mardi 3 février 2026
اقتصاد

إدريس الفينة: رهانات استدامة الدين العمومي

إدريس الفينة: رهانات استدامة الدين العمومي نادية فتاح، وزيرة الاقتصاد والمالية وإدريس الفينة

يُظهر تحليل الدين العمومي المغربي في أفق سنة 2025، ضمن المسار الممتد بين 2019 و2025، وجود دينامية مديونية قوية لكنها إجمالًا مُتحكَّم فيها. غير أن استدامتها لم تعد ترتبط أساسًا بحجم الدين القائم، بقدر ما باتت رهينة بالعلاقة بين النمو الاقتصادي، وكلفة التمويل، وصلابة النفقات الميزانياتية.

 

خلال الفترة 2019–2025، عرف رصيد الدين الداخلي للخزينة ارتفاعًا متواصلًا، منتقلًا من حوالي 561 مليار درهم إلى نحو 789 مليار درهم، أي بزيادة تفوق 40% خلال ست سنوات. وبالقياس إلى الناتج الداخلي الإجمالي الاسمي المُقدَّر بحوالي 1.642 مليار درهم سنة 2025، يمثل الدين الداخلي قرابة 48% من الناتج، مقابل حوالي 43% سنة 2019. ويعكس هذا التطور لجوءًا متزايدًا إلى السوق الداخلية لتمويل العجوزات المتتالية، لا سيما عقب صدمات الفترة 2020–2022، واستمرار مستوى مرتفع من الاستثمار العمومي ابتداءً من 2023.

 

ويُقدَّر الدين العمومي الإجمالي للإدارة المركزية، بما في ذلك المكوّن الخارجي، بنحو 69% من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2025. ورغم أن هذه النسبة تبقى دون المستويات المسجلة في عدد من الاقتصادات الصاعدة المماثلة، فإنها تظل أعلى بشكل ملموس مقارنة بما قبل الجائحة. أما الدين الخارجي فيمثل حوالي 20% إلى 22% من الناتج، ما يؤكد أن بنية الدين المغربي تظل في غالبيتها داخلية، وهو عنصر مهم من عناصر الصلابة، إذ يحد من التعرض لمخاطر سعر الصرف وتقلبات الأسواق المالية الدولية.

 

غير أن تطور الدين يجب تقييمه أيضًا من زاوية كلفته. فقد شهدت أعباء فوائد الدين ارتفاعًا سريعًا خلال الفترة الأخيرة، إذ انتقلت من نحو 27 مليار درهم سنة 2019 إلى قرابة 44 مليار درهم سنة 2025، أي بزيادة تفوق 60%. ويعكس هذا الارتفاع تزايد رصيد الدين من جهة، وارتفاع كلفة التمويل في سياق تشديد السياسة النقدية عالميًا من جهة أخرى. وفي سنة 2025، تستحوذ فوائد الدين على نحو 11% من الموارد العادية للدولة، وحوالي 2.5% إلى 3% من الناتج الداخلي الإجمالي، مقابل أقل من 8% وحوالي 2% في بداية الفترة. وتشير هذه الدينامية إلى تزايد صلابة النفقات الميزانياتية وتراجع هوامش المناورة.

 

وتظل استدامة الدين رهينة بالعلاقة بين معدل النمو الاسمي للاقتصاد ومعدل الفائدة الفعلي على الدين. وخلال الفترة 2019–2025، استفاد المغرب من تعافٍ في النمو الاسمي ابتداءً من 2022، مدعومًا بانتعاش النشاط الاقتصادي وتضخم معتدل، ما ساهم في كبح تدهور نسبة الدين إلى الناتج، رغم استمرار العجوزات الميزانياتية المرتفعة. غير أن احتمال تباطؤ النمو الحقيقي، مقرونًا بكلفة تمويل أعلى على نحو مستدام، يشكل عامل مخاطر على المدى المتوسط.

 

ويتمثل مؤشر آخر محوري للاستدامة في الحاجيات الإجمالية للتمويل، التي تُقدَّر سنة 2025 بنحو 10% إلى 11% من الناتج الداخلي الإجمالي، وهو مستوى يُعد قابلًا للتدبير في ظل عمق كافٍ لسوق الدين الداخلي. إلا أن هذه القابلية تبقى مشروطة بقدرة السوق الداخلية على امتصاص إصدارات الخزينة، وباستمرار شروط إعادة التمويل الملائمة.

 

وتُبرز الفترة 2019–2025 تحوّلًا في طبيعة القيد الميزانياتي بالمغرب. فالدين العمومي يبدو قابلًا للاستدامة على المدى القصير والمتوسط، بالنظر إلى هيمنته الداخلية، وآجاله النسبية الطويلة، وتنوع مصادر تمويله. غير أن المنحى التصاعدي لأعباء الفوائد، وتزايد النفقات الجامدة، لا سيما كتلة الأجور، يزيد من حساسية التوازنات الميزانياتية لأي صدمة في النمو أو لتشديد مطوّل في الأوضاع المالية.

 

وفي هذا السياق، لا يتمثل التحدي المركزي خلال السنوات المقبلة في مجرد تثبيت نسبة الدين إلى الناتج الداخلي الإجمالي، بل في تحسين الفارق بين النمو وكلفة الدين بشكل مستدام. ويقتضي ذلك تقويمًا ميزانياتيًا نوعيًا، قائمًا على التحكم في النفقات الجامدة، ورفع نجاعة الاستثمار العمومي، بما يعزز إمكانات النمو، ويكرس في نهاية المطاف استدامة الدين العمومي.