lundi 9 février 2026
مجتمع

التطوع والتضامن في المجتمع المغربي: من القيم الأصيلة إلى المأسسة الحديثة

التطوع والتضامن في المجتمع المغربي: من القيم الأصيلة إلى المأسسة الحديثة عبد الكريم الغنامي عامل إقليم تاونات ومشهد من الفيضان

لطالما شكلتا قيمتا التطوع والتضامن إرثاً مجتمعياً أصيلاً في المغرب، تجسَّد عبر العصور في أشكال عفوية من التعاون والتآزر، كـ"التويزة" و"الوزيعة"، لمواجهة الصعاب وتلبية الاحتياجات المشتركة. هذا النسيج التضامني التقليدي يمثل رصيداً ثقافياً واجتماعياً ثميناً، لكن تحوُّلات المجتمع الحديث وتَعقُّد طبيعة الأزمات المعاصرة – من كوارث طبيعية إلى أوبئة – تفرض إعادة نظر في آليات تفعيل هاتين القيمتين، بحيث تواكب متطلبات العصر وتتكيف مع هياكل الدولة الحديثة.

 

في هذا السياق، يبرز تحدِّي التنسيق بين المبادرات التطوعية التلقائية والمؤسسات الرسمية، خاصة السلطات المحلية والجماعات الترابية. فالعمل التضامني العفوي، رغم نبله وفوريته، قد لا يمتلك الإمكانيات التنظيمية أو الموارد الكافية للاستجابة الفعالة والشاملة في الأزمات الكبرى. من هنا، تصبح إقامة جسور واضحة للتعاون بين الطرفين أمراً حتمياً، يضمن عدم تشتت الجهود ويُحقق التكامل بين الحرارة الإنسانية للمبادرات الشعبية والتنظيم المؤسساتي للدول.

 

ولعل أحد الدوافع الأساسية لهذا التنسيق هو تجنُّب الانزلاق نحو ممارسات مشبوهة، كالفساد أو سوء التسيير، التي شابت بعض المبادرات في مناسبات سابقة. فغياب الشفافية والمحاسبة يهدد بتحويل العمل التطوعي النبيل إلى ساحة للاستغلال، مما يفقد المجتمع الثقة في هذه الآلية الحيوية. لذلك، فإن إلزام المبادرات التطوعية بمعايير الوضوح، والمساءلة، والالتزام بالأطر القانونية، ليس تقييداً لها، بل حمايةً لمصداقيتها وضماناً لاستدامة أثرها.

 

تظهر هذه الضرورة بوضوح في حالة إقليم تاونات وغيره من الاقاليم من الاقليم المنكوبة بفعل الفياضانات المهولة، حيث تستدعي معاناة المنكوبين نموذجاً متكاملاً يجمع بين حماس المجتمع المدني وفاعلية المؤسسات. فالتنسيق بين "لجنة دعم منكوبي إقليم تاونات" والسلطات المحلية –من خلال خلايا أزمة مشتركة، وتقاسم المعلومة، وتوزيع الأدوار – يمكن أن يحوّل التضامن العفوي إلى استجابة منظمة عادلة وفعالة. ولا يعني هذا إلغاء دور المبادرات المدنية، بل إدماجها في إطار مؤسسي شفاف يحترم مبادرتها ويُوجّه طاقاتها الوجهة المثلى.

 

هذه المقاربة التشاركية، التي تجمع بين الدولة والمجتمع المدني، هي في صميم الديمقراطية التشاركية التي يتبناها المغرب. فهي لا تضمن الاستفادة من المعرفة المحورية للمتطوعين وقربهم من حاجات المواطنين فحسب، بل تعزز أيضاً مبدأ المسؤولية المشتركة والمواطنة الفاعلة. إن نحت هذا الخيار في التعامل مع الأزمات – أي خيار الشراكة الواضحة والمؤطرة – هو الكفيل بتحويل قيم التطوع والتضامن من تراث تقليدي نبيل إلى ركيزة عصرية للتنمية والتكافل الاجتماعي، تحافظ على الأصالة وتستجيب لمقتضيات الحكامة الجيدة والدولة القانونية