مهد صدور القرار الأممي الأخير رقم 2797 بشأن قضية الصحراء المغربية بتاريخ 31 أكتوبر 2025، والذي دعم الطرح المغربي القائم على اعتماد مقترح الحكم الذاتي المقدم من قبل المغرب في أبريل من عام 2007، النقاش حول جوانب تطبيق هذا المقترح في إطار القوانين المعمول بها في المملكة ، وفي مقدمتها الوثيقة الدستورية لعام 2011.
وتهدف المرحلة الجديدة إلى تحديد صلاحيات مؤسسات محلية وجهوية، وضمان مشاركة السكان في تدبير شؤونهم، وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الأقاليم الجنوبية. ويأتي هذا التحرك في توقيت دولي وإقليمي داعم لموقف المغرب، مؤكدًا أن مبادرة الحكم الذاتي تبقى الإطار الوحيد للحل في قضية الصحراء.
الأكيد ان الحكم الذاتي الموسع، يتجاوز كونه مجرد إجراء تقني أو تعديل جزئي في الهيكل الدستوري؛ بل هو تحول بنيوي يمتد ليشمل جوهر التنظيم السياسي للدولة. فهو يعيد صياغة مفاهيم فصل السلط، مستقبل علاقة المركز بباقي الجهات، ويؤسس لقواعد جديدة للتمثيل السياسي، ويحدد الملامح المستقبلية لشكل الدولة. وبناءً عليه، فإن هذا الانتقال يمثل إعادة هندسة شاملة للنظام السياسي لا يمكن استيعاب أبعادها العميقة من خلال تعديلات دستورية محدودة أو سطحية، بل يتطلب رؤية دستورية "تأسيسية" تربط بين السيادة الوطنية والتدبير الذاتي.
أولا: لقاء مدريد ومسار قضية الصحراء: "من الجمود إلى الواقعية الدبلوماسية"
بعد مرور أكثر من خمسة عقود على اندلاع نزاع الصحراء الغربية، يدخل الملف مرحلة حاسمة جديدة، تتمثل في التحول التدريجي من مطلب الاستقلال الكامل إلى مقترح الحكم الذاتي الموسع تحت السيادة المغربية، وسط ضغط دبلوماسي أمريكي مكثف يهدف إلى إنهاء أحد أطول النزاعات الإقليمية في العالم.
تُعتبر واشنطن هذا الملف أولوية دبلوماسية عليا في الوقت الراهن، حيث تعمل على دفع الأطراف المعنية – المغرب، جبهة البوليساريو، الجزائر، وموريتانيا – نحو التوصل إلى اتفاق إطار سياسي متكامل ينهي النزاع الإقليمي المفتعل. هذا الاستعجال غير المسبوق يعكس تحولاً استراتيجياً في النهج الأمريكي، مدعوماً بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 (أكتوبر 2025)، الذي يصف "الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية" بأنه "الحل الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق".
جاءت هذه الديناميكية مدعومة باجتماعات مباشرة نادرة عقدت في السفارة الأمريكية بمدريد في فبراير 2026، برعاية أمريكية-أممية مشتركة، حيث قدم المغرب نسخة محدثة ومفصلة (حوالي 40 صفحة) من مقترح الحكم الذاتي لعام 2007، مع توسيع الصلاحيات المحلية في مجالات الإدارة والتنمية، مع الحفاظ على السيادة الوطنية في الشؤون الخارجية والدفاع والأمن. هذه الخطوة، التي وُصفت بأنها "هندسة تسوية" (settlement engineering)، تُظهر انخراطاً أمريكياً مباشراً يتجاوز الدور التقليدي للأمم المتحدة، بهدف تضييق الخيارات وتوجيه المفاوضات نحو نتيجة محددة.
رغم التقدم الدبلوماسي الذي تم إحرازه مؤخرا، تبقى التحديات كبيرة، إذ تتمسك جبهة الجزائر وصنيعتها البوليساريو بحق تقرير المصير(الخارجي) السائد في وقت الحرب الباردة (خيار الاستقلال) والذي انتهى العمل به واقعيا بفعل نيل كل المستعمرات استقلالها (باستثناء الحالة الفلسطينية)، معتبرين أن أي حل يجب أن يشمل استفتاءً شاملاً. ومع ذلك، يشير الزخم الحالي، مدعوماً بدعم متزايد من دول كبرى مثل الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا والمملكة المتحدة وفرنسا، إلى أن عام 2026 قد يكون نقطة تحول حقيقية، حيث يُتوقع عقد جولة مفصلية في واشنطن خلال مايو 2026 لتوقيع اتفاق إطار يمهد لتسوية نهائية.
في المجمل، يعكس هذا التطور انتقالاً من الجمود الطويل إلى مرحلة "الواقعية الدبلوماسية"، مدفوعة بضغط أمريكي يسعى لإغلاق الملف سياسياً قبل نهاية العام، مع ما يحمله ذلك من فرص للاستقرار الإقليمي، لكنه يواجه مخاطر الرفض أو التعثر إذا لم يتم التوافق على صيغة ترضي جميع الأطراف.
ثانيا: من "الصراع الصفري" إلى "الربح التقني"
تاريخياً، فشلت كل الحلول والمقاربات لحل نزاع الصحراء لأنها كانت "صفرية" (إما استقلال كامل أو إدماج كامل). من أهم إيجابيات هذه الخطة (وفق تسريبات موقع Atalayar الاسباني بتاريخ 12 فبراير 2026) يكمن في تحويل الصراع من "سياسي وجودي" إلى "تقني إداري". فعندما يبدأ النقاش حول "نسبة الضرائب" و"صلاحيات القاضي المحلي" و"دمج عناصر البوليساريو"، فنحن نجبر الخصوم والمجتمع الدولي على النزول من برج الشعارات إلى أرض الواقع. هذا الانتقال هو الذي أنهى نزاعات مشابهة في "إيرلندا الشمالية" و"إقليم الباسك". فخطة الحكم الذاتي بلا شك توفر نموذجا راقيا ومتقدما لإدارة النزاعات الاقليمية، إذ تمنح سكان الصحراء المغربية صلاحيات محلية واسعة مع الحفاظ على السيادة المغربية، كما تكفل المشاركة في الإدارة المحلية واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية.
توقيت هذه التسريبات ونوعيتها يستهدفان "العمق الغربي" (أوروبا وأمريكا). هذه القوى لا تهمها الشعارات، بل تهمها "الحكامة" و"الأمن". عندما يرى العالم خطة تفصيلية تتحدث عن محاكم، وبرلمان، وشرطة محلية، وتوزيع ثروات، فإنه يبدأ في التعامل مع المبادرة كـ "مشروع حقيقي قيد الإنشاء تحت سيادة قائمة.
ويمكن القول أن المغرب انتقل من مرحلة "الدفاع عن الحق" إلى مرحلة "فرض الحل بالنقاط". الخطة المسربة هي بمثابة "كتالوج" تشغيل للمنطقة؛ هي تقول للمجتمع الدولي: "نحن لا نبيعكم وعوداً، بل نقدم لكم نظاماً شغالاً".
ثالثا: تحولات الوساطة الدولية: تعاظم الدور الأمريكي وانحسار المقاربة الأممية التقليدية
تتسم الجولة الراهنة من المفاوضات بمتغير بنيوي لافت، يتمثل في انخراط الجزائر — الفاعل الإقليمي والداعم التاريخي لجبهة البوليساريو — في مناقشات تتمحور حول مقترح "الحكم الذاتي". ويُعزى هذا الحضور، من منظور التحليل الاستراتيجي، إلى تصاعد وتيرة الضغوط الدبلوماسية الأمريكية، التي نجحت في دفع الأطراف نحو مائدة التفاوض رغم تمسك الجزائر رسمياً بوضعية "المراقب" لا الطرف المباشر في النزاع.
ويُعد قبول الجزائر بالمشاركة في إطار تفاوضي يستبعد خيار "الاستقلال" تحولاً جوهرياً في عقيدتها الدبلوماسية، مما يعكس نفوذ واشنطن في إعادة هندسة مسارات الصراع. هذا التحول يأتي كامتداد لسياسة "الواقعية السياسية" التي أرستها إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب؛ حيث نجحت في تحويل الثقل الدولي داخل مجلس الأمن نحو تبني صيغة "الحكم الذاتي الحقيقي" تحت السيادة المغربية كإطار وحيد للحل. ويمثل هذا التوجه تجاوزاً عملياً للمقاربة التقليدية للأمم المتحدة القائمة على خيار "الاستفتاء"، مما يؤشر على تراجع دور التنظيم الدولي لصالح القيادة الأمريكية المباشرة للملف.
رابعا: نحو دستور مغربي حداثي: مقترحات التعديل الدستوري
1. تعديل الفصل الأول (أساس النظام)
النص الحالي: "نظام الحكم بالمغرب ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية... يقوم على أساس الجهوية المتقدمة". ويمكن إضافة تعديل مقترح في شكل فقرة تنص على: "يقر الدستور نظاماً خاصاً للحكم الذاتي لجهة الصحراء، يكفل لها تسيير شؤونها بصفة ديمقراطية عبر مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية جهوية، في إطار السيادة الوطنية ووحدة التراب".
2. استحداث "الباب المخصص للحكم الذاتي"
يجب إضافة باب كامل (مثلاً الباب العاشر مكرر) يحدد معالم السلطة في الجهة:
. المادة (أ): الصلاحيات التشريعية الحصرية
"يختص برلمان جهة الصحراء بالتشريع في المجالات المحلية، بما في ذلك النظام الضريبي الجهوي، تدبير الموارد الطبيعية، السياحة، الثقافة، والتعليم المحلي، وتعتبر قوانينه نافذة في حدود تراب الجهة بما لا يتعارض مع الثوابت الجامعة للدولة".
. المادة (ب): السلطة التنفيذية والشرطة
"يتولى رئيس الحكومة الجهوية، المنتخب من لدن البرلمان الجهوي، تدبير السلطة التنفيذية، وله الصلاحية الكاملة في إدارة الأمن الداخلي والشرطة الجهوية لضمان النظام العام".
. المادة (ج): الاستقلال القضائي (المحكمة العليا الجهوية)
"تُنشأ محكمة عليا لجهة الصحراء، تختص بالنظر في ملاءمة القوانين المحلية للدستور ولنظام الحكم الذاتي، وتعتبر قراراتها نهائية في النزاعات المحلية، مع الاحتفاظ بحق التقاضي أمام محكمة النقض في القضايا السيادية".
. تعديل الفصل 42 (اختصاصات الملك)
بما أن الملك هو "ضامن دوام الدولة واستمرارها"، يجب إضافة مادة توضح دوره كحكم بين المركز والجهة، حيث تضاف فقرة مقترحة "الملك هو الضامن لنظام الحكم الذاتي واحترام اختصاصات الجهة، وله صلاحية التدخل التحكيمي في حال حدوث نزاع دستوري بين الحكومة المركزية والحكومة الجهوية لا يمكن حله عبر المحكمة الدستورية".
4. الموارد والمالية (الفصل 141 وما يليه)
التعديل المقترح: نص دستوري يضمن "الحق في الثروة":
"تستفيد جهة الصحراء من نظام جبائي خاص، ومن حصة سيادية قارة من عائدات الموارد الطبيعية المستخرجة من ترابها ومن مياهها الإقليمية، تخصص حصرياً لتمويل ميزانية الحكم الذاتي ومشاريع التنمية الجهوية".
5. "المادة التحصينية" و"الحزم السيادي" (تجاوز عقدة الاستفتاء)
في الممارسة العملية، يتبع المغرب خطوات النظم الأكثر نجاحاً في الحكم الذاتي في العالم، وخاصة تلك التي تم تطويرها في إسبانيا وغرينلاند، حيث يستعير تقنيات توزيع الاختصاصات، والمسؤوليات الحكومية الإقليمية، وإدارة موارد منظمة، متكيفاً بدقة مع الإطار الدستوري المغربي والطابع الواحد للدولة. لذلك، لم يكن الأمر مجرد نقل أو اقتراض، بل هو استيراد محسوب على آليات مثبتة، متوافقة مع التوازنات القانونية والسياسية للمملكة. من منظور دستوري ونظري، فإن الهندسة المعمارية المختارة تستلهم من التقليد الفرنسي، سواء في إدماجها في القانون الدستوري أو في أسلوبها للاعتراف باتفاق سياسي بقيمة معيارية أعلى، مشابهة للنهج المتبع في اتفاق ناميا (كاليدونيا الجديدة).
لمحاكاة نموذج (كاليدونيا الجديدة) ولكن بصبغة مغربية، يقترح إضافة مادة تتعلق بـ "النهائية القانونية":
"يعتبر نظام الحكم الذاتي لجهة الصحراء بمثابة التعبير النهائي عن حق الساكنة في تقرير مصيرها في إطار السيادة المغربية، ولا يجوز تعديل مقتضياته الجوهرية إلا بموافقة البرلمان الجهوي والبرلمان الوطني مجتمعين".
ولمواجهة مخاوف الانفصال، يمكن إدراج مادة "صلبة" في الدستور المغربي تنص على أنه "يعتبر نظام الحكم الذاتي لجهة الصحراء إطاراً نهائياً ودائماً لممارسة الساكنة لحقوقها في إطار السيادة المغربية. ويُحظر تماماً، تحت طائلة البطلان الدستوري والمتابعة القانونية، القيام بأي مبادرة أو تشريع يهدف إلى المساس بوحدة التراب الوطني أو الدعوة للانفصال. تظل السيادة الخارجية والدفاع والرموز الوطنية اختصاصاً حصرياً وحصيناً للدولة".
هذا التعديل سيعمل كخط دفاع قانوني وحزم سيادي للتراب الوطني ضد أي تهديد للسلامة الإقليمية للوطن، على شاكلة الدستور الاسباني الذي ينص في المادة 2 منه:
"يقوم الدستور على وحدة الأمة الإسبانية التي لا تنفصل، وطن كل الإسبان الذي لا يقبل التجزئة؛ ويضمن ويعترف بحق الحكم الذاتي للقوميات والمناطق التي يتكون منها ويضمن ويعترف بالتضامن فيما بينها".
لكن، يبقى المحك الحقيقي هو "الثقة". فنجاح هذه النماذج (كاليدونيا، الأندلس، تيرول الجنوبية) اعتمد دائماً على مدى جدية "المركز" في عدم التدخل في شؤون "الجهة" بمجرد توقيع الاتفاق.
ختاما، لا شك أن المغرب يخطو خطوة مهمة نحو الطي النهائي للنزاع المفتعل بفعل مشروعه الحداثي الديمقراطي وبفضل الدعم الغربي، عبر تقديم مقترحات للحكم الذاتي الموسع بناءة وذات مصداقية، كآلية من آليات تقرير المصير الداخلي، محترما الشرعية الدولية وخصوصيات المنطقة، ومحاولا التوفيق بين مبدأ السلامة الإقليمية وحق تقرير المصير.
محمد بوبوش، أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي بجامعة محمد الأول، وجدة