كان الليل في رمضان، فيما مضى من أعوام غير بعيدة، يحتفظ بشيء من الوقار. لم يكن الليل مجرد فسحة بين نهارين، بل كان كائنا له صوت وله ظل وله انتظار. وكانت الأزقة، حين تستسلم للسكون، تُنصت كأنها تترقب إشارة خفية. ثم لا يلبث هذا السكون أن ينفرج عن نغمة طويلة، ممدودة، تخرج من صدر رجل يعرف الوقت كما يعرف اسمه، فيوقظ المدينة دون أن يزعجها. ذلك هو النفّار.
كان النفّار يمشي الهوينى، لا يستعجل خطوه، كأنه يقيس المسافة بين بيت وبيت بميزان من خبرة. يحمل بين يديه آلة نحاسية طويلة، لامعة أحيانا إذا اعتنى بها، باهتة تميل إلى الصفرة إذا أكلت الأيام من بريقها. كانت تلك الآلة، التي يسمونها “النفير”، مستقيمة ممتدة، تضيق في فمها وتتسع في طرفها الأخير، فإذا نفخ فيها خرج صوت عميق، فيه شيء من الحزن وشيء من العلو، كأنه مزيج بين نداء وتحذير، وبين دعاء وتنبيه.
لم يكن الصوت واحدا دائما؛ كان للنفّار حيلته في الأداء. يطيل النفخة حين يمر بزقاق ضيق، ويقطعها مقطعا قصيرا حين يقترب من الساحة، وربما أضاف إليها عبارة مأثورة أو جملة دعاء يرددها بصوت خافت بين نفخة وأخرى. وكان يعرف، من غير ساعة في يده، متى يقترب الفجر ومتى ينبغي أن يشتد النداء.
أما لباسه، فكان هو الآخر علامة عليه. جلباب واسع يقيه برد السحر، وعمامة أو طربوش يعلو رأسه، وقد يلف كتفيه ببرنس صوفي إذا اشتد البرد. لم يكن لباس زينة، بل لباس وظيفة؛ بسيط لكنه مميز، يجعل الناس يعرفونه من بعيد، حتى إذا لم يسمعوا صوته رأوا ظله فعرفوا أن وقت السحور قد أزف.
في مدن مثل فاس ومراكش وتطوان، كان النفّار جزءا من هندسة الليل. يعرف الأزقة المتعرجة، ويعرف البيوت التي ينام أهلها نوما ثقيلا، فيطيل الوقوف عندها، ويعرف البيوت التي يكفيها مرور سريع. كانت العلاقة بينه وبين الناس علاقة ثقة غير مكتوبة، قائمة على العرف لا على العقد.
وإذا انقضى الشهر، أو في أيام مخصوصة من رمضان، خرج في النهار، لا بنفيره هذه المرة، بل بوجه بشوش وخطى هادئة، يطرق الأبواب التي أيقظها طوال ليالٍ ثلاثين. يستقبله الناس بترحاب، ويضعون في يده دريهمات قليلة، قد تكون زهيدة في الحساب، لكنها كبيرة في معناها. لم يكن ذلك أجرا بالمعنى الدقيق، بل إقرارا بجميل، واعترافا بخدمة شاركهم فيها صيامهم وسهرهم.
كان يعود بما جمعه راضيا، لا لأنه اغتنى، بل لأنه شعر أنه كان جزءا من نسيج حي، وأن صوته لم يذهب سدى. كانت الدريهمات القليلة تحمل حرارة الأيدي التي دفعتها، وتحمل معها دعوات صامتة بأن يتقبل الله الصيام والقيام.
ثم جاء زمن آخر.
دخلت الساعات البيوت، ثم المنبهات، ثم تسللت الهواتف المحمولة إلى الوسائد نفسها. صار كل إنسان يحمل وقته في جيبه، ويضبطه بالدقيقة والثانية. لم يعد بحاجة إلى رجل يجوب الأزقة، لأن الجهاز الصغير القابع إلى جواره كفيل بأن يوقظه في اللحظة التي يريد. ومع هذا التحول، تراجع النفّار، لا لأنه أخطأ في أداء مهمته، بل لأن مهمته لم تعد مطلوبة.
تغيرت الأحياء أيضا؛ عمارات شاهقة لا يبلغها صوت عابر، وأبواب محكمة الإغلاق، ونوافذ مزدوجة الزجاج تعزل الداخل عن الخارج. لم يعد الصوت يجد طريقه كما كان يجد، ولم يعد الليل يتسع لخطى رجل يسير مطمئنا بين البيوت.
واليوم، إذا ظهر النفّار في بعض المدن، ظهر في صورة احتفالية، أقرب إلى استعادة تراث منها إلى أداء وظيفة حية. صار أثرا من ذاكرة، وصورة تُلتقط، وحكاية تُروى للصغار عن زمن كان فيه للصوت البشري سلطان.
وهكذا، لم ينقرض النفّار بضجيج، بل ذاب في صمت الحداثة. حلت الدقة الرقمية محل الحدس، وحل الإشعار الإلكتروني محل النفخة النحاسية الطويلة، وحل الرنين الموحد محل النداء الذي كان يختلف باختلاف الأزقة والبيوت.
لقد كسبنا يقينا لا يخطئ في حساب الثواني، وخسرنا رجلا كان يعرف المدينة كما تعرف الأم أبناءها. وأصبح رمضان يستيقظ اليوم على أصوات متشابهة، باردة، لا تعرف وجها ولا اسما، ولا تمر في النهار لتطرق بابا طلبا لدريهمات قليلة.