mardi 24 février 2026
كتاب الرأي

منير لكماني: الحصة الدراسية بين الفاعلية والأخطاء الشائعة

منير لكماني: الحصة الدراسية بين الفاعلية والأخطاء الشائعة منير لكماني

تعد عملية التدريس من أدق المهن وأعظمها أثرا، إذ لا تقتصر على نقل المعارف والمهارات، بل تمتد إلى تنمية شخصية المتعلم وبناء كفاياته الفكرية والوجدانية والإجتماعية. وكلما كان أداء المدرس واعيا ومتزنا، انعكس ذلك إيجابا على مردودية التعلم وجودة الحياة المدرسية. غير أن كثيرا من المدرسين، عن حسن نية أحيانا وجهل بأصول الممارسة التربوية أحيانا أخرى، يقعون في أخطاء داخل الحصة تضعف فاعلية التدريس وتحد من تفاعل المتعلمين، فتبهت دينامية الدرس ويقل أثره في نفوس المتعلمين ونتائجهم.

 

الدخول إلى القسم مثقلا بالهموم

من أخطر ما يفسد المناخ الصفي أن يلج المدرس إلى الحجرة وهو مثقل بأعباء شخصية أو مشكلات مهنية لم يحسن التخلص منها قبل الحصة، فينعكس ذلك في نبرة صوته وتعابير وجهه وطريقة تعامله مع المتعلمين. في هذه الحالة يتحول القسم إلى مجال لتفريغ التوتر بدل أن يكون فضاء للتعلم الهادئ البناء.


ولتجنب هذا الخطأ يستحسن أن يفصل المدرس وجدانيا بين حياته الخاصة ورسالة التعليم، وأن يهيئ نفسه قبل الدخول ببضع دقائق من الإسترخاء الذهني واستحضار هدفه التربوي، وأن يفتتح الحصة بتحية ودية ترسخ جوا من الإيجابية والثقة داخل القسم.

 

الصرامة المنفرة بدل الحزم التربوي

يلجأ بعض المدرسين، بدافع الحرص على الإنضباط، إلى دخول الحصة بملامح عابسة وصوت حاد، اعتقادا منهم أن الصرامة مدخل لفرض النظام. غير أن هذا الأسلوب يغرس في نفوس المتعلمين مشاعر الخوف والتوتر، ويجعل العلاقة التربوية قائمة على الرهبة بدل الإحترام المتبادل. التربية الحديثة تميز بين الحزم المطلوب لضبط السير العادي للحصة، وبين الصرامة المنفرة التي تقطع جسور الألفة. لذلك يستحسن أن يجمع المدرس بين الهيبة واللطف، فيظهر ابتسامة مطمئنة، ويحافظ في الوقت نفسه على قواعد واضحة للسلوك والإنضباط يلتزم بها الجميع.

 

افتتاح الحصة بالترهيب والتأنيب

من الأخطاء المتكررة أن يستهل المدرس حصته بوابل من الأسئلة التقريعية مثل: أين الواجب؟ ولماذا لم تحل التمارين؟ أو بسرد للقصور والتقصير، فيسود الصمت المذعور بدل التفاعل. مثل هذا الإفتتاح يضع المتعلمين في حالة دفاع نفسي ويقتل لديهم الرغبة في المشاركة.


الأجدر بالمدرس أن يعتمد أسلوب تكسير الجليد في الدقائق الأولى من الحصة، من خلال تحية دافئة، أو سؤال تمهيدي مفتوح، أو نشاط قصير محفز، ثم بعد خلق الجو الإيجابي يمكن تناول موضوع الواجبات والمتابعات بروح بناءة، تسائل وتقوّم دون تجريح.

 

اضطراب لغة الجسد بين الجمود والإفراط

التدريس الفعال لا يقوم على الكلام فقط، بل يعتمد كذلك على حيوية المدرس وحسن توظيفه للغة الجسد. من الأخطاء أن يظل المدرس جامدا خلف المكتب أو أمام السبورة طيلة الحصة، فيفقد الدرس روح الحركة ويضعف شد انتباه المتعلمين. وفي المقابل فإن الإفراط في التجوال أثناء تقديم الشرح النظري والتنقل بين الصفوف والإنشغال بالأوراق أو الدفاتر يقطع التواصل البصري ويشتت التركيز.


لذلك ينبغي أن تكون حركة المدرس واعية وهادفة، فيثبت نسبيا عند تقديم المفاهيم الجديدة وإعطاء التعليمات، ثم ينتقل بعد ذلك للتجول بغرض المتابعة الفردية أو التقويم، مع الحفاظ على تواصل بصري دائم يربط بينه وبين مجموع القسم.

 

إقصاء فئة من المتعلمين وتهميش الصفوف الخلفية

من الممارسات السلبية أن يتوجه المدرس في أسئلته ونقاشاته إلى نخبة صغيرة من المتعلمين، غالبا من يجلسون في الصفوف الأمامية أو يظهرون تفوقا، فيتحول باقي القسم إلى جمهور صامت. كما يلاحظ في كثير من الأقسام أن تركيز المدرس ينصب على القريبين من السبورة، بينما يبقى من في الصفوف الخلفية أو الهادئون خارج دائرة الإهتمام، مما يؤدي إلى سلوكات مشوشة أو انسحاب صامت يترسخ مع الزمن.


لتجاوز هذا الخطأ ينصح بإعتماد استراتيجيات تشاركية توزع فيها الكلمة بشكل متوازن، مثل العمل بالمجموعات والقرعة التربوية، وتوجيه الأسئلة إلى أسماء مختلفة في كل مرة، مع مراعاة الفروق الفردية وعدم إحراج الخجولين، بل دعمهم تدريجيا بأسلوب مشجع.

 

تمركز العملية التعليمية حول المدرس ورتابة الأساليب

من الأخطاء الراسخة في الأنماط التقليدية للتدريس أن يتمركز كل شيء حول المدرس: فهو المتحدث الأوحد، والمصدر الوحيد للمعرفة، وصاحب الكلمة الفصل في كل صغيرة وكبيرة. هذا النمط يضعف استقلالية المتعلم وروح المبادرة لديه، ويحوله إلى مستمع سلبي. وتزداد المشكلة حين تتكرر البنية نفسها في كل الحصص دون تجديد، فيسود الروتين وتخفت الدافعية.


تؤكد المقاربات البيداغوجية المعاصرة مركزية المتعلم، من خلال إشراكه في بناء المعارف وتنظيم أنشطة بحث واستكشاف، واعتماد التعلم التعاوني، وحل المشكلات والعصف الذهني، واستثمار الوسائط الملائمة. وبذلك يصبح المدرس موجها وميسرا لا ملقيا فقط.

 

سوء تدبير الزمن وإنهاء الحصة دون تثبيت

يفترض أن تبنى الحصة على تخطيط زمني واضح يوزع المراحل والأنشطة، غير أن بعض المدرسين ينخرطون في الشرح دون مراعاة الوقت، فيفاجئهم رنين الجرس قبل إتمام الدرس، أو يتعدون على زمن الحصة التالية. كما أن إنهاء الحصة فجأة دون تلخيص مركز يترك المتعلمين أمام معارف متناثرة غير منظمة.


الحل يكمن في إعداد جذاذة دقيقة ومرنة تحدد لكل مرحلة زمنا تقديريا، مع ترك هامش للتعديل، ثم الحرص على مراقبة الزمن أثناء الحصة، وتخصيص الدقائق الأخيرة لتلخيص الأفكار الرئيسة، والتحقق من الفهم بسؤالين سريعين، وتقديم مهمة قصيرة واضحة تثبت التعلمات.

 

نحو حصة متوازنة وفاعلة

إن التدريس رسالة تحتاج إلى وعي دائم وتطوير مستمر، لأن أثر المدرس لا يقاس بما يقدمه من معلومات فحسب، بل بما يبنيه من ثقة ودافعية ومعنى لدى المتعلم. والأخطاء التي عرضناها ليست حكما نهائيا على الممارسة، بل مواقف يومية يمكن تهذيبها وتحسينها بالتأمل الذاتي والإنفتاح على التكوين المستمر والتعاون المهني. وحين يحسن المدرس إدارة ذاته وتواصله وزمنه، تتحول الحصة إلى تجربة تعلمية نابضة، يشعر فيها كل متعلم أنه حاضر ومرئي وقادر، فتترسخ المعارف وتنمو المهارات وتتقوى الروابط الإنسانية داخل المدرسة.