mercredi 11 février 2026
اقتصاد

مشروع قانون 66.23 يشعل الأزمة بين الوزير المحامي وهيآت المحامين بالمغرب

مشروع قانون 66.23 يشعل الأزمة بين الوزير المحامي وهيآت المحامين بالمغرب

اختار‭ ‬وزير‭ ‬العدل،‭ ‬عبد‭ ‬اللطيف‭ ‬وهبي،‭ ‬أسلوب‭ ‬"تكسير‭ ‬العظام"‭ ‬ضد‭ ‬زملائه‭ ‬القدامى‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تمرير‭ ‬مشروع‭ ‬قانون‭ ‬المحاماة،‭ ‬وكأن‭ ‬الزمن‭ ‬التشريعي‭ ‬يضغط‭ ‬على‭ ‬مفاصل‭ ‬القرار،‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬يطرح‭ ‬فيها‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬والفاعلون‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬العدالة‭ ‬أسئلة‭ ‬عميقة‭ ‬حول‭ ‬خلفيات‭ ‬هذا‭ ‬الإصرار‭ ‬ودلالاته‭ ‬السياسية‭ ‬والمؤسساتية،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬السياق‭ ‬العام،‭ ‬الذي‭ ‬فرضه‭ ‬الوزير،‭ ‬يتسم‭ ‬بحركية‭ ‬تشريعية‭ ‬كثيفة‭ ‬داخل‭ ‬قطاع‭ ‬العدل،‭ ‬حيث‭ ‬تتوالى‭ ‬النصوص‭ ‬القانونية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بتنظيم‭ ‬المهن‭ ‬القضائية‭ ‬وشبه‭ ‬القضائية‭ ‬بوتيرة‭ ‬توحي‭ ‬برغبة‭ ‬كبيرة‭ ‬لدى‭ ‬الدولة‭ ‬(كما‭ ‬يدعي‭ ‬وزير‭ ‬العدل)‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬المشهد‭ ‬المهني‭ ‬المرتبط‭ ‬بالعدالة‭.‬
 

هذا‭ ‬التسارع‭ ‬التشريعي‭ ‬يفتح‭ ‬باب‭ ‬التأويل‭ ‬حول‭ ‬طبيعة‭ ‬الرؤية‭ ‬التي‭ ‬تقود‭ ‬الإصلاح،‭ ‬خاصة‭ ‬حين‭ ‬تتزامن‭ ‬مشاريع‭ ‬القوانين‭ ‬مع‭ ‬موجات‭ ‬احتجاج‭ ‬وتوتر‭ ‬مع‭ ‬مهنيي‭ ‬العدالة،‭ ‬من‭ ‬عدول‭ ‬وموثقين‭ ‬وكتاب‭ ‬ضبط‭ ‬ومحامين‭. ‬فالمشهد‭ ‬هنا‭ ‬يبدو‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬غليان‭ ‬مهني‭ ‬ممتد‭ ‬عبر‭ ‬سنوات،‭ ‬حيث‭ ‬تتقاطع‭ ‬مطالب‭ ‬الاستقلالية‭ ‬المهنية‭ ‬مع‭ ‬هواجس‭ ‬الضبط‭ ‬المؤسساتي،‭ ‬وتتداخل‭ ‬الاعتبارات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بتحديث‭ ‬المنظومة‭ ‬مع‭ ‬تخوفات‭ ‬المساس‭ ‬بالتوازنات‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬حكمت‭ ‬علاقة‭ ‬هذه‭ ‬المهن‭ ‬بالدولة‭ ‬وبالمجتمع‭. ‬
 

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يتحول‭ ‬مشروع‭ ‬قانون‭ ‬المحاماة‭ ‬(رقم 66,23)،‭ ‬الذي‭ ‬أعلن‭ ‬وزير‭ ‬العدل‭ ‬أنه‭ ‬سيفرضه‭ ‬بلا‭ ‬هوادة‭ ‬ورغم‭ ‬أنف‭ ‬المحتجين،‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬تماس‭ ‬تعكس‭ ‬صراعا‭ ‬ضمنيا‭ ‬حول‭ ‬من‭ ‬يمتلك‭ ‬سلطة‭ ‬التأويل‭ ‬القانوني،‭ ‬ومن‭ ‬يرسم‭ ‬حدود‭ ‬ممارسة‭ ‬الدفاع‭ ‬داخل‭ ‬فضاء‭ ‬العدالة،‭ ‬مما‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬من‭ ‬ورش‭ ‬إصلاحي‭ ‬من‭ ‬المفروض‭ ‬أن‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬التوافق‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬كرة‭ ‬نار‭ ‬يتقاذفها‭ ‬الطرفان،‭ ‬وتكاد‭ ‬تحرق‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬جسور‭ ‬الثقة‭ ‬بينهما،‭ ‬خاصة‭ ‬أنه‭ ‬سبق‭ ‬لهما‭ ‬أن‭ ‬انخرطا‭ ‬في‭ ‬الحوار‭ ‬كآلية‭ ‬إنتاج‭ ‬مشترك‭ ‬لمشروع‭ ‬القانون‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬التوافق‭ ‬حول‭ ‬صيغته‭ ‬النهائية،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬انتهى‭ ‬إلى‭ ‬مأزق،‭ ‬وإلى‭ ‬انخراط‭ ‬كبير‭ ‬لأصحاب‭ ‬البدلة‭ ‬السوداء‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬احتجاجات‭ ‬كان‭ ‬آخرها‭ ‬الوقفة‭ ‬الحاشدة‭ ‬التي‭ ‬نظمت‭ ‬أمام‭ ‬البرلمان‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬6‭ ‬فبراير‭ ‬2026‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬المحامين‭ ‬يؤكدون‭ ‬أن‭ ‬الصيغة‭ ‬النهائية‭ ‬للمشروع‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬مخرجات‭ ‬النقاش،‭ ‬ولا‭ ‬تحترم‭ ‬التوافقات‭ ‬الجزئية‭ ‬التي‭ ‬تحققت،‭ ‬بينما‭ ‬تكتفي‭ ‬الوزارة‭ ‬بالقول‭ ‬إن‭ ‬الحوار‭ ‬استُنفد،‭ ‬وإن‭ ‬الزمن‭ ‬التشاوري‭ ‬انتهى‭. ‬وبين‭ ‬الروايتين،‭ ‬غابت‭ ‬الشفافية،‭ ‬وغابت‭ ‬محاضر‭ ‬رسمية‭ ‬منشورة،‭ ‬وغابت‭ ‬آليات‭ ‬التحكيم‭ ‬المؤسساتي‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تمنع‭ ‬الانفجار‭.‬
 

ويمكن‭ ‬حصر‭ ‬اعتراضات‭ ‬المحامين‭ ‬على‭ ‬مشروع‭ ‬القانون‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يلي:

أولا‭:‬‭ ‬المساس‭ ‬باستقلالية‭ ‬مهنة‭ ‬المحاماة،‭ ‬إذ‭ ‬يرى‭ ‬المحامون‭ ‬أن‭ ‬المشروع‭ ‬يُضعف‭ ‬استقلال‭ ‬المهنة‭ ‬لصالح‭ ‬السلطة‭ ‬التنفيذية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توسيع‭ ‬صلاحيات‭ ‬وزارة‭ ‬العدل‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬شؤون‭ ‬الهيئات،‭ ‬والتدخل‭ ‬في‭ ‬تنظيمها‭ ‬الداخلي،‭ ‬ومراقبة‭ ‬قراراتها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتعارض،‭ ‬في‭ ‬نظرهم،‭ ‬مع‭ ‬مبدأ‭ ‬الاستقلال‭ ‬الذاتي‭ ‬للمهن‭ ‬القضائية،‭ ‬ومع‭ ‬المعايير‭ ‬الدولية‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬هيئات‭ ‬المحامين‭ ‬مؤسسات‭ ‬مستقلة،‭ ‬لا‭ ‬تابعة‭ ‬للإدارة‭.‬

ثانيا‭:‬‭ ‬تقليص‭ ‬دور‭ ‬الهيئات‭ ‬المهنية‭ ‬ومؤسسات‭ ‬التمثيل‭. ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الانتقادات‭ ‬الموجهة‭ ‬للمشروع‭ ‬أنه‭ ‬يحدّ‭ ‬من‭ ‬صلاحيات‭ ‬مجالس‭ ‬الهيئات‭ ‬وجمعية‭ ‬هيئات‭ ‬المحامين‭ ‬بالمغرب،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬التأطير،‭ ‬أو‭ ‬التأديب،‭ ‬أو‭ ‬التدبير‭ ‬المهني،‭ ‬مقابل‭ ‬تعزيز‭ ‬أدوار‭ ‬جهات‭ ‬خارج‭ ‬المهنة‭. ‬ويُنظر‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬باعتباره‭ ‬إضعافا‭ ‬للديمقراطية‭ ‬الداخلية،‭ ‬وتحويلا‭ ‬للهيئات‭ ‬إلى‭ ‬أجهزة‭ ‬تنفيذية‭ ‬فاقدة‭ ‬للقرار‭ ‬الحقيقي‭.‬

ثالثا‭:‬‭ ‬نظام‭ ‬التأديب‭ ‬والمسؤولية‭ ‬المهنية،‭ ‬إذ‭ ‬يعترض‭ ‬المحامون‭ ‬على‭ ‬الصيغة‭ ‬المقترحة‭ ‬للتأديب،‭ ‬لأنها،‭ ‬حسب‭ ‬رأيهم،‭ ‬تفتح‭ ‬الباب‭ ‬لتدخل‭ ‬القضاء‭ ‬أو‭ ‬الإدارة‭ ‬في‭ ‬محاسبة‭ ‬المحامين‭ ‬خارج‭ ‬منطق‭ ‬التنظيم‭ ‬الذاتي،‭ ‬وتقلّص‭ ‬ضمانات‭ ‬المحاكمة‭ ‬التأديبية‭ ‬العادلة،‭ ‬وتضعف‭ ‬مبدأ‭ ‬«محاكمة‭ ‬الأقران»،‭ ‬الذي‭ ‬يشكل‭ ‬ركنا‭ ‬أساسيا‭ ‬في‭ ‬استقلال‭ ‬المهنة‭ ‬عالميا‭.‬

رابعا‭:‬‭ ‬شروط‭ ‬الولوج‭ ‬إلى‭ ‬المهنة‭ ‬والتكوين‭. ‬إذ‭ ‬يتضمن‭ ‬المشروع‭ ‬تعديلات‭ ‬على‭ ‬شروط‭ ‬اجتياز‭ ‬امتحان‭ ‬الأهلية‭ ‬والتكوين‭ ‬والتدريب،‭ ‬اعتبرتها‭ ‬الهيئات‭ ‬المهنية‭ ‬غير‭ ‬منصفة،‭ ‬وغير‭ ‬واضحة‭ ‬المعايير،‭ ‬وقد‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬إقصاء‭ ‬فئات‭ ‬واسعة‭ ‬أو‭ ‬إخضاعها‭ ‬لمنطق‭ ‬إداري‭ ‬بدل‭ ‬منطق‭ ‬الكفاءة‭ ‬والاستحقاق‭.‬

خامسا‭:‬‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬القضاء‭ ‬والنيابة‭ ‬العامة‭. ‬فالمحامون‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬المقتضيات‭ ‬تُخلّ‭ ‬بتوازن‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الدفاع‭ ‬والنيابة‭ ‬العامة‭ ‬والقضاء،‭ ‬وتُضعف‭ ‬موقع‭ ‬المحامي‭ ‬داخل‭ ‬المسطرة‭ ‬القضائية،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الولوج‭ ‬إلى‭ ‬الملفات،‭ ‬أو‭ ‬ممارسة‭ ‬الدفاع،‭ ‬أو‭ ‬حماية‭ ‬السر‭ ‬المهني،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمسّ‭ ‬بمبدأ‭ ‬تكافؤ‭ ‬الأسلحة‭ ‬في‭ ‬المحاكمة‭ ‬العادلة‭.‬

سادسا‭:‬‭ ‬المساس‭ ‬بالسر‭ ‬المهني‭ ‬وحصانة‭ ‬الدفاع،‭ ‬عبر‭ ‬فتح‭ ‬إمكانيات‭ ‬للاطلاع‭ ‬على‭ ‬ملفاتهم،‭ ‬أو‭ ‬تتبع‭ ‬معاملاتهم‭ ‬المالية،‭ ‬أو‭ ‬إخضاعهم‭ ‬لإجراءات‭ ‬مراقبة‭ ‬موسعة،‭ ‬دون‭ ‬ضمانات‭ ‬كافية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يضرب‭ ‬جوهر‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬المحامي‭ ‬وموكله‭.‬

سابعا‭:‬‭ ‬الجوانب‭ ‬المالية‭ ‬والجبائية،‭ ‬إذ‭ ‬يتحفظ‭ ‬المحامون‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬المقتضيات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالتصريح‭ ‬والمراقبة‭ ‬الضريبية‭ ‬وتنظيم‭ ‬الأتعاب،‭ ‬معتبرين‭ ‬أنها‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬المحامي‭ ‬كفاعل‭ ‬تجاري،‭ ‬لا‭ ‬كفاعل‭ ‬حقوقي،‭ ‬وتُثقل‭ ‬كاهله‭ ‬بأعباء‭ ‬إضافية،‭ ‬دون‭ ‬مراعاة‭ ‬خصوصية‭ ‬المهنة‭ ‬ووضعية‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الممارسين‭.‬

ثامنا‭:‬‭ ‬تغييب‭ ‬المقاربة‭ ‬الحقوقية‭ ‬والدستورية‭. ‬ففي‭ ‬نظر‭ ‬الهيئات‭ ‬المهنية،‭ ‬يفتقر‭ ‬المشروع‭ ‬إلى‭ ‬انسجام‭ ‬حقيقي‭ ‬مع‭ ‬روح‭ ‬دستور‭ ‬2011،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بضمان‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬الدفاع،‭ ‬واستقلال‭ ‬القضاء،‭ ‬وربط‭ ‬المسؤولية‭ ‬بالمحاسبة،‭ ‬والمقاربة‭ ‬التشاركية‭. ‬ويُنظر‭ ‬إليه‭ ‬كنص‭ ‬تقني‭ ‬إداري‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬قانونا‭ ‬يؤطر‭ ‬وظيفة‭ ‬دستورية‭.‬

تاسعا‭:‬‭ ‬غياب‭ ‬الوضوح‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المفاهيم‭ ‬والمقتضيات‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬المشروع‭ ‬يتضمن،‭ ‬حسب‭ ‬المنتقدين،‭ ‬صياغات‭ ‬فضفاضة‭ ‬ومطاطة،‭ ‬تسمح‭ ‬بتأويلات‭ ‬متعددة،‭ ‬وقد‭ ‬تُستعمل‭ ‬مستقبلا‭ ‬لتبرير‭ ‬التضييق‭ ‬أو‭ ‬التعسف،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬مبدأ‭ ‬الأمن‭ ‬القانوني‭.‬

عاشرا‭:‬‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬«تدجين»‭ ‬المهنة‭ ‬وفقدان‭ ‬بعدها‭ ‬النضالي‭. ‬فخلف‭ ‬كل‭ ‬الاعتراضات‭ ‬التقنية،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نقفز‭ ‬على‭ ‬هاجس‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬تحويل‭ ‬المحاماة‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬اقتراح‭ ‬ونقد‭ ‬ومرافعة‭ ‬حقوقية‭ ‬إلى‭ ‬مهنة‭ ‬منضبطة‭ ‬إداريا،‭ ‬محدودة‭ ‬الهامش،‭ ‬فاقدة‭ ‬لدورها‭ ‬التاريخي‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الحريات‭ ‬ومساءلة‭ ‬السلطة‭.‬
 

الخلاف،‭ ‬إذن،‭ ‬يتعلق‭ ‬في‭ ‬العمق‭ ‬بإحساس‭ ‬جماعي‭ ‬لدى‭ ‬المحامين‭ ‬بأن‭ ‬صوتهم‭ ‬أُقصي،‭ ‬وأن‭ ‬الوزير‭ ‬وهبي‭ ‬حوّل‭ ‬مشاركتهم‭ ‬في‭ ‬النقاش‭ ‬إلى‭ ‬واجهة‭ ‬شكلية،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬قرار‭ ‬الإحالة‭ ‬على‭ ‬البرلمان‭ ‬اتُّخذ‭ ‬خارج‭ ‬منطق‭ ‬الشراكة‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬فُهم‭ ‬داخل‭ ‬الجسم‭ ‬المهني‭ ‬بأنه‭ ‬تراجع‭ ‬عن‭ ‬التزامات‭ ‬علنية،‭ ‬وضربا‭ ‬لمبدأ‭ ‬المقاربة‭ ‬التشاركية‭ ‬الذي‭ ‬ينص‭ ‬عليه‭ ‬الدستور‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬أكده‭ ‬الأستاذ‭ ‬جلال‭ ‬الطاهر‭ ‬«محامي‭ ‬بهيأة‭ ‬البيضاء»‭ ‬بقوله‭ ‬إن‭ ‬«الوزير‭ ‬التزم‭ ‬علانية،‭ ‬وأمام‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬المهني‭ ‬في‭ ‬جلسة‭ ‬عمومية،‭ ‬أنه‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬التوافق‭ ‬مع‭ ‬جمعية‭ ‬هيآت‭ ‬المحامين‭ ‬بالمغرب،‭ ‬حول‭ ‬مضامين‭ ‬التعديلات،‭ ‬فإن‭ ‬المشروع‭ ‬لن‭ ‬تتم‭ ‬إحالته‭ ‬على‭ ‬المراحل‭ ‬المؤسسية‭ ‬الرسمية»،‭ ‬مبرزا‭ ‬أن‭ ‬«جمعية‭ ‬هيآت‭ ‬المحامين‭ ‬بالمغرب‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬مضامين‭ ‬المشروع،‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬بمخرجات‭ ‬الحوار»‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬المحامين‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬إصرار‭ ‬الوزير‭ ‬على‭ ‬توصيف‭ ‬المشروع‭ ‬بأنه‭ ‬«قرار‭ ‬دولة»،‭ ‬إنما‭ ‬هو‭ ‬محاولة‭ ‬ماكرة‭ ‬«لتحصينه‭ ‬من‭ ‬النقد،‭ ‬لا‭ ‬عبر‭ ‬تفنيد‭ ‬حجج‭ ‬المعترضين،‭ ‬بل‭ ‬عبر‭ ‬نقل‭ ‬النقاش‭ ‬من‭ ‬مستوى‭ ‬السياسة‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬الرمزية‭. ‬إذ‭ ‬يصبح‭ ‬الاعتراض،‭ ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬مهنيا‭ ‬أو‭ ‬مؤسساتيا،‭ ‬مؤوَّلا‭ ‬ضمنيا‭ ‬كتشكيك‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬ذاتها،‭ ‬لا‭ ‬كاختلاف‭ ‬مشروع‭ ‬حول‭ ‬سياسة‭ ‬عمومية»‭ ‬(الأستاذ‭ ‬زهير‭ ‬حمدوش)‭. ‬ومن‭ ‬هنا"‭ ‬يتبين‭ ‬أن‭ ‬جوهر‭ ‬الخلاف‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬مواد‭ ‬بعينها‭ ‬أو‭ ‬صياغات‭ ‬تقنية‭ ‬قابلة‭ ‬للتعديل،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬تشريعية‭ ‬تفرغ‭ ‬الإصلاح‭ ‬من‭ ‬مضمونه‭ ‬التشاركي،‭ ‬وتختزل‭ ‬العدالة‭ ‬في‭ ‬بعدها‭ ‬الإجرائي،‭ ‬وتتعامل‭ ‬مع‭ ‬الدفاع‭ ‬كعنصر‭ ‬ثانوي‭ ‬يمكن‭ ‬تطويعه‭ ‬أو‭ ‬تحجيمه‭ ‬باسم‭ ‬النجاعة‭ ‬أو‭ ‬السرعة" (الأستاذ‭ ‬خالد‭ ‬الغريص،‭ ‬محامي‭ ‬بهيأة‭ ‬أكادير)‭.‬
 

‬تحول‭ ‬مشروع‭ ‬قانون‭ ‬المحاماة،‭ ‬مع‭ ‬توالي‭ ‬الاحتجاج،‭ ‬إلى‭ ‬كرة‭ ‬نار‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬الوزارة‭ ‬التي‭ ‬تصر‭ ‬على‭ ‬المضي‭ ‬قدما‭ ‬مخافة‭ ‬أن‭ ‬يُفسَّر‭ ‬التراجع‭ ‬ضعفا‭ ‬سياسيا،‭ ‬إلى‭ ‬اختبار‭ ‬حقيقي‭ ‬لتماسك‭ ‬المحامين‭ ‬الذين‭ ‬يخشون‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬القبول‭ ‬بالمشروع،‭ ‬كما‭ ‬قدمه‭ ‬الوزير،‭ ‬إلى‭ ‬تدجين‭ ‬تاريخي‭ ‬للمهنة،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬فرض‭ ‬الأمر‭ ‬الواقع‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬اختلال‭ ‬عميق‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬الإصلاحات‭ ‬الكبرى،‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬القوانين‭ ‬من‭ ‬مشاريع‭ ‬تشاركية‭ ‬إلى‭ ‬قرارات‭ ‬عمودية‭.‬

 

إن‭ ‬ما‭ ‬وقع‭ ‬مع‭ ‬الوزير‭ ‬وهبي،‭ ‬يجعلنا‭ ‬نستحضر‭ ‬التجربة‭ ‬السابقة‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬وزير‭ ‬العدل‭ ‬الأسبق‭ ‬مصطفى‭ ‬الرميد،‭ ‬حيث‭ ‬ظل‭ ‬الإصلاح‭ ‬عنوانا‭ ‬يرافقه‭ ‬احتكاك‭ ‬دائم‭ ‬وتوترات‭ ‬متوالية‭ ‬مع‭ ‬الهيئات‭ ‬المهنية،‭ ‬مما‭ ‬يطرح‭ ‬سؤالا‭ ‬حول‭ ‬طبيعة‭ ‬المقاربة‭ ‬المعتمدة‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬الإصلاحات،‭ ‬وهل‭ ‬تم‭ ‬الانصات‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬لنبض‭ ‬المهن‭ ‬المعنية،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬منطق‭ ‬السرعة‭ ‬التشريعية‭ ‬طغى‭ ‬على‭ ‬منطق‭ ‬التوافق‭ ‬المؤسساتي؟‭ ‬فالإصلاح‭ ‬القانوني‭ ‬داخل‭ ‬قطاع‭ ‬حساس‭ ‬كقطاع‭ ‬العدل‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬هندسة‭ ‬دقيقة‭ ‬تراعي‭ ‬حساسية‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬استقلال‭ ‬المهن‭ ‬القضائية‭ ‬وبين‭ ‬متطلبات‭ ‬تحديث‭ ‬الإدارة‭ ‬القضائية،‭ ‬لأن‭ ‬أي‭ ‬اختلال‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التوازن‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬ثقة‭ ‬المتقاضين‭ ‬في‭ ‬العدالة،‭ ‬وإذا‭ ‬اختل‭ ‬هذا‭ ‬الميزان،‭ ‬فهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الإصلاح‭ ‬شيء‭ ‬غير‭ ‬ممكن،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬إطارٌ‭ ‬يفتقد‭ ‬إلى‭ ‬التوافق‭.‬
 

فمن‭ ‬الواضح‭ ‬أننا‭ ‬أمام‭ ‬وضع‭ ‬يخلق‭ ‬شعورا‭ ‬بعدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬القانوني‭ ‬والمؤسساتي،‭ ‬والحال‭ ‬«البيئة‭ ‬المهنية»‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الطمأنينة‭ ‬التشريعية‭ ‬حتى‭ ‬تتمكن‭ ‬من‭ ‬تطوير‭ ‬أدائها‭ ‬وتكريس‭ ‬أدوارها‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬الحقوق‭ ‬والحريات،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يقع‭ ‬من‭ ‬توترات‭ ‬ينبئ‭ ‬أن‭ ‬«الإصلاح»‭ ‬حين‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬دائمة‭ ‬يفقد‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬التراكم‭ ‬الإصلاحي‭ ‬المأمول،‭ ‬لأن‭ ‬الممارسة‭ ‬المهنية‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬لاستيعاب‭ ‬القواعد‭ ‬الجديدة‭ ‬وترجمتها‭ ‬إلى‭ ‬سلوك‭ ‬مهني‭ ‬مستقر‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬الأطراف‭ ‬لا‭ ‬تتم‭ ‬بالصراع‭ ‬وتحدي‭ ‬القوة‭ ‬والاستعراض‭ ‬وتكسير‭ ‬العظام،‭ ‬بل‭ ‬عبر‭ ‬تماسك‭ ‬المنظومة‭ ‬برمتها،‭ ‬من‭ ‬قضاة‭ ‬ومحامين‭ ‬وموثقين‭ ‬وعدول‭ ‬وكتاب‭ ‬ضبط‭. ‬إذ‭ ‬عندما‭ ‬تتحول‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬المكونات‭ ‬إلى‭ ‬علاقة‭ ‬توتر‭ ‬متواصل،‭ ‬تتراجع‭ ‬صورة‭ ‬العدالة‭ ‬باعتبارها‭ ‬فضاء‭ ‬للتوازن‭ ‬والإنصاف‭. ‬

 

في‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬التحدي‭ ‬الذي‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬قرار‭ ‬تحكيمي‭ ‬وازن،‭ ‬يتحول‭ ‬النقاش‭ ‬حول‭ ‬مشروع‭ ‬قانون‭ ‬المحاماة‭ ‬إلى‭ ‬لحظة‭ ‬اختبار‭ ‬حقيقية‭ ‬لقدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬إصلاحات‭ ‬تحظى‭ ‬بالمشروعية‭ ‬المهنية‭ ‬والمجتمعية،‭ ‬وذلك‭ ‬بإعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬لمنطق‭ ‬الثقة،‭ ‬والاعتراف‭ ‬بأن‭ ‬الإصلاح‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يُفرض‭ ‬من‭ ‬أعلى‭ ‬في‭ ‬المكتب‭ ‬المغلق‭ ‬للوزير،‭ ‬بل‭ ‬يُبنى‭ ‬مع‭ ‬الفاعلين‭  ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬التداول‭ ‬العمومي‭ ‬المسؤول.‭

 

    تفاصيل أوفى تجدونها في العدد الجديد من أسبوعية" الوطن الآن"‬

رابط العدد هنا

https://anfaspress.ma/alwatan/pdf-view/425-2026-02-10-07-42-32