mardi 3 mars 2026
خارج الحدود

علاقة المفكر تشومسكي والمجرم أبستين.. سذاجة أم تواطؤ ؟

cc23315e-43b7-4f18-817c-d853a11b5700.gif.

علاقة المفكر تشومسكي والمجرم أبستين.. سذاجة أم تواطؤ ؟ إبستين وتشومسكي

بعد‭ ‬الإفراج‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬دجنبر‭ ‬2025‭ ‬ضمن‭ ‬مسار‭ ‬قانوني‭ ‬وإعلامي،‭ ‬بدفعات‭ ‬عن‭ ‬الوثائق‭ ‬والصور‭ ‬والسجلات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بما‭ ‬يعرف‭ ‬بملف‭ ‬إبستين،‭ ‬الثري‭ ‬الأمريكي‭ ‬المعروف‭ ‬بجرائم‭ ‬جنسية‭   ‬واغتصاب‭ ‬الفتيات،‭ ‬تم‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬شبكة‭ ‬علاقاته‭ ‬مع‭ ‬سياسيين،‭ ‬وأكاديميين،‭ ‬وأثرياء‭ ‬ورجال‭ ‬أعمال‭.‬

آخر‭ ‬إسم‭ ‬صار‭ ‬مادة‭ ‬إعلامية‭ ‬دسمة‭ ‬في‭  ‬ارتباطه‭ ‬بالملف،‭ ‬هو‭ ‬المفكر‭ ‬نعوم‭ ‬تشومسكي،‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬المثقفين‭ ‬النقديين‭ ‬تأثيرا‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬المعاصر،‭ ‬وذلك‭ ‬ضمن‭ ‬سجل‭ ‬لقاءات‭ ‬متكرّرة‭ ‬مع‭ ‬جيفري‭ ‬أوبستين،‭ ‬بعضها‭ ‬جرى‭ ‬بعد‭ ‬إدانة‭ ‬أبستين‭ ‬الأولى‭ ‬عام‭2008.

كل‭ ‬هذا‭ ‬شكل‭ ‬صدمة‭ ‬قوية‭ ‬للرأي‭ ‬العام‭ ‬وخاصة‭ ‬عشاق‭ ‬و«مقدسي»‭ ‬تشومسكي،‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يجدوا‭ ‬أي‭ ‬تفسير‭ ‬لتبرير‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬المفكر‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وصاحب‭ ‬السمعة‭ ‬الملطخة‭ ‬بدماء‭ ‬البريئات‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬

‭ ‬الجميع‭ ‬عجز‭ ‬عن‭ ‬تبرير‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬مفكّر‭ ‬بنى‭ ‬مجده‭ ‬على‭ ‬تفكيك‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬المال‭ ‬والسلطة،‭ ‬وبنى‭ ‬صورته‭ ‬العامة‭ ‬على‭ ‬نقد‭ ‬النخب‭ ‬وفضح‭ ‬إساءة‭ ‬استخدام‭ ‬السلطة‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬ضحايا‭ ‬الظلم‭. ‬لذلك،‭ ‬كثيرون‭ ‬رأوا‭ ‬أن‭ ‬لقاءه‭ ‬بإبستين‭ ‬يضعف‭ ‬مصداقيته‭ ‬الأخلاقية‭ ‬ويظهر‭ ‬ازدواجية‭ ‬معايير‭ ‬التشدد‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬والتساهل‭ ‬مع‭ ‬الأفراد‭ ‬النافذين‭.‬

هذا‭ ‬المفكر‭ ‬«الطهور»‭ ‬يظهر‭ ‬فجأة‭ ‬داخل‭ ‬دائرة‭ ‬اجتماعية‭ ‬مشبوهة‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬قد‭ ‬وصف‭ ‬منطقها‭ ‬مرارا‭ ‬بأنها‭ ‬«مطابخ‭ ‬الهيمنة»‭.‬

فما‭ ‬حقيقة‭ ‬الشبهات‭ ‬حول‭ ‬علاقة‭ ‬نعوم‭ ‬تشومسكي‭ ‬بـ‭ ‬جيفري‭ ‬إبستين؟
ما‭ ‬هو‭ ‬مؤكّد‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تشومسكي‭ ‬أقرّ‭ ‬علنًا‭ ‬بأنه‭ ‬التقى‭ ‬أبستين‭ ‬عدة‭ ‬مرات‭ ‬بعد‭ ‬خروجه‭ ‬من‭ ‬السجن‭ ‬سنة‭ ‬2008،‭  ‬وبرر‭ ‬تلك‭ ‬اللقاءات‭ ‬بأنها‭ ‬كان  ‬«نقاشات‭ ‬فكرية‭ ‬وأكاديمية،‭ ‬لا‭ ‬أقل‭ ‬و‭ ‬لا‭ ‬أكثر،‭ ‬وأن‭ ‬أبستين‭ ‬قدّم‭ ‬نفسه‭ ‬كممول‭ ‬يهتم‭ ‬بالعلوم‭ ‬والفلسفة»‭.‬

فالسؤال‭ ‬المهم‭ ‬الذي‭ ‬يطرح‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الحديث‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬عن‭ ‬جريمة‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬معيار‭ ‬أخلاقي‭ ‬يُفترض‭ ‬في‭ ‬شخصية‭ ‬مثل‭ ‬نعوم‭ ‬تشومسكي‭.‬
هذا‭ ‬الأخير‭ ‬وقع‭ ‬في‭ ‬خطأ‭ ‬أخلاقي‭ ‬عندما‭ ‬تعامل‭ ‬مع‭ ‬شخص‭ ‬ذي‭ ‬سجل‭ ‬إجرامي‭ ‬معروف‭.‬
وإعطاء‭ ‬الشرعية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والفكرية‭ ‬لشخص‭ ‬مدان‭ ‬أخلاقيًا،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬اللقاء‭ ‬«نقاشا‭ ‬فكريا»‭.‬

وأفضل‭ ‬ما‭ ‬كتب‭ ‬عن‭ ‬الموضوع‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬نشره‭ ‬الكاتب‭ ‬الصحافي‭ ‬والقاص‭ ‬الأردني‭ ‬الحسين‭ ‬جلعاد،‭ ‬بقوله:
«لقد‭ ‬نُظر‭ ‬إلى‭ ‬تشومسكي‭ ‬طوال‭ ‬عقود‭ ‬كصوت‭ ‬«مقدس»‭ ‬يتحدث‭ ‬من‭ ‬فوق‭ ‬برجه‭ ‬العاجي،‭ ‬زاهدا‭ ‬في‭ ‬إغراءات‭ ‬السلطة،‭ ‬وصامدا‭ ‬أمام‭ ‬آلة‭ ‬البروباغندا‭ ‬العالمية،‭ ‬مما‭ ‬جعل‭ ‬مريديه‭ ‬لا‭ ‬يرون‭ ‬فيه‭ ‬مجرد‭ ‬لغوي،‭ ‬بل‭ ‬«بوصلة»‭ ‬لا‭ ‬تخطئ‭ ‬في‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الخير‭ ‬والشر‭ ‬السياسي»‭. ‬وأضاف‭ ‬أن‭ ‬"لقب" المثقف‭ ‬النبي"‭ ‬الذي‭ ‬منحه‭ ‬الجمهور‭ ‬لتشومسكي‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬الفخ‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬السقوط‭ ‬مدويا،‭ ‬فالأنبياء‭ ‬لا‭ ‬يخطئون،‭ ‬والرموز‭ ‬الأخلاقية‭ ‬لا‭ ‬تجلس‭ ‬في‭ ‬«المجالس‭ ‬الخاصة»‭ ‬للأوليغارشية‭ ‬المتوحشة‭. ‬لذا،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬قضية‭ ‬جيفري‭ ‬إبستين‭ ‬مجرد‭ ‬سقطة‭ ‬اجتماعية‭ ‬لمفكر‭ ‬طاعن‭ ‬في‭ ‬السن،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬«زلزالا‭ ‬وجوديا»‭ ‬لملايين‭ ‬المؤمنين‭ ‬بخطابه»‭.‬
وتابع‭ ‬الحسين‭ ‬جلعاد‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬«خيبة‭ ‬تعادل‭ ‬حجم‭ ‬«القداسة»‭ ‬التي‭ ‬أُسِبغت‭ ‬عليه،‭ ‬فمع‭ ‬انكشاف‭ ‬هذه‭ ‬اللقاءات،‭ ‬لم‭ ‬يتحطم‭ ‬تشومسكي‭ ‬الإنسان،‭ ‬بل‭ ‬تحطمت‭ ‬فكرة‭ ‬«المثقف‭ ‬المنزّه»،‭ ‬تاركة‭ ‬الجماهير‭ ‬في‭ ‬عراء‭ ‬نقدي‭ ‬يفرض‭ ‬عليهم‭ ‬مواجهة‭ ‬الحقائق‭ ‬دون‭ ‬مرشد‭ ‬أو‭ ‬نبي»‭.‬