أثار خطاب وزير العدل الأخير حول أموال الموكلين جدلا واسعا، إذ وضع المحامي في مواجهة اتهامات ضمنية، متجاوزا النصوص القانونية الواضحة التي تنظم هذه العلاقة منذ سنوات. فقد ركز الخطاب على إثارة المخاوف بشأن حقوق الموكلين المالية، وكأنه يشير الى ثغرة في المهنة، بينما الواقع القانوني يوضح أن هذه العلاقة منظمة بدقة. وهنا تبدأ المفارقة: خطاب سياسي يطرح شبهة، ونص تشريعي يرسخ ضمانة حماية واضحة.
وفي ضوء هذا التنظيم القانوني الواضح، حسم المشرع المغربي هذه المسألة منذ زمن، حين نص في المادة 57 من القانون رقم 28.08 على إحداث حساب ودائع وأداءات المحامين على مستوى كل هيئة، يديره مجلسها، وتودع به وجوبا كل المبالغ المسلمة للمحامين على سبيل الوديعة، وتنجز عبره كل الأداءات لفائدة الموكلين أو الغير. بهذا التنظيم، يصبح المال خارج الذمة الشخصية للمحامي، ولا يخضع لتصرفه الفردي، بل يدار داخل إطار مؤسساتي واضح يضمن حماية الحقوق ويعزز الثقة في المهنة.
ولم يتوقف التشريع عند هذا الحد، بل توسع ليشمل الأطراف الخارجية أيضا، فقد ألزم المشرع مصالح التنفيذ والمفوضين القضائيين، بالإضافة الى الإدارات العمومية، والمؤسسات شبه العمومية، والشركات، بإيداع المبالغ الناتجة عن تنفيذ المقررات القضائية في نفس الحساب، مع ترتيب جزاء قانوني بالغ الدلالة، يتمثل في انعدام القوة الإبرائية لأي أداء مخالف لهذه المقتضيات. وهكذا، أضحى المال العام والخاص محميا داخل إطار متكامل، لا من خلال الشكوك أو الاتهامات، بل عبر نصوص واضحة وحاسمة.
وعند الانتقال الى مشروع القانون رقم 66.23، المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة يظهر استمرار هذه الفلسفة الجوهرية، حيث تم إعادة إنتاجها في المادة 75، مع توسيع نطاق الإيداع ليشمل جميع المبالغ المسلمة للمحامي، بما فيها أموال الموكلين، مع الإبقاء على قاعدة انعدام القوة الإبرائية. غير أن المشروع حذف الإلزام الصريح للإدارات والمؤسسات، وركز الالتزام داخل المهنة وحدها، ما يثير تساؤلات جدية حول توازن المسؤوليات وتوزيع الأعباء. كما جاءت المادة 76 من نفس المشروع لتؤطر مسطرة تصفية المبالغ المودعة، وربطت تسليم الأتعاب والمصروفات باتفاق مع الموكل أو بقرار قضائي نهائي، وتسليم الباقي لمستحقيه، مؤكدة أن المشروع لا ينهي علاقة المحامي بالمال، بل يعيد ترتيبها داخل مسار أكثر تعقيدا ومسؤولية. ومن الجدير بالملاحظة هنا أن رقم المادة التي تطرقت الى هذا الحساب في القانون الحالي هو 57، بينما تقابلها في المشروع المادة 75، وما يظهر في هذا التغيير الرقمي لا يعدو كونه تعديلا شكليا، فليس قلب الرقم كافيا لقلب ثقة الناس، فالواقع القانوني لم يتغير بتبديل رقم من 57 الى 75.
وبذلك، يتضح أن العدالة لا تبنى بتبادل الاتهامات، ولا بقلب أرقام المواد القانونية، بل بتكامل الأدوار، وبخطاب مسؤول ينسجم فيه القول مع النص، والإصلاح مع الثقة، والتخليق مع احترام الضمانات المهنية. وفي هذا السياق، يصبح الحفاظ على استقلالية المحاماة وضمانتها في حماية المال العام والخاص جزءا لا يتجزأ من بناء عدالة متوازنة وموثوقة، حيث يظل المحامي سندا للموكلين وحاميا لحقوقهم المالية داخل مسار قضائي منظم.
د/ أحمد حموش
محام بهيئة المحامين بالدار البيضاء