ما تشهده الحدود الشرقية للمملكة، خاصة بمنطقة إيش بإقليم فكيك، يتجاوز توصيف الحوادث العرضية أو الانزلاقات الميدانية المحدودة، ويدخل ضمن منطق الرسائل الجيوسياسية المرتبطة بسياق تفاوضي أوسع. فالتحركات الاستفزازية لعناصر من الجيش الجزائري، بما في ذلك إطلاق النار في الهواء قرب فلاحين مغاربة يمارسون نشاطهم المعيشي على أراضيهم، تأتي في لحظة إقليمية دقيقة تتقاطع فيها المسارات الدبلوماسية مع حسابات التموقع والنفوذ. مما يمنح الوقائع الميدانية معناها الحقيقي، باعتبارها أداة ضغط غير مباشر مرافقة لمسار سياسي يجري خارج السيطرة الجزائرية المباشرة.
وتمثل محادثات مدريد، في الوعي الإستراتيجي الجزائري، حلقة جديدة ضمن مسار دولي يعزز المقاربة السياسية الهادئة التي راكمها المغرب، ويكرس صورة الإستقرار كرافعة أساسية لأي حل إقليمي. وفي هذا السياق، تتحول الحدود إلى فضاء للتذكير بالقدرة على الإزعاج، وإلى وسيلة لإعادة إدخال عنصر التوتر في معادلة يراد لها أن تبقى مفتوحة على احتمالات القلق وعدم اليقين. وبذلك تكون الرسالة هنا موجهة إلى أكثر من طرف، وفحواها أن تجاوز الجزائر في ترتيبات المنطقة يوازي فتح باب هشاشة أمنية قابلة للتوسع.
كما تحمل التحركات العسكرية المحدودة، أيضا بعدا تكتيكيا يرمي إلى نقل النقاش من منطق السياسة إلى منطق الأمن. وحين يصبح الحديث عن الإستقرار الإقليمي مقرونا بإشارات ميدانية مقلقة، يتحول الملف من طاولة الدبلوماسية إلى حسابات المخاطر، وهو المجال الذي تراهن فيه المؤسسة العسكرية الجزائرية على استعادة مركزية دورها. و يخدم هذا التحويل تصورا يرى في القوة الخشنة أداة حضور، وفي التوتر وسيلة فرض ذات. خاصة عندما تتقدم المقاربة السياسية بخطى ثابتة لصالح طرف آخر.
كما يظل البعد الداخلي حاضرا بقوة في هذا السلوك، لأن المؤسسة العسكرية الجزائرية تحتاج، في لحظات التفاوض الخارجي، إلى تجديد شرعيتها الرمزية عبر خطاب حماية الحدود واستعراض الجاهزية. فما يقع في إيش يتم استثماره داخليا كدليل يقظة وحزم، ويقدم خارجيا كتوتر حدودي يستدعي الإنتباه، بما يسمح بإعادة إنتاج صورة الجيش كفاعل مركزي في معادلة الدولة والقرار.
وفي المقابل، يواصل المغرب بناء رصيده الإستراتيجي عبر ضبط النفس والتعامل المسؤول مع الاستفزازات. وهو السلوك الذي يعمق الفارق في الصورة لدى الشركاء الدوليين، بين دولة تراكم الإستقرار وتراهن على السياسة، وطرف يوظف التوتر كأداة تفاوض موازية. وفي ميزان العلاقات الدولية، يتحول هذا الفارق مع الزمن إلى عنصر حاسم في تحديد المصداقية، وفي ترجيح كفة من يملك صورة الدولة الهادئة القادرة على تدبير الخلافات دون الانزلاق إلى منطق التصعيد.