعف الإمكانات والموارد البشرية والمادية والخبرات والتأطير التربوي الفعال. وهاجس الأرقام على حساب الجودة يرخي بظلاله على قرارات الوزارة، فالوثيقة تكشف عن مخطط واضح لتحويل حصص مواد دراسية ضمن المنهاج إلى أرقام إحصائية للأنشطة الموازية، وتحويل 4 حصص أسبوعية (في المتوسط) لكل مؤسسة إلى "أنشطة موازية"، وذلك لأنها تستهدف تحديداً مؤسسات "الريادة" التي تخضع لمراقبة إحصائية أكبر. فبكل بساطة، يتوقع أن يُسجَّل جميع تلاميذ المؤسسة تلقائياً في "أنشطة موازية"، وهكذا تتحول الحصص الدراسية إلى أرقام وإحصائيات دون تغيير في حقيقة الممارسة التربوية والتعليمية لهذه المواد الدراسية الحيوية بالنسبة لمتعلم السلك الإعدادي.

 

فهل سنضحي بالتلميذ مرتين، بأن نسرق منه حصص المواد الفنية والتكنولوجية، ونجبره على المشاركة في "أنشطة" شكلية لتحقيق أرقام الوزارة؟

من الطبيعي أن يحدث هذا في منظومة تعليمية لا تزال تحمل بصمة النموذج الفرنسي ذي الجذور التاريخية الوسيطية، والذي يقسم المعرفة إلى معرفة عليا (الرياضيات، العلوم، اللغة) التي تترجم عبر مواد تسميها أساسية، ومعرفة دنيا وثانوية (الفنون، الموسيقى، المهارات الحياتية) التي تعتبرها من الكماليات وتصفها بالمواد غير الأساسية. هذا التقسيم الهرمي ليس بريئاً، إنه أداة لإعادة إنتاج البنى الاجتماعية القائمة.

 

فالمواد "الثانوية" هي بالضبط المواد التي تطور التفكير النقدي، والإبداع خارج الأطر الثقافية والذهنية السائدة، وتنمي المهارات العاطفية والاجتماعية والقدرة على مساءلة السلط الاجتماعية والثقافية المهيمنة.

 

إن المعضلة الحقيقية في وزارة التربية الوطنية أنها أضحت جهازاً بيروقراطياً يشتغل كمصنع ضخم للفشل المنهجي، أصبحت كل مخرجاته إحصائيات وتقارير، علما أن المخرجات الحقيقية التي هي المتعلم، أصبحت ثانوية أمام المخرجات الورقية والشكلية. وما يحدث منذ سنوات هو فقط تتبع استراتيجية "الفوضى التربوية الخلاقة" التي فككت بنيات وأنساقا كثيرة من النظام التعليمي القائم منذ عقود، دون بدائل أفضل وأكثر ضمانة، ولو أنها كانت تعمل جزئيا.

 

 توفيق مفتاح /عضو المكتب الوطني لنقابة مفتشي التعليم