إبستين وتشومسكي
بعد الإفراج في شهر دجنبر 2025 ضمن مسار قانوني وإعلامي، بدفعات عن الوثائق والصور والسجلات المرتبطة بما يعرف بملف إبستين، الثري الأمريكي المعروف بجرائم جنسية واغتصاب الفتيات، تم الكشف عن شبكة علاقاته مع سياسيين، وأكاديميين، وأثرياء ورجال أعمال.
آخر إسم صار مادة إعلامية دسمة في ارتباطه بالملف، هو المفكر نعوم تشومسكي، أحد أكثر المثقفين النقديين تأثيرا في العالم المعاصر، وذلك ضمن سجل لقاءات متكرّرة مع جيفري أوبستين، بعضها جرى بعد إدانة أبستين الأولى عام2008.
كل هذا شكل صدمة قوية للرأي العام وخاصة عشاق و«مقدسي» تشومسكي، الذين لم يجدوا أي تفسير لتبرير العلاقة بين المفكر من جهة، وصاحب السمعة الملطخة بدماء البريئات من جهة أخرى.
الجميع عجز عن تبرير العلاقة بين مفكّر بنى مجده على تفكيك العلاقة بين المال والسلطة، وبنى صورته العامة على نقد النخب وفضح إساءة استخدام السلطة والدفاع عن ضحايا الظلم. لذلك، كثيرون رأوا أن لقاءه بإبستين يضعف مصداقيته الأخلاقية ويظهر ازدواجية معايير التشدد مع الدول والتساهل مع الأفراد النافذين.
هذا المفكر «الطهور» يظهر فجأة داخل دائرة اجتماعية مشبوهة كان هو نفسه قد وصف منطقها مرارا بأنها «مطابخ الهيمنة».
فما حقيقة الشبهات حول علاقة نعوم تشومسكي بـ جيفري إبستين؟
ما هو مؤكّد هو أن تشومسكي أقرّ علنًا بأنه التقى أبستين عدة مرات بعد خروجه من السجن سنة 2008، وبرر تلك اللقاءات بأنها كان «نقاشات فكرية وأكاديمية، لا أقل و لا أكثر، وأن أبستين قدّم نفسه كممول يهتم بالعلوم والفلسفة».
فالسؤال المهم الذي يطرح هو أن الحديث هنا ليس عن جريمة بل عن معيار أخلاقي يُفترض في شخصية مثل نعوم تشومسكي.
هذا الأخير وقع في خطأ أخلاقي عندما تعامل مع شخص ذي سجل إجرامي معروف.
وإعطاء الشرعية الاجتماعية والفكرية لشخص مدان أخلاقيًا، حتى لو كان اللقاء «نقاشا فكريا».
وأفضل ما كتب عن الموضوع هو ما نشره الكاتب الصحافي والقاص الأردني الحسين جلعاد، بقوله:
«لقد نُظر إلى تشومسكي طوال عقود كصوت «مقدس» يتحدث من فوق برجه العاجي، زاهدا في إغراءات السلطة، وصامدا أمام آلة البروباغندا العالمية، مما جعل مريديه لا يرون فيه مجرد لغوي، بل «بوصلة» لا تخطئ في التمييز بين الخير والشر السياسي». وأضاف أن "لقب" المثقف النبي" الذي منحه الجمهور لتشومسكي كان هو نفسه الفخ الذي جعل السقوط مدويا، فالأنبياء لا يخطئون، والرموز الأخلاقية لا تجلس في «المجالس الخاصة» للأوليغارشية المتوحشة. لذا، لم تكن قضية جيفري إبستين مجرد سقطة اجتماعية لمفكر طاعن في السن، بل كانت «زلزالا وجوديا» لملايين المؤمنين بخطابه».
وتابع الحسين جلعاد أنها كانت «خيبة تعادل حجم «القداسة» التي أُسِبغت عليه، فمع انكشاف هذه اللقاءات، لم يتحطم تشومسكي الإنسان، بل تحطمت فكرة «المثقف المنزّه»، تاركة الجماهير في عراء نقدي يفرض عليهم مواجهة الحقائق دون مرشد أو نبي».