في تطور متصاعد يُعدّ اختبارا حقيقيا لاستقلالية مهنة المحاماة، راج مؤخرا عزم نقباء الهيئات الـ17 بالمغرب تقديم استقالاتهم الجماعية إذا أصرت الحكومة على تمرير مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم المهنة.
وسبق للنقيب الحسين الزياني، رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب أن لوح بهذا التهديد في حوار مع جريدة "أنفاس بريس"، وخو ما يمثل رجة قانونية وسياسية، قادرة على إحداث فراغ مؤسساتي يهدد توازن منظومة العدالة بأكملها، وسط احتجاجات مستمرة تتجاوز النزاع التقليدي إلى حراك مهني واسع.
يأتي هذا الإنذار في سياق معركة نضالية دامت أكثر من شهر بين هيئات المحامين والحكومة في شخص وزارة العدل حول مشروع القانون 66.23، الذي يُنظر إليه كمحاولة لفرض وصاية تنفيذية على الهيئات المنتخبة.
وينتقد المحامون بنودا تتعلق بتدخل الوزارة في التنظيم الذاتي، التأديب، والتكوين، معتبرين إياها انتهاكا للقانون الحالي رقم 28.08 الذي يضمن استقلال المهنة وحصانتها كمؤسسة دستورية.
في تصريح نشرته فاطمة الزهراء الإبراهيمي المحامية بهيئة الدار البيضاء، وصفت المشروع بأنه "يُفرغ المهنة من مضمونها"، مشددة على أن "لا تراجع ولا استسلام ممكنان". وأوضحت أن الاستقالة الجماعية ليست "سيناريو رمزيا" بل "تحذيرا قانونيا وسياسيا جسيما"، سيضع الدولة أمام مسؤولية مباشرة بسبب غياب ممثل شرعي للهيئات.
وأضافت: "المحاماة ليست مجرد جدول أو التزام مالي، بل مهنة، استقلال، وكرامة"، محملة الأحزاب الحكومية مسؤولية "القطيعة مع مؤسسة دستورية".
وحذرت الإبراهيمي من تداعيات كارثية إذا تحققت الاستقالة.
من حانبه يؤكد خالد الغريص، محامٍ بهيئة أكادير، أنها ستخلق "فراغا مؤسساتيا حقيقيا" يطال آليات التنظيم المهني كاملة: التأطير والتكوين المستمر، التأديب، إدارة مصالح المحامين، والإشراف على المساعدة القضائية. وينعكس هذا مباشرة على "ثقة المواطنين في العدالة"، مما يهدد الحق في محاكمة عادلة.
من جانبها، ترى الإبراهيمي أن الاستقالة ستُحوّل النزاع من "مؤسساتي حول مشروع قانون" إلى "حراك مهني مفتوح وفاعل"، يشمل:
- توقفات أطول وأوسع.
- اعتصامات داخل المحاكم.
- تنسيق وطني أفقي خارج القنوات التقليدية.
- ظهور لجان تنسيقية بديلة.
- ضغط مباشر على السلطة التنفيذية دون وسطاء.
وتشدد الإبراهيمي: "إذا خُيّرت القيادة المنتخبة بين الانصياع... وبين الدفاع عن استقلالها، ستدافع عن استقلال المهنة، والتاريخ سيحفظ من كان في الصف".
سياسيا، تُعدّ الاستقالة "ضربة موجعة لصورة الإصلاح التشاركي"، وتشكيكا في خطاب "الحوار مع الهيئات". ستُستثمر داخليًا وخارجيًا انتخابيا، إعلاميا، وحقوقيا، خاصة مع تأثيرها على الأحزاب ذات الامتداد داخل أسر المحامين. وتقف المعارضة على الحدث كـ"دليل على إخفاق الحكومة في تدبير التوازنات".
دوليًا، يحذر الغريص من أن تعطيل المؤسسات المهنية المستقلة يشكل "مؤشرا سلبيا" على التزام المغرب بالمعايير الدولية لاستقلال المحاماة وحماية حقوق المتقاضين، مما يؤثر على صورته في المنتظم الدولي.
ويُشير مراقبون إلى أن هذا التصعيد بين المحامين ووزارة العدل يعكس توترًا أعمق في علاقة الهيئات المهنية بالسلطة التنفيذية، مشابهًا لنزاعات سابقة حول قوانين المهن الحرة. ويُتوقع أن يثير الحدث نقاشا برلمانيا حادا مع اقتراب جلسات النقاش.
كما يُعدّ تلويح الاستقالة "لحظة اختبار حقيقي" لقدرة الدولة على الاستماع للهيئات، وضمان استمرار العدالة وثقة المجتمع فيها، كما يلخصه الغريص. فالمهنة تؤكد: حماية استقلالها "ليس خيارا بل واجب دستوري وأخلاقي".