يشكل اللقاء الذي احتضنته سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في مدريد يوم 8 فبراير 2026 لحظة مِفصلية في مسار ملف الصحراء. بعيداً عن طابعه التقني الظاهر، يبدو أن الاجتماع يندرجُ ضمن مقاربة دولية جديدة تسعى إلى نقل النزاع من دائرة المواقف الإيديولوجية الجامدة إلى مرحلة التفاوض العملي حول تنزيل مشروع الحكم الذاتي الواقعي الذي تقترحه المملكة المغربية.
وِفق المعطيات المتداولة، قد شكل اللقاء أول فضاء لمفاوضات مباشرة حول الحكم الذاتي تحت المِظلة الأمريكية، حيث قدم الوفد المغربي الوثيقة التقنية المُحَيَّنة، التي يقال تمتد على نحو 40 صفحة، وتتضمن تفاصيل دقيقة حول آليات تنزيل الحكم الذاتي، والهندسة المؤسساتية للبرلمان الجهوي، وبنية القضاء المحلي، إضافة إلى تصورات مرتبطة بتدبير الثروات الطبيعية، واستقطاب الاستثمارات الدولية، والجوانب الأمنية، وآليات المواكبة الدولية لتنفيذ المشروع.
إذا تأكدت هذه المعطيات، فإن الأمر لا يتعلق فقط بمقترح سياسي، بل بخارطة طريق تنفيذية متكاملة، وهو ما قد يُفَسِّر التحول التدريجي في طبيعة النقاش الدولي حول الملف.
الولايات المتحدة كوسيط مركزي في المرحلة الجديدة.
أحد أبرز ملامح هذا اللقاء هو تكريس الدور الأمريكي كوسيط رئيسي في الملف. فاختيار سفارة الولايات المتحدة في مدريد لاحتضان الاجتماع يحمل دلالات سياسية وقانونية واضحة، إذ إن انعقاد اللقاء داخل فضاء دبلوماسي أمريكي يعكس رغبة واشنطن في إدارة المرحلة الحالية بشكل مباشر.
الحديث عن قبول إجرائي للوثيقة المغربية المُحيَّنة كمرجع وحيد للتفاوض والحوار يُشكل تحولا نوعياً مقارنة بالمراحل السابقة التي تميزت بتعدد المبادرات وغياب أرضية تفاوض تقنية موحدة.
أما التوجه نحو إنشاء لجنة تقنية دائمة بإشراف أمريكي – أممي، فيعكس انتقال النقاش من مستوى الشعارات السياسية إلى مستوى الهندسة المؤسساتية التفصيلية.
الجزائر بين هشاشة الموقف التقليدي والتكيُّف مع الواقع الدولي.
تشكل مشاركة الجزائر في هذا الاجتماع تطوراً لافتاً في مسار التعاطي مع الملف. فالجزائر ظلت تاريخياً مُتمسكة بمقاربة تقليدية لمفهوم تقرير المصير، تقبل الآن المشاركة في نقاش تقني مرتبط بتنزيل نموذج الحكم الذاتي، ما يؤشر على تحولات في حسابات التوازنات الدولية والإقليمية.
في المقابل، نتابع رفض الجزائر الظهور في صورة جماعية مع الوفد المغربي يعكس رغبة في الحفاظ على التوازن الرمزي والسياسي داخلياً وخارجياً، أي المشاركة في النقاش دون تحمل كلفة سياسية مرتبطة بصورة التطبيع السياسي قبل الحل النهائي.
رمزية مدريد: من اتفاقيات 1975 إلى مفاوضات 2026
يبقى العامل الأكثر رمزية في هذا الحدث هو مكان انعقاده. فمدريد ليست مدينة عادية في تاريخ ملف الصحراء، بل هي العاصمة التي شهدت سنة 1975 توقيع الاتفاق الذي أنهى الإدارة الاستعمارية الإسبانية للصحراء.
بعد نصف قرن تقريباً، يعود ملف الصحراء إلى مدريد، ولو داخل السفارة الأمريكية، في مشهد يحمل دلالات تاريخية قوية. وكأن المسار التاريخي ينتقل من لحظة إنهاء الاستعمار إلى لحظة البحث عن صيغة نهائية ومستقرة لتدبير الإقليم في إطار السيادة المغربية مع آليات حكم ذاتي محلي.
إن رمزية المكان والتاريخ تُضفي على لقاء مدريد بُعداً يتجاوز الإطار الدبلوماسي المباشر، ليضعه في سياق تاريخي طويل مرتبط بتحولات الجغرافيا السياسية في المنطقة.
المغرب واستراتيجية ترسيخ الواقعية السياسية.
من زاوية استراتيجية، يبدو أن المغرب يواصل نهج دبلوماسية تراكمية تقوم على ثلاث ركائز أساسية:
ـ تعزيز الاعتراف الدولي بسيادته على الصحراء.
ـ تقديم تصور مؤسساتي وتقني مفصل للحكم الذاتي.
ـ ربط الملف بالديناميات الاقتصادية والأمنية الإقليمية والدولية.
هل سيكون 2026 عاماً حاسماً؟
تتحدث بعض التحليلات عن محاولة أمريكية لتسريع إغلاق الملف قبل منتصف سنة 2026، وهو ما قد يرتبط بإعادة تشكيل التوازنات في منطقة الساحل، والتحولات في أسواق الطاقة، وضرورات الاستقرار الأمني الإقليمي، واحتمال التوصل إلى اتفاق إطار سياسي خلال جولات قادمة، يعني الانتقال النهائي من مرحلة التفاوض السياسي العام إلى مرحلة التنفيذ المؤسساتي على الأرض.
قد لا يكون لقاء مدريد نهاية مسار طويل ومُعَقد، لكنه يُشكل بداية مرحلة جديدة ينتقل فيها ملف الصحراء من الصراع حول المبادئ العامة إلى النقاش حول التفاصيل التطبيقية.
وإذا استمرت الدينامية الحالية، فقد يسجل التاريخ أن مدريد 2026 لم تكن مجرد محطة تفاوضية، بل بداية مسار قد يقود إلى التسوية النهائية لهذا النزاع الذي استمر لعقود.