mardi 24 février 2026
كتاب الرأي

عبد الحي الغربة: قانون مالية 2026.. بين طموح الدولة الاجتماعية وحدود الاستدامة

عبد الحي الغربة: قانون مالية 2026.. بين طموح الدولة الاجتماعية وحدود الاستدامة عبد الحي الغربة

يأتي قانون المالية لسنة 2026 في لحظة مفصلية من عمر الولاية الحكومية، لحظة تختلط فيها لغة الأرقام بحسابات السياسة، وتتصارع فيها انتظارات المجتمع مع إكراهات الظرفية الاقتصادية. فهو ليس مجرد وثيقة تقنية لتوزيع الموارد، بل مرآة تعكس اختيارات الدولة في سنة الحصيلة، وتختبر صدقية التحول نحو نموذج الدولة الاجتماعية، ومدى قدرة الحكومة على ترجمة الوعود إلى نتائج ملموسة قبل نهاية ولايتها.

 

لا يمكن قراءة هذا القانون بمعزل عن سياق دولي يتسم باستمرار تباطؤ النمو، وارتفاع كلفة التمويل، واضطراب سلاسل الإنتاج، وهي عوامل تقلص هوامش القرار العمومي، خاصة في الاقتصادات الصاعدة. أما داخليًا، فقد ارتفعت سقوف الانتظارات الاجتماعية بعد إطلاق أوراش كبرى في مقدمتها تعميم الحماية الاجتماعية، وإصلاح منظومتي التعليم والصحة. وهنا تبرز معادلة دقيقة: كيف يمكن توسيع الإنفاق الاجتماعي وضمان استدامته في آن واحد، دون الإخلال بالتوازنات الماكرو-اقتصادية؟.

 

الأرقام المعلنة تعكس طموحًا واضحًا. فميزانية التعليم قاربت 80 مليار درهم، في سعي لتحسين جودة التعلمات وتقليص الفوارق المجالية، خاصة بين الوسطين الحضري والقروي، وبين التعليم العمومي والخصوصي. غير أن التحدي لا يكمن في حجم الاعتمادات، بل في قدرتها على معالجة إشكالات بنيوية مثل الهدر المدرسي وضعف المردودية البيداغوجية، وربط المدرسة بسوق الشغل. فالرهان الحقيقي هو الاستثمار في الرأسمال البشري كمدخل أساسي لأي تحول تنموي مستدام.

 

وفي قطاع الصحة، تجاوزت الاعتمادات 30 مليار درهم، في سياق تنزيل ورش التغطية الصحية وتوسيع قاعدة المستفيدين. غير أن هذا التوسيع الكمي يواكبه ضغط متزايد على البنيات التحتية والموارد البشرية، ما يجعل سؤال الجودة في صلب النقاش. فالتغطية الصحية لا تعني فقط الانخراط في نظام التأمين، بل تعني بالأساس الولوج الفعلي إلى خدمات صحية ذات جودة وفي آجال معقولة. وهنا يظهر الفرق بين تعميم الاستفادة وتكريس العدالة الصحية الفعلية.

 

أما ورش تعميم الحماية الاجتماعية، الذي يستهدف أزيد من 22 مليون مستفيد، فيمثل أكبر تحول اجتماعي عرفته البلاد منذ عقود. غير أن استدامته المالية تظل رهينة بإصلاح جبائي عميق، وتوسيع الوعاء الضريبي، وتقليص الاقتصاد غير المهيكل. فبدون موارد قارة ومستدامة، قد يتحول هذا الورش الطموح إلى عبء مالي ثقيل يضغط على التوازنات العامة مستقبلاً.

 

اقتصاديًا، يراهن القانون على استثمار عمومي يناهز 380 مليار درهم، باعتباره رافعة للنمو وخلق فرص الشغل. غير أن معدلات النمو المتوقعة، والتي تتراوح بين 3 و4 في المائة، تظل دون المستوى الكفيل بإحداث تحول نوعي في بنية الاقتصاد الوطني. فالبطالة ما تزال في حدود 12 إلى 13 في المائة، مع ارتفاعها في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، وهو ما يعكس محدودية أثر النمو الحالي على سوق الشغل. إن التحدي هنا لا يتعلق فقط بحجم الاستثمار، بل بمدى اندماجه في نسيج اقتصادي منتج، قادر على خلق سلاسل قيمة محلية وتحفيز الاستثمار الخاص.

 

ويزداد المشهد تعقيدًا مع تكرار سنوات الجفاف، بالنظر إلى الوزن الذي ما يزال يحتله القطاع الفلاحي في بنية النمو الوطني. فكل تراجع في الموسم الفلاحي ينعكس مباشرة على نسب النمو وعلى الطلب الداخلي، ما يكشف هشاشة جزء من الاقتصاد الوطني وضرورة تسريع تنويع القاعدة الإنتاجية.

 

ثم إن السنة الأخيرة من الولاية الحكومية تفرض إكراه الزمن السياسي. فهي سنة تقييم للحصيلة أكثر مما هي سنة إطلاق إصلاحات هيكلية كبرى. لذلك يبدو قانون مالية 2026 أقرب إلى محاولة تثبيت المكتسبات وتقديم صورة متماسكة عن منجزات الولاية، بدل معالجة الأعطاب البنيوية المتراكمة. ومع ارتفاع كلفة التمويل وتزايد الضغوط الاجتماعية، تصبح هوامش المناورة محدودة، ويغدو الحفاظ على التوازنات المالية تحديًا قائمًا بذاته.

 

الرهان اليوم لم يعد في تعبئة الموارد فقط، بل في حكامة صرفها وقياس أثرها. فنجاح الدولة الاجتماعية لا يُقاس بحجم الميزانيات، بل بمدى قدرتها على تحسين مؤشرات التعليم، وتقليص الفوارق في الولوج إلى العلاج، وخفض البطالة بشكل ملموس. كما أن ترسيخ هذا النموذج يقتضي تعزيز التقائية السياسات العمومية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقييم البرامج بناءً على النتائج لا النوايا.

 

قانون مالية 2026 يضعنا إذن أمام مفترق طرق حقيقي: إما أن يشكل محطة لترسيخ تحول بنيوي قائم على النجاعة والاستدامة، وإما أن يظل إطارًا لتدبير التوازنات الظرفية وترحيل الأسئلة الكبرى إلى الولاية المقبلة. وبين الطموح المشروع في بناء دولة اجتماعية قوية، والإكراهات الواقعية المرتبطة بالموارد والزمن السياسي، تتحدد مصداقية الإصلاح، ويتضح ما إذا كانت الدولة الاجتماعية خيارًا استراتيجيًا مستدامًا أم مجرد عنوان مرحلي لمرحلة سياسية بعينها.

 

 

ذ. عبد الحي الغربة/ أستاذ باحث في القانون العام – جامعة الحسن الثاني الدار البيضاء