في كل مرة تنفجر فضيحة كبرى، نهرول سريعا لنحتمي بالأخلاق ونختفي خلفها ،ونشرع في إطلاق النار على الانحراف والرذيلة والسقوط ونختم ببساطة ظاهرة ،حكاية رجل شرير ونخبة فاسدة بجزيرة مغلقة. وأفعال لا توصف.
لكن فضيحة إبستين ليست بهذه البساطة.
لأن ما انكشف، أو ما بدأ ينكشف، لا يخص سلوك فرد فقط.إنه يكشف بنية.
ويكشف شبكة.ويكشف نظاما كاملا يتحرك في الظل.
ولكي نفهم ذلك، يجب أن نعيد للأخلاق معناها الحقيقي.فالأخلاق ليست خطبة.
وليست قائمة ممنوعات.
الأخلاق علم وتهذيب للنفس، وصناعة للإنسان، وبناء للمدينة.كما قال القدماء اما المعاصرون فطرحوا اسئلة اكثر ازعاجاً.
هل الشر دائما شيطانيا؟أم قد يكون عاديا حين يتحول إلى وظيفة داخل بنية ؟
هل الأخلاق، قانون داخلي يمنع تحويل الإنسان إلى وسيلة؟
وهل السلطة pouvoir تفهم فقط عبر القانون، أم أيضا عبر الشبكات الدقيقة التي تنتج الطاعة وتعيد تشكيل الأجساد، كما يلمح فوكو؟
هنا لا تعود الفضيحة مسألة أخلاق… بل مسألة سلطة.
إبستين لم يكن مجرد مجرم. كان وظيفة.
كان وسيلة لتنفيذ مشروع متعدد الأبعاد.يلتقي فيه المال بالسياسة.
والسياسة بالإعلام.والإعلام بالحماية.
والحماية بالصمت.
هذا النوع من المشاريع لا يقوم على “منحرف” فقط.بل يحتاج إلى أجهزة ،وخبراء،وشبكات علاقات ،وإمكانات لوجستية،وقدرة على إدارة المخاطر.
ولهذا يصبح من السذاجة أن نتعامل مع إبستين كقصة جزيرة.
فالجزيرة ليست هي الحكاية.
الحكاية هي المنصة التي صنعت الجزيرة التي لم تعرف حدودا.لان إبستين جمع دول :الشمال والجنوب.
الشرق والغرب،المتقدمة وتلك السائرة في طريق النمو.
جمع النساء والرجال.الابيض والاسود
ووحد، في مفارقته الأكثر فجاجة، أتباع الديانات المختلفة: اليهود والمسيحيين، والمسلمين وحتى اللادينيين .
في عالم إبستين، بدا الجميع متساوين في الامتياز…
لكن الضحايا لم يكونوا متساوين أبدا.
الأغنياء يمرون من الباب الواسع.
والفقراء يقدمون دائما قربانا في الخلف.
وهنا بالضبط تتضح المفارقة:
الأخلاق لا تنهار لأن فردا انحرف، بل تنهار حين يصبح النفوذ شبكة… تنتج الفساد وتعيد تدويره.
الأخطر ما في فضيحة ابستين أنها كشفت
أن الجريمة قد تتحول إلى أداة سياسية.
وأن الرذيلة قد تتحول إلى تقنية.
وأن الجسد قد يتحول إلى عملة في سوق النفوذ.
وبذلك ندخل إلى الجيوبوليتيك.لان القضية تصبح ليست فقط من فعل ماذا؟
بل: من كان يستفيد؟ومن كان يملك المعلومة؟ومن كان يدير العلاقات؟
ومن كان يضمن الحماية؟ومن كان قادرا على تحويل الفضيحة إلى ورقة ضغط، أو إلى أداة ابتزاز، أو إلى ملف مؤجل؟
ففي مثل هذه القضايا، لا يكفي السؤال الأخلاقي.فهو جزءا من اللعبة.
ومع ذلك، لا معنى للشماتة الحضارية.
فالمنظومة التي سمحت بوجود إبستين هي نفسها التي كشفت أجزاء من قصته.
وهي نفسها التي دفعت بها إلى القضاء والإعلام والرأي العام.
وهذه مفارقة لا يمكن تجاهلها.
لأن المجتمعات لا تقاس فقط بما يقع فيها من جرائم،بل أيضا بقدرتها على كشف الجرائم ومحاسبة أصحابها.
لكن الدرس الأعمق يبقى قائما:
الأخلاق وحدها لا تحمي العالم.
الأخلاق، بلا مؤسسات، تتحول إلى شعار.
والقيم، بلا رقابة على السلطة، تصبح مجرد لغة أنيقة تستخدم في الخطابات، بينما تدار المصالح في الظل.
فضيحة إبستين ليست حكاية عن انحراف.
إنها حكاية عن السلطة حين تتحول إلى شبكة.وعن النفوذ حين يصبح اقتصادا.
وعن الصمت الطويل ،لعالم يسمح بأن يتحول القاع إلى جزء من النظام.