samedi 28 février 2026
منبر أنفاس

حبيل رشيد: الحكامة الرقمية بين الرباط ولشبونة… مذكرة تفاهم ترسم معالم سيادة المعطيات في زمن الذكاء الاصطناعي

cc23315e-43b7-4f18-817c-d853a11b5700.gif.

حبيل رشيد: الحكامة الرقمية بين الرباط ولشبونة… مذكرة تفاهم ترسم معالم سيادة المعطيات في زمن الذكاء الاصطناعي حبيل رشيد

في سياق دولي تتسارع فيه التحولات الرقمية بوتيرة لافتة، وتتداخل فيه التكنولوجيا بالسيادة القانونية والاقتصادية للدول، جاء توقيع مذكرة التفاهم بين اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي بالمغرب واللجنة الوطنية لحماية المعطيات بالبرتغال، يوم 25 فبراير 2026 بلشبونة، ليعكس وعيًا مؤسساتيًا متقدمًا بحجم الرهانات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المتشعبة. ذلك أن حماية البيانات لم تعد مسألة تقنية معزولة، وإنما أضحت في صلب معادلة الحكامة، ومؤشرًا على مدى قدرة الدول على تأمين فضائها الرقمي وضبط توازن دقيق بين الابتكار والحقوق الأساسية.

المذكرة الموقعة بين المؤسستين الرقابيتين تؤسس لشراكة استراتيجية تروم تعزيز التنسيق وتبادل المعلومات والخبرات التقنية، خاصة في المجالات التي تفرز تحديات مركبة، من قبيل الخوارزميات الذكية، والتلاعب بالصور عبر تقنيات التزييف العميق، والعنف الرقمي بأشكاله المتعددة. ومن الثابت أن هذه الظواهر المستجدة تضع هيئات حماية المعطيات أمام مسؤوليات دقيقة، حيث إن المعالجة الآلية للبيانات، وإن كانت تتيح فرصًا تنموية واقتصادية معتبرة، فإنها تطرح في المقابل إشكالات تتعلق بالشفافية، والموافقة الحرة، وحدود الاستعمال المشروع للمعطيات الحساسة.

ولا شك أن إدراج الذكاء الاصطناعي ضمن أولويات التعاون يعكس إدراكًا بأن الخوارزميات القادرة على تحليل السلوك والتنبؤ بالاختيارات الفردية قد تتحول إلى أدوات تأثير عميق في حياة الأفراد، سواء تعلق الأمر بالولوج إلى الخدمات المالية، أو فرص الشغل، أو الاستفادة من خدمات عمومية رقمية. وبالتالي فإن تقوية آليات الرقابة وتبادل الخبرات في هذا المجال يشكل خطوة ضرورية لضمان خضوع المعالجات الرقمية لمعايير المشروعية والإنصاف وعدم التمييز.

الاتفاق لم يقتصر على تبادل المعلومات، بل شمل توسيع نطاق التعاون ليضم برامج التكوين والمشاريع التعليمية، بما يتيح بناء قدرات بشرية مؤهلة لمواكبة تعقيدات البيئة الرقمية. ومن المؤكد أن الحكامة الفعالة في مجال حماية المعطيات ترتكز على عنصرين متكاملين: إطار قانوني واضح، وكفاءات قادرة على تنزيله ومراقبة احترامه. لذلك فإن الاستثمار في التكوين المتخصص يمثل ركيزة أساسية لأي استراتيجية مستدامة في هذا المجال.

كما نصت الشراكة على تنظيم اجتماعات ثنائية سنوية، وهو ما يمنح التعاون طابعًا مؤسساتيًا منتظمًا، يتيح تقييم التحديات بشكل دوري، وتحيين المقاربات وفق تطور المخاطر الرقمية. إذ إن البيئة التكنولوجية تتغير بسرعة فائقة، ما يستدعي مرونة تنظيمية ويقظة دائمة، حتى تظل آليات الحماية متلائمة مع الواقع المتحول.

ويكتسب هذا التعاون بعدًا إضافيًا من خلال استناد المؤسستين إلى شبكاتهما الدولية، حيث توظف اللجنة البرتغالية عضويتها في الشبكة الأيبيرو-أمريكية والشبكة الناطقة بالبرتغالية، فيما تعتمد اللجنة المغربية على حضورها داخل الشبكة الإفريقية لهيئات حماية المعطيات والجمعية الفرنكوفونية. هذه الامتدادات الشبكية تمنح الشراكة أفقًا متعدد الأطراف، وتتيح تبادل تجارب تشريعية ورقابية متنوعة، بما يعزز التقارب المعياري ويرفع من مستوى الحماية.

وفي بعده الاقتصادي، يندرج تعزيز حماية المعطيات ضمن مقومات تحسين مناخ الاستثمار، حيث إن الثقة الرقمية أصبحت عنصرًا حاسمًا في قرارات الشركات الدولية، خاصة العاملة في مجالات التكنولوجيا والخدمات العابرة للحدود. ومن ثم فإن تقوية الإطار الرقابي وتكثيف التعاون الدولي يبعثان برسالة واضحة مفادها أن البيئة الرقمية مؤطرة بقواعد دقيقة، وتخضع لرقابة فعالة، وتحترم الخصوصية باعتبارها حقًا أصيلًا.

أما اجتماعيًا، فإن حماية المعطيات ترتبط بصون الكرامة الإنسانية، إذ إن تسريب البيانات أو استغلالها خارج الضوابط القانونية قد يؤدي إلى أضرار نفسية ومعنوية عميقة، تمس السمعة والاعتبار الشخصي. وبالتالي فإن تطوير آليات الوقاية والرصد والتدخل السريع عند خرق البيانات يمثل التزامًا أخلاقيًا وقانونيًا في آن واحد.

ويظل الرهان الأكبر في الانتقال من منطق التدخل بعد وقوع الانتهاك إلى منطق الاستباق، عبر تعزيز أدوات تقييم الأثر على حماية المعطيات، وإرساء ثقافة الامتثال داخل المؤسسات العمومية والخاصة، وتمكين الأفراد من ممارسة حقوقهم في الولوج والتصحيح والاعتراض بفعالية ويسر. ذلك أن الحكامة الرقمية الحقيقية تقاس بقدرتها على تحقيق توازن متين بين التطور التكنولوجي وضمانات الحماية.

إن مذكرة التفاهم بين الرباط ولشبونة تعكس توجهًا نحو بناء سيادة رقمية متبصرة، قوامها التعاون والتنسيق وتبادل المعرفة، في زمن تتشابك فيه المصالح وتتداخل فيه الحدود التقنية والقانونية. ومن المؤكد أن تعزيز هذا المسار يتطلب إرادة مؤسساتية مستمرة، وتقييمًا دوريًا للإنجازات، واستعدادًا دائمًا لمواكبة مستجدات الذكاء الاصطناعي وما يحمله من فرص وتحديات… فالحكامة الرقمية لم تعد خيارًا تنظيميًا محدود الأثر، وإنما أصبحت ضرورة استراتيجية تمس جوهر الثقة في الدولة الحديثة ومسار تحولها الرقمي.