vendredi 27 février 2026
مجتمع

المدرسة الرائدة بين وهم الإصلاح وتحويل التدريس إلى "شعوذة" بيداغوجية

cc23315e-43b7-4f18-817c-d853a11b5700.gif.

المدرسة الرائدة بين وهم الإصلاح وتحويل التدريس إلى "شعوذة" بيداغوجية

قبل انطلاق مباراة نصف نهائي كأس إفريقيا التي جمعت بين منتخبنا المغربي والمنتخب النيجيري يوم الأربعاء 14 يناير 2026، كانت كراسي المقهى بمدينة الفوسفاط العمالية، محتلة من طرف بفئة مثقفة ومتنورة من رجال التعليم بتعدد انتمائها النقابي ومشاربها السياسية، وكان النقاش منصبا حول موضوع "كرة القدم" التي أضحت مؤسساتها الرياضية في المغرب تعكس إشعاعا دوليا بفضل نجاعة التخطيط الاستراتيجي وجودة التدبير والتسيير، حيث هيمن استعمال مصطلح المؤسسة "الرائدة" و "الريادة" و "الإصلاح" و "التكوين" وما إلى ذلك من مفردات تطرق باب المنظومة التربوية ومدرستنا العمومية التي تخرج منها الأطر والكوادر المغربية. وساهمت سابقا في الكشف عن نجوم مختلف الرياضات وقت كانت الرياضة المدرسية مشتلا لتفريخ الأبطال.

 

في هذا السياق تابعت جريدة "أنفاس بريس" كيف تمكنت خلال هذا النقاش الطارئ ـ قبل بداية نزال نصف النهائي ـ فئة من رجال التعليم من إسقاط طائرة النقاش حول منجزات المؤسسات الوطنية ذات الصلة برياضة كرة القدم، بمدرجات مطار "المدرسة الرائدة" حيث اشتد وطيس الجدال بين ثلة من رجال التعليم، حول سؤال الإصلاح من خلال "المدرسة الرائدة" فكان الإبداع في صناعة تعابير جديدة وحصرية مثل "مدرسة الإلهاء"، لكن كان أبلغها تعبيرا ما جادت به قريحة أحد رجال التعليم وهو تعريف "الشعوذة البيداغوجية"

 

في سياق متصل أصر أحد رجال التعليم من خلال نقطة نظام أن يسجل بقوله بأن المدرسة الرائدة في المغرب تُقدَّم "بوصفها مشروعًا إصلاحيًا طموحًا، يُراد له أن يُجسِّد قطيعة مع أعطاب المدرسة العمومية، وأن يؤسس لتعليم حديث قائم على الابتكار والجودة والنجاعة". مشددا على أن واقع الحال يخالف ذلك بقوله: "غير أن التمعّن في الممارسة اليومية، وفي الخطاب البيداغوجي المصاحب لهذا المشروع، يكشف عن مفارقة صارخة بين الشعار والواقع، وبين الوعد التربوي والمآل التعليمي".

 

وأورد في مرافعته بأن هناك ثلاث مفارقات تعري هذا الواقع، أولها "يتجلى في تقديس المنهج على حساب المتعلّم". واستطرد موضحا بقوله أنه "بدل أن تكون البيداغوجيا أداة مرنة في خدمة التعلم، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى طقوس شكلية تُمارَس باسم «المقاربة» و«الوضعية» و«الأثر»، دون أن يكون لها أثر حقيقي في بناء المعرفة أو تنمية التفكير".

 

في نفس السياق أكد المتحدث قائلا: "هكذا يصبح المدرس مطالبًا بتطبيق وصفات جاهزة، لا يُسمح له بمساءلتها أو تكييفها مع سياق القسم، وكأن الفعل التربوي عملية سحرية يكفي فيها اتباع الطقوس الصحيحة ليحدث التعلم تلقائيًا".

 

ثاني المفارقات أوضح من خلالها نفس المتحدث بأن المدرسة الرائدة "تقوم على هوس المؤشرات والنتائج السريعة" على اعتبار أن "النجاح يُقاس بالأرقام، والجودة تُختزل في جداول التتبع والتقارير، بينما يُهمَّش السؤال الجوهري: ماذا يتعلم المتعلم فعليًا؟" مصرا في توضيحه على أن "هذا المنطق الأذاتي يُفرغ التعلم من معناه، ويحوّل المعرفة إلى منتَج إحصائي، ويُفرز تعليمًا سطحيًا يُجيد العرض ولا يُتقن الفهم".

 

أما ثالث مظاهر الإختلال ـ حسب نفس المتحدث ـ فيكمن بالنسبة له "في تهميش المدرِّس بوصفه فاعلًا تربويًا. ففي الخطاب الرسمي، يُحتفى بالمدرس باعتباره ركيزة الإصلاح، لكن في الواقع يُعامَل بوصفه منفذًا لتعليمات جاهزة، تُفرَض عليه «ابتكارات» بيداغوجية دون تكوين علمي عميق أو إشراك فعلي في اتخاذ القرار". ويستنتج من خلال هذه المقاربة قائلا: "هنا بالضبط تتحول البيداغوجيا إلى ما يشبه "الشعوذة": بمصطلحات لامعة، عروض جذابة، ووعود كبيرة، دون سند علمي راسخ أو تقييم نقدي جاد".

 

وشدد في مرافعته ذات الصلة بالمدرسة الرائدة على أن "أخطر ما في هذه الوضعية هو خلط التحديث بالشَّكلنة، والإصلاح بالتجريب غير المحسوب". مؤكدا على أن "التربية ليست مختبرًا للموضات البيداغوجية، ولا المتعلم حقل اختبار لفرضيات جاهزة". على اعتبار أن "الإصلاح الحقيقي يقتضي وضوحًا معرفيًا، واحترامًا لزمن التعلم، وثقة في المدرس، وربطًا عضويًا بين النظرية والممارسة" حسب قوله

 

خلاصة القول، فقد أكد رجل التعليم بالنيابة على مناصريه بالأغلبية على أن "المدرسة الرائدة، كما تُمارَس اليوم في كثير من السياقات، مهددة بأن تتحول من مشروع إصلاحي إلى وهم تربوي، ومن بيداغوجيا علمية إلى "شعوذة بيداغوجية" تُخفي الفراغ خلف المصطلحات" دون أن يفوته التأكيد على أنه "لا سبيل إلى تجاوز هذا المأزق إلا بإعادة الاعتبار للعقل التربوي النقدي، وجعل المدرسة فضاءً للتعلم الحقيقي، لا مسرحًا لاستعراض الإصلاح".

 

انتهت المباراة بفوز مستحق لأسود الأطلس ضد منتخب نيجيريا، وخرج الشعب المغربي عن بكرة أبيه يجوب شوارع المدن بهتافات وشعارات تطالب بالمزيد من النصر وتحقيق الأماني والطموحات في انتظار أن نتمم النقاش حول مآل المدرسة العمومية، في زمن "الريادة" و المؤسسات "الرائدة".