samedi 21 février 2026
مجتمع

العمى القابل للعلاج… وصمتٌ لا يُغتفر: التراجع الكبير لزراعة القرنية في المغرب

العمى القابل للعلاج… وصمتٌ لا يُغتفر: التراجع الكبير لزراعة القرنية في المغرب في عدد من المراكز الاستشفائية العمومية والجامعية، توقفت برامج الزرع المنتظمة أو أصبحت تُنجز بشكل متقطع أو منعدم.

في وقتٍ كان فيه المغرب يُعدّ من الدول الرائدة عربياً وإفريقياً في مجال زراعة القرنية، يشهد اليوم تراجعاً مقلقاً في هذا المكسب الطبي الحيوي.

وتدق النقابة الوطنية لأطباء العيون بالقطاع الحر بالمغرب ناقوس الخطر، محذّرة من أن استمرار هذا الوضع يحوّل العمى القابل للعلاج إلى إعاقة دائمة تمسّ كرامة الإنسان وحقه في الرؤية والحياة الكريمة.

ولتعميق الحوار حول هذا المكسب الطبي الذي سبق وحققها طب العيون بالمغرب وتحديات أخرى أمام الحفاظ على طب عيون متقدم وذا جودة تنظم النقابة الوطنية لاطباء القطاع الحر بالمغرب يوما دراسيا تشاوريا يضم 11 جمعية علمية متخصصة في طب العيون يوم السبت 28 فبراير 2026.

كانت للمغرب في السابق تجربة رائدة: بنك للعيون قائمة، منظومة محلية لاخد القرنيات من اشخاص توفوا. 
وكانت عمليات زرع تُجرى داخل إطار استشفائي جامعي منظم وأكاديمي.

كان ذلك يعكس طموحاً وطنياً واضحاً لإدماج المنظومة الصحية المغربية في مسار التقدم الطبي العالمي.

وكانت زراعة القرنية آنذاك عنواناً للتميز الجامعي الاستشفائي ودليلاً على قدرة البلاد على الابتكار.

اليوم، تلاشى ذلك الإرث.
ما كان يُعدّ خبرة وطنية معترفاً بها، تراجع تدريجياً في صمت مؤسساتي يبعث على القلق.

على مرّ السنوات، ضعفت وتيرة عمليات زرع القرنية إلى أن أصبحت شبه هامشية في عدد من المستشفيات العمومية.

اختفى بنك العيون، تقلّصت عمليات الاستخلاص المحلية، وخبا الزخم الاستشفائي.

هذا التراجع ليس طبياً. إنه تنظيمي وهيكلي وتشريعي.
إنه يعكس خللاً في التدبير أكثر مما يعكس قصوراً علمياً.

الوضع الوطني اليوم مقلق.
الحاجة إلى عمليات الزرع تفوق بكثير عدد العمليات المنجزة فعلياً.

وخلف هذا الفارق يقف مرضى يعانون من عتامات قرنية قابلة للعلاج، ينتظرون بلا أفق زمني واضح عملية قادرة على إعادة البصر إليهم.

زراعة القرنية إجراء طبي متحكَّم فيه عالمياً ونتائجه مثبتة.

وعندما لا يكون متاحاً، فالمشكلة ليست تقنية، بل منظومية.

 

وهكذا يتحول العمى القابل للعلاج إلى عاهة دائمة، لا بفعل حتمية بيولوجية، بل بسبب خلل في التنظيم الصحي بالمغرب

في عدد من المراكز الاستشفائية العمومية والجامعية، توقفت برامج الزرع المنتظمة أو أصبحت تُنجز بشكل متقطع أو منعدم.

وهذا التراجع يؤدي إلى فقدان الخبرة، ويضعف تكوين الجراحين الشباب، ويهدد استمرارية نقل الكفاءات.
كما يعرض البلاد لتبعية متزايدة وفقدان للسيادة الطبية.

فاليوم، تأتي غالبية القرنيات المزروعة من الخارج على اقليتها. 
وهذا الاعتماد يخلق هشاشة دائمة في التموين، ويطيل آجال الانتظار، ويجعل التخطيط الوطني شبه مستحيل.

لا يمكن لأي منظومة زرع قوية أن تقوم حصرياً على الاستيراد.
ولا يمكن لسياسة صحية أن تبقى رهينة تقلبات لوجستية دولية.

تداعيات هذا الوضع تتجاوز غرفة العمليات. فالعمى يعني محدودية وظيفية مستدامة، هشاشة اجتماعية، تبعية عائلية، وأحياناً إقصاءً مهنياً.

إعادة البصر لا تعني فقط تحسين حدة الرؤية، بل تعني الحفاظ على الاستقلالية والاندماج الاجتماعي وصون الكرامة.

المفارقة واضحة. المغرب يتوفر على جراحين أكفاء، ومنصات تقنية متطورة، وتكوين معترف به في طب العيون. الكفاءات موجودة، والبنية التحتية كذلك.
ما ينقص هو الولوج المنتظم والمنظم إلى القرنيات، ورؤية استراتيجية وطنية واضحة.

لقد أصبح من الضروري إعادة التفكير في المنظومة برمتها.
إطلاق سياسة طموحة للتبرع بالأعضاء، إعادة إحداث أو تحديث بنوك العيون، إعادة إدماج برامج زرع القرنية بقوة داخل المراكز الاستشفائية الجامعية، وإحداث سجل وطني شفاف يضمن التخطيط والتتبع.

أما الاستيراد، فعندما يكون ضرورياً، يجب أن يتم في إطار قانوني واضح، دون أن يعوض الاستقلالية الوطنية.

زراعة القرنية اليوم ليست مجرد تقنية جراحية. إنها مقياس للعدالة في الولوج إلى العلاج، ولصلابة التنظيم الاستشفائي، ولقدرة الدولة على حماية مواطنيها من عمى يمكن علاجه.

هذا التحدي ليس تقنياً. إنه سياسي وتنظيمي وإنساني بامتياز. فبلد يتوفر على جراحين مؤهلين وبنيات ملائمة، لا ينبغي أن يسمح بأن يتحول العمى القابل للعلاج إلى عمى دائم بسبب غياب التنظيم.

الوضع الحالي يفرض يقظة وطنية وإصلاحاً عاجلاً. فخلف كل قرنية لم تُزرع، هناك حياة معلقة في انتظار قرار لا ينبغي أن يتأخر.

 الدكتور أنور الشرقاوي، خبير في التواصل والإعلام الصحي