تنشر جريدة "أنفاس بريس" حلقات من ذكريات ومذكرات الكاتب الصحافي محمد شروق، انطلاقا من قضائه للخدمة المدنية بوزارة الداخلية والإعلام (قطاع الإعلام) في 01 دجنبر 1986؛ إلى إحالته على المعاش في 25 مارس 2024، بعمالة الدار البيضاء أنفا كمسشار للعامل في الصحافة والاتصال.
مع بداية سنة 1998، سيتم تعيين العامل إدريس العموني القادم من إقليم شيشاوة. لم نكن نعلم عنه شيئا سوى أنه متزوج بأخت زوجة إدريس البصري، وأنه أصبح عاملا لإقليم شيشاوة بعد أن كان موظفا عاديا بمنطقة سطات.
مباشرة بعد حلوله بعمالة المحمدية، سيتوصل العامل الجديد بسيارة مرسيديس جديدة، وكان الأمر استثناء لأنه في تلك السنة كانت بداية حكومة التناوب بقيادة الأستاذ الراخل عبد الرحمان اليوسفي، الذي أصدر مذكرة بتوقيع وزير المالية فتح الله ولعلو بعدم اقتناء سيارات الدولة إلا للضرورة القصوى.
شخصيا، تابعت عملي كالعادة: ملخص يومي للصحافة وتحليل وإحصائيات و إرسال مقالات للنشر وتواصل مع الصحافيين.
مع مرور الوقت، لاحظت أن العامل الجديد غير مهتم أبدا بتغطية أنشطته في الصحافة أو ما يتعلق بهذا المجال.
كان أول قرار اتخذه هو خصم 50% من حصص البنزين لجميع من يستفيد منها. وبدون استثناء، من الباشا إلى رجال السلطة ورؤساء الأقسام. حتى ذلك الرجل الطيب (نسيت اسمه) الذي كان يوزع بريد العمالة على الدوائر عبر دراجته النارية، أصبحت حصته 75 درهم عوض 150.
هنا لابد من الإشارة إلى أن حصة العامل كانت هي 30 ألف درهم من البنزين موزعة على سيارتين خاصتين به إضافة إلى سيارتين لخدمة بيته!!.
أما أنا، فأصبحت حصتي هي 250 درهم للشهر طبعا.
سأغير سيارة رونو 4 بواحدة من نفس النوع لكن أفضل منها. وكالعادة، لم أطلب شيئا بل كانت مبادرة من الحاج جمال الذي كان مشرفا على حظيرة السيارات بالعمالة.
بالنسبة للعامل العموني، كان يحضر بعض الأنشطة خارج أو يحضر اجتماعات داخلها؛ ولم أسمع له طيلة سنتين تدخلا أو توجيها أو صوتا..كان يغادر العمالة على أبعد تقدير في الساعة الخامسة زوالا، علما أن التوقيت السابق كان في حدود السادسة والنصف.
و السبب؟ فإذا كان مفروضا قانونا على أي رجل سلطة مغادرة حدود قيادته commandement، فإن العموني لم يقطن أصلا بالمحمدية بل بمدينة بنسليمان. وكان يطلب من مساعديه خاصة ديوانه ألا يتصلوا به يومي السبت والأحد إلا في حالة زيارة ملكية محتملة أو لضرورة تستدعي انتقاله من مدينة بنسليمان مقر إقامته.
شخصيا بعد مرور حوالي شهرين. وبعد أن تأكدت أن العامل غير مهتم بالمجهود الذي أقوم به، تتبعت استراتيجية جديدة وهي الحضور إلى مكتبي على الساعة العاشرة والنصف صباحا وإعداد ملخص الصحف بسرعة، وأعود إلى بيتي بعين حرودة حتى اليوم الموالي. وفي بعض الأيام، كنت أغيب بدون مبرر ولا اتصال دون أن يسأل عني أحد.
هكذا ستمر سنتان دون ألتقي أو أتكلم مع هذا العامل الذي مر بعمالة المحمدية مرور الكرام، وهو طبعا أحد النماذج التي ضيعت على "مدينة الزهور والرياضات الجميلة" سنتين من عمرها.
كل هذا منح لي الوقت للعودة إلى التعاون مع جريدة "بيان اليوم". ففي صيف 1998، سيطلب مني تعويض رئيس القسم الرياضي محمد الروحلي الذي
رحل إلى فرنسا لتغطية منافسات كأس العالم 1998.
وافقت على الفور وطلبت إجازة مستعجلة من العمالة لأصبح بعد يومين صحافيا مكتمل العضوية بجريدة "بيان اليوم" لإنجاز ونشر ثلاث صفحات يومية عن منافسات كأس العالم رفقة الصديق محمد نجيب الذي كان صحافيا بالقسم الرياضي بالجريدة، وتحت إشراف المدير الأستاذ محمد نبيل بنعبد الله، الذي اكتشفت فيه الإنسان المهني الخلوق والطيب. حتى هو اكتشف في الصحافي المهني الانضباط. كنت أحضر يوميا اجتماعات التحرير وأساهم في النقاش.
قضيت بالجريدة 26 يوما توصلت بعدها بتعويض مهم. في اليوم الموالي، سألتحق بالعمالة لأمارس عملي بريتم ثقيل فرضته ظروف الاشتغال مع عامل؛ آخر اهتماماته هي الصحافة.
بعد أسبوع سيسأل عني المدير بنعبد الله لإنجاز ربورتاج بمدينة طنجة، ليخبروه بأنني أشتغل بعمالة المحمدية كملحق صحافي.
في سنة 2002، سيتم تعيين الأستاذ نبيل بنعبد الله وزيرا للاتصال بحكومة إدريس جطو، لأنه قبل ذلك انتخب أمينا عاما لحزب التقدم والاشتراكية.
وبما أنني إطار تابع أصلا لوزارة الاتصال؛ ملحقا بوزارة الداخلية، كنت أتردد في العودة إلى وزارتي الأصلية لأفاجىء الوزير بأنني تابع للاتصال، وكنت مؤكدا أنه سيرحب بي لأنني تركت لديه انطباعا جيدا عندما اشتغلت معه بجريدة "بيان اليوم".
كان يحضر إلى مدينة المحمدية في إطار أنشطته الوزارية، وألتقيه وأتكلم معه. كما كنا نلتقي في الحفل الذي تقيمه مؤسسة "البيان" كل شهر رمضان.
كنت أفكر في العودة إلى الرباط وإلى الرحلات اليومية عبر القطار Navette. لكن، قررت في الأخير البقاء بالمحمدية لأنني كنت قد رزقت بطفلين (بنت وولد)، وفضلت رعايتهما والحفاظ على الاستقرار والقرب من أسرتي وعائلتي.
بالعودة إلى العامل إدريس العموني رحمه الله، ستمر عامان بدون أي عمل أو أثر يذكر. ليحل أول يوم من سنة 2000، ويحل معه بالمحمدية عامل جديد هو إدريس الخزاني خريج المعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي. كان قد اشتغل رئيسا لديوان وزير الصحة، ثم مديرا للتعاون الصحي بنفس الوزارة، ومديرا للتهيئة والاستثمار بوزارة السياحة فمديرا عاما للمكتب الوطني للسياحة.
عامل جديد ومنهجية جديدة واستراتيجية جديدة، والتفاصيل في الحلقة المقبلة إن شاء الله.
يتبع..