samedi 7 février 2026
سياسة

أمينة بن الشيخ: بعد قرار أخنوش بالتنحي عن رئاسة الحزب: بين احترام القانون والتأويل المغرض.. أي ديمقراطية نريد؟

أمينة بن الشيخ: بعد قرار أخنوش بالتنحي عن رئاسة الحزب: بين احترام القانون والتأويل المغرض.. أي ديمقراطية نريد؟ أمينة بن الشيخ وعزيز أخنوش

أثار قرار عزيز أخنوش ترك المجال لشخصية أخرى لتولي رئاسة الحزب، في احترام تام للقانون الأساسي وللمساطر الديمقراطية الداخلية، موجة من التأويلات التي يصعب فهم منطقها السياسي. فبدل أن يُقرأ القرار في سياقه الطبيعي كخيار ديمقراطي مسؤول، جرى تحميله نوايا مفترضة وتفسيرات لا أساس لها من الصحة.

إن ما قام به  أخنوش لا يُعد سابقة، ولا يمكن اعتباره هروبًا أو مؤشر ضعف كما يحاول البعض تصويره، بل هو تعبير واضح عن احترام المؤسسات، وعن قناعة راسخة بأن العمل الحزبي لا يُختزل في الأشخاص، بل يقوم على التداول، وعلى الالتزام بالقواعد التي يضعها المناضلون لأنفسهم داخل تنظيماتهم.

والغريب في الأمر أن هذا الجدل أعاد إلى الأذهان قصة الطفل وأبيه والحمار، تلك الحكاية البسيطة التي تكشف استحالة إرضاء الجميع مهما كان السلوك معقولًا وسليمًا. فالقصة، في جوهرها، لا تتحدث عن الطفل ولا عن الحمار، بل عن نظرة الناس التي تُدين الفعل ونقيضه في آن واحد.

في السياق السياسي، تتكرر المفارقة نفسها بشكل صارخ.

عندما يلتزم الفاعل السياسي بالقانون وبالمساطر الديمقراطية، ويختار احترام مبدأ التداول وعدم التشبث بالموقع، يُتهم بالتهرب، أو بعدم الرغبة، أو بوجود “أسباب خفية” وراء قراره. وكأن احترام القانون أصبح موضع شبهة بدل أن يكون محل تقدير.

وفي المقابل، لو اختار الفاعل نفسه تغيير القوانين الداخلية للحزب، أو تأويلها بما يخدم طموحه الشخصي، أو تمديد ولايته خارج روح الديمقراطية، لكانت التهمة جاهزة أيضًامن قبيل، ديكتاتورية، تحكم، تغوّل على المؤسسات، وإفراغ العمل الحزبي من مضمونه الديمقراطي وغيرها من نعوت.

نحن إذن أمام منطق نقد لا يبحث عن الحقيقة، بل عن الإدانة المسبقة. منطق ينظر إلى السياسة دائمًا بعين سوء النية، ويُسقط على القرارات نوايا مفترضة، بغضّ النظر عن طبيعتها أو مدى انسجامها مع القانون.

ومن هنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح وهو كيف يمكن إرضاء من يُدين الالتزام بالقانون، ويُدين في الوقت نفسه خرقه؟

وكيف يُطلب من الفاعل السياسي أن يكون ديمقراطيًا، ثم يُشكك فيه عندما يمارس الديمقراطية فعليًا؟

السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن ننشغل به اليوم ليس لماذا غادر فلان؟

بل: ماذا نريد نحن؟

هل نريد أحزابًا تحترم قوانينها الداخلية وتؤمن بالتداول؟

أم نريد زعامات أبدية تُفصّل القوانين على المقاس وتغلق الأبواب أمام أي نفس ديمقراطي؟

إن الديمقراطية ليست شعارًا يُرفع عند الحاجة، بل ممارسة نقبل نتائجها حتى عندما لا تخدم أهواءنا أو حساباتنا الضيقة. واحترام القانون الأساسي للحزب هو جوهر النضال السياسي، وليس علامة ضعف أو انسحاب.

ومن هذا المنطلق، فإن قرار ترك المجال لقيادة جديدة يجب أن يُناقش بوصفه فعلًا ديمقراطيًا ناضجًا، لا مادة للتشكيك المجاني أو الاستثمار السياسوي الضيق.

في النهاية، يبقى الاختيار واضحًا، فإما أن نكون مع الديمقراطية بما لها وما عليها،

وإما أن نواصل جلدها حين لا تخدم قراءاتنا المسبقة.

ومن حسن حظنا أن التاريخ يسجل.