اختار وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، أسلوب "تكسير العظام" ضد زملائه القدامى من أجل تمرير مشروع قانون المحاماة، وكأن الزمن التشريعي يضغط على مفاصل القرار، في لحظة يطرح فيها الرأي العام والفاعلون في حقل العدالة أسئلة عميقة حول خلفيات هذا الإصرار ودلالاته السياسية والمؤسساتية، خاصة أن السياق العام، الذي فرضه الوزير، يتسم بحركية تشريعية كثيفة داخل قطاع العدل، حيث تتوالى النصوص القانونية المرتبطة بتنظيم المهن القضائية وشبه القضائية بوتيرة توحي برغبة كبيرة لدى الدولة (كما يدعي وزير العدل) في إعادة تشكيل المشهد المهني المرتبط بالعدالة.
هذا التسارع التشريعي يفتح باب التأويل حول طبيعة الرؤية التي تقود الإصلاح، خاصة حين تتزامن مشاريع القوانين مع موجات احتجاج وتوتر مع مهنيي العدالة، من عدول وموثقين وكتاب ضبط ومحامين. فالمشهد هنا يبدو أقرب إلى حالة غليان مهني ممتد عبر سنوات، حيث تتقاطع مطالب الاستقلالية المهنية مع هواجس الضبط المؤسساتي، وتتداخل الاعتبارات المرتبطة بتحديث المنظومة مع تخوفات المساس بالتوازنات التاريخية التي حكمت علاقة هذه المهن بالدولة وبالمجتمع.
في هذا السياق، يتحول مشروع قانون المحاماة (رقم 66,23)، الذي أعلن وزير العدل أنه سيفرضه بلا هوادة ورغم أنف المحتجين، إلى نقطة تماس تعكس صراعا ضمنيا حول من يمتلك سلطة التأويل القانوني، ومن يرسم حدود ممارسة الدفاع داخل فضاء العدالة، مما حول هذا المشروع من ورش إصلاحي من المفروض أن يقوم على التوافق إلى ما يشبه كرة نار يتقاذفها الطرفان، وتكاد تحرق ما تبقى من جسور الثقة بينهما، خاصة أنه سبق لهما أن انخرطا في الحوار كآلية إنتاج مشترك لمشروع القانون من أجل الوصول إلى التوافق حول صيغته النهائية، غير أن الأمر انتهى إلى مأزق، وإلى انخراط كبير لأصحاب البدلة السوداء في سلسلة احتجاجات كان آخرها الوقفة الحاشدة التي نظمت أمام البرلمان يوم الجمعة 6 فبراير 2026. ذلك أن المحامين يؤكدون أن الصيغة النهائية للمشروع لا تعكس مخرجات النقاش، ولا تحترم التوافقات الجزئية التي تحققت، بينما تكتفي الوزارة بالقول إن الحوار استُنفد، وإن الزمن التشاوري انتهى. وبين الروايتين، غابت الشفافية، وغابت محاضر رسمية منشورة، وغابت آليات التحكيم المؤسساتي التي كان يمكن أن تمنع الانفجار.
ويمكن حصر اعتراضات المحامين على مشروع القانون في ما يلي:
أولا: المساس باستقلالية مهنة المحاماة، إذ يرى المحامون أن المشروع يُضعف استقلال المهنة لصالح السلطة التنفيذية، من خلال توسيع صلاحيات وزارة العدل في تدبير شؤون الهيئات، والتدخل في تنظيمها الداخلي، ومراقبة قراراتها، وهو ما يتعارض، في نظرهم، مع مبدأ الاستقلال الذاتي للمهن القضائية، ومع المعايير الدولية التي تجعل هيئات المحامين مؤسسات مستقلة، لا تابعة للإدارة.
ثانيا: تقليص دور الهيئات المهنية ومؤسسات التمثيل. ذلك أنه من أبرز الانتقادات الموجهة للمشروع أنه يحدّ من صلاحيات مجالس الهيئات وجمعية هيئات المحامين بالمغرب، سواء في التأطير، أو التأديب، أو التدبير المهني، مقابل تعزيز أدوار جهات خارج المهنة. ويُنظر إلى هذا التوجه باعتباره إضعافا للديمقراطية الداخلية، وتحويلا للهيئات إلى أجهزة تنفيذية فاقدة للقرار الحقيقي.
ثالثا: نظام التأديب والمسؤولية المهنية، إذ يعترض المحامون على الصيغة المقترحة للتأديب، لأنها، حسب رأيهم، تفتح الباب لتدخل القضاء أو الإدارة في محاسبة المحامين خارج منطق التنظيم الذاتي، وتقلّص ضمانات المحاكمة التأديبية العادلة، وتضعف مبدأ «محاكمة الأقران»، الذي يشكل ركنا أساسيا في استقلال المهنة عالميا.
رابعا: شروط الولوج إلى المهنة والتكوين. إذ يتضمن المشروع تعديلات على شروط اجتياز امتحان الأهلية والتكوين والتدريب، اعتبرتها الهيئات المهنية غير منصفة، وغير واضحة المعايير، وقد تؤدي إلى التحكم في إقصاء فئات واسعة أو إخضاعها لمنطق إداري بدل منطق الكفاءة والاستحقاق.
خامسا: العلاقة مع القضاء والنيابة العامة. فالمحامون يرون أن بعض المقتضيات تُخلّ بتوازن العلاقة بين الدفاع والنيابة العامة والقضاء، وتُضعف موقع المحامي داخل المسطرة القضائية، سواء من حيث الولوج إلى الملفات، أو ممارسة الدفاع، أو حماية السر المهني، وهو ما يمسّ بمبدأ تكافؤ الأسلحة في المحاكمة العادلة.
سادسا: المساس بالسر المهني وحصانة الدفاع، عبر فتح إمكانيات للاطلاع على ملفاتهم، أو تتبع معاملاتهم المالية، أو إخضاعهم لإجراءات مراقبة موسعة، دون ضمانات كافية، وهو ما يضرب جوهر الثقة بين المحامي وموكله.
سابعا: الجوانب المالية والجبائية، إذ يتحفظ المحامون على بعض المقتضيات المتعلقة بالتصريح والمراقبة الضريبية وتنظيم الأتعاب، معتبرين أنها تتعامل مع المحامي كفاعل تجاري، لا كفاعل حقوقي، وتُثقل كاهله بأعباء إضافية، دون مراعاة خصوصية المهنة ووضعية عدد كبير من الممارسين.
ثامنا: تغييب المقاربة الحقوقية والدستورية. ففي نظر الهيئات المهنية، يفتقر المشروع إلى انسجام حقيقي مع روح دستور 2011، خاصة في ما يتعلق بضمان الحق في الدفاع، واستقلال القضاء، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والمقاربة التشاركية. ويُنظر إليه كنص تقني إداري أكثر منه قانونا يؤطر وظيفة دستورية.
تاسعا: غياب الوضوح في بعض المفاهيم والمقتضيات. ذلك أن المشروع يتضمن، حسب المنتقدين، صياغات فضفاضة ومطاطة، تسمح بتأويلات متعددة، وقد تُستعمل مستقبلا لتبرير التضييق أو التعسف، وهو ما يتعارض مع مبدأ الأمن القانوني.
عاشرا: الخوف من «تدجين» المهنة وفقدان بعدها النضالي. فخلف كل الاعتراضات التقنية، لا يمكن أن نقفز على هاجس الخوف من تحويل المحاماة من قوة اقتراح ونقد ومرافعة حقوقية إلى مهنة منضبطة إداريا، محدودة الهامش، فاقدة لدورها التاريخي في الدفاع عن الحريات ومساءلة السلطة.
الخلاف، إذن، يتعلق في العمق بإحساس جماعي لدى المحامين بأن صوتهم أُقصي، وأن الوزير وهبي حوّل مشاركتهم في النقاش إلى واجهة شكلية، كما أن قرار الإحالة على البرلمان اتُّخذ خارج منطق الشراكة. وهو ما فُهم داخل الجسم المهني بأنه تراجع عن التزامات علنية، وضربا لمبدأ المقاربة التشاركية الذي ينص عليه الدستور. وهذا ما أكده الأستاذ جلال الطاهر «محامي بهيأة البيضاء» بقوله إن «الوزير التزم علانية، وأمام الرأي العام المهني في جلسة عمومية، أنه إذا لم يتم التوافق مع جمعية هيآت المحامين بالمغرب، حول مضامين التعديلات، فإن المشروع لن تتم إحالته على المراحل المؤسسية الرسمية»، مبرزا أن «جمعية هيآت المحامين بالمغرب تؤكد أن مضامين المشروع، لا علاقة لها بمخرجات الحوار». بل إن بعض المحامين يرون أن إصرار الوزير على توصيف المشروع بأنه «قرار دولة»، إنما هو محاولة ماكرة «لتحصينه من النقد، لا عبر تفنيد حجج المعترضين، بل عبر نقل النقاش من مستوى السياسة إلى مستوى الرمزية. إذ يصبح الاعتراض، ولو كان مهنيا أو مؤسساتيا، مؤوَّلا ضمنيا كتشكيك في الدولة ذاتها، لا كاختلاف مشروع حول سياسة عمومية» (الأستاذ زهير حمدوش). ومن هنا" يتبين أن جوهر الخلاف لا يكمن في مواد بعينها أو صياغات تقنية قابلة للتعديل، بل في فلسفة تشريعية تفرغ الإصلاح من مضمونه التشاركي، وتختزل العدالة في بعدها الإجرائي، وتتعامل مع الدفاع كعنصر ثانوي يمكن تطويعه أو تحجيمه باسم النجاعة أو السرعة" (الأستاذ خالد الغريص، محامي بهيأة أكادير).
تحول مشروع قانون المحاماة، مع توالي الاحتجاج، إلى كرة نار حقيقية في يد الوزارة التي تصر على المضي قدما مخافة أن يُفسَّر التراجع ضعفا سياسيا، إلى اختبار حقيقي لتماسك المحامين الذين يخشون أن يؤدي القبول بالمشروع، كما قدمه الوزير، إلى تدجين تاريخي للمهنة، خاصة أن فرض الأمر الواقع يعبر عن اختلال عميق في تدبير الإصلاحات الكبرى، يتمثل في تحويل القوانين من مشاريع تشاركية إلى قرارات عمودية.
إن ما وقع مع الوزير وهبي، يجعلنا نستحضر التجربة السابقة خلال فترة وزير العدل الأسبق مصطفى الرميد، حيث ظل الإصلاح عنوانا يرافقه احتكاك دائم وتوترات متوالية مع الهيئات المهنية، مما يطرح سؤالا حول طبيعة المقاربة المعتمدة في تدبير الإصلاحات، وهل تم الانصات بما يكفي لنبض المهن المعنية، أم أن منطق السرعة التشريعية طغى على منطق التوافق المؤسساتي؟ فالإصلاح القانوني داخل قطاع حساس كقطاع العدل يحتاج إلى هندسة دقيقة تراعي حساسية التوازن بين استقلال المهن القضائية وبين متطلبات تحديث الإدارة القضائية، لأن أي اختلال في هذا التوازن ينعكس مباشرة على ثقة المتقاضين في العدالة، وإذا اختل هذا الميزان، فهذا يعني أن الإصلاح شيء غير ممكن، أو على الأقل إطارٌ يفتقد إلى التوافق.
فمن الواضح أننا أمام وضع يخلق شعورا بعدم الاستقرار القانوني والمؤسساتي، والحال «البيئة المهنية» تحتاج إلى قدر من الطمأنينة التشريعية حتى تتمكن من تطوير أدائها وتكريس أدوارها في حماية الحقوق والحريات، خاصة أن ما يقع من توترات ينبئ أن «الإصلاح» حين يتحول إلى حالة دائمة يفقد قدرته على تحقيق التراكم الإصلاحي المأمول، لأن الممارسة المهنية تحتاج إلى زمن لاستيعاب القواعد الجديدة وترجمتها إلى سلوك مهني مستقر. كما أن الثقة بين الأطراف لا تتم بالصراع وتحدي القوة والاستعراض وتكسير العظام، بل عبر تماسك المنظومة برمتها، من قضاة ومحامين وموثقين وعدول وكتاب ضبط. إذ عندما تتحول العلاقة بين هذه المكونات إلى علاقة توتر متواصل، تتراجع صورة العدالة باعتبارها فضاء للتوازن والإنصاف.
في ظل هذا التحدي الذي يحتاج إلى قرار تحكيمي وازن، يتحول النقاش حول مشروع قانون المحاماة إلى لحظة اختبار حقيقية لقدرة الدولة على إنتاج إصلاحات تحظى بالمشروعية المهنية والمجتمعية، وذلك بإعادة الاعتبار لمنطق الثقة، والاعتراف بأن الإصلاح الحقيقي لا يُفرض من أعلى في المكتب المغلق للوزير، بل يُبنى مع الفاعلين في فضاء التداول العمومي المسؤول.
تفاصيل أوفى تجدونها في العدد الجديد من أسبوعية" الوطن الآن"
رابط العدد هنا
https://anfaspress.ma/alwatan/pdf-view/425-2026-02-10-07-42-32