mercredi 28 janvier 2026
كتاب الرأي

عبد الإلاه القصير: حول ديناميات التأثير الإعلامي في عصرنا الرقمي

عبد الإلاه القصير: حول ديناميات التأثير الإعلامي في عصرنا الرقمي عبد الإلاه القصير

لم تعد إشكالية الإعلام المعاصر مقتصرة على مسألة إتاحة المعلومات، بل انتقلت إلى مستوى أعمق يتعلق بطبيعة العلاقة بين المتلقي والخطاب الإعلامي. ففي سياق تتكاثر فيه القنوات والمنصات وتتسارع فيه وتيرة تدفق الأخبار، لم يعد الإعلام يؤدي وظيفة النقل المحايد للوقائع فحسب، بل أصبح فاعلًا بنيويًا في تشكيل الإدراك الجماعي، وتوجيه الأولويات، وبناء التمثلات الذهنية حول القضايا والأحداث.

 

يمكن فهم هذا الدور من خلال تصور بيير بورديو للإعلام بوصفه جزءًا من الحقل الإجتماعي الذي يخضع لصراعات القوى والرساميل (الرمزية، الثقافية، الاقتصادية). فالإعلام لا يعكس الواقع بصورة بريئة، بل يشارك في إنتاج المعنى الشرعي حوله، أي تحديد ما يُعتبر حقيقة، وما يُعد مهمًا، ومن يملك سلطة الكلام. ومن خلال ما يسميه بورديو العنف الرمزي، يمكن أن تُفرض تصورات معينة للعالم على الأفراد بطريقة غير مباشرة وغير محسوسة، بحيث يتبنونها باعتبارها طبيعية أو بديهية.

 

إن آليات الانتقاء، والتأطير (Framing)، وإعادة التكرار، والاعتماد المكثف على الشحن العاطفي والصور الرمزية، تجعل من الخطاب الإعلامي قوة مؤثرة في تحديد ما يُعتبر مهمًا، وما يُنظر إليه كخطر، وما يُصنَّف كقضية مركزية أو هامشية. وبهذا المعنى، يتحول المتلقي - في غياب المسافة النقدية - من فاعلٍ معرفي إلى موضوع للتأثير، حيث تُستثار استجاباته الانفعالية قبل أن تتشكل مواقفه على أساس التحليل العقلاني.

 

وتتضاعف هذه الإشكالية مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، التي غيّرت بنية المجال الإعلامي ذاته. فالمعلومة لم تعد تمر عبر مسارات تحريرية واضحة، بل أصبحت تنتشر عبر شبكات لامركزية تحكمها خوارزميات ت تُعطى الأولوية للمحتوى القادر على إثارة التفاعل (انفعال، غضب، صدمة) بدل المحتوى الأكثر دقة أو مصداقية.

 

في هذا السياق تظهر فقاعات التصفية (Filter Bubbles)، وهي نتيجة عمل الخوارزميات التي تقوم بتخصيص المحتوى وفقًا لسلوك المستخدم السابق (ما يقرأه، يعجبه، يشاركه). ومع مرور الوقت، يتعرض الفرد لنمط متكرر من المضامين المتشابهة، فيُحجب عنه جزء واسع من الآراء والوقائع المخالفة. الفقاعة هنا لا تعني مجرد التفضيل، بل تضييق الأفق المعرفي بشكل غير مرئي، حيث يظن الفرد أنه يرى “الصورة الكاملة”، بينما هو في واقع الأمر يرى نسخة مُنتقاة منها. إضافة إلى ذلك هناك ما يصلح عليه بغرف الصدى (Echo Chambers) التي ترتبط أكثر بالبنية الاجتماعية للتفاعل. إذ يميل الأفراد إلى الارتباط بأشخاص يشبهونهم في التوجهات الفكرية والسياسية. داخل هذه الدوائر، يعاد تداول نفس الأفكار والمواقف بصورة مستمرة، بحيث تكون النتيجة تعزيز القناعات القائمة بدل التحقق منها. ومع التكرار، يكتسب الرأي المشكل طابع “الحقيقة الجماعية”، ويُنظر إلى الآراء المخالفة باعتبارها شاذة أو تهديدًا، مما يغذي الاستقطاب ويضعف التفاعل العقلاني.

 

الفرق الجوهري أن فقاعة التصفية تُنتَج أساسًا عبر الخوارزميات، بينما غرفة الصدى تُبنى عبر الديناميات الإجتماعية، غير أنهما يتفاعلان معًا ليشكلا بيئة معلوماتية مغلقة تعزز قابلية الأفراد للتأثر بالسرديات الموجهة، وتُضعف قدرتهم على إدراك تعددية الواقع.

 

ومن أجل تجاوز هذا الوضع فإن الأمر لا يقتضي موقفًا عدائيًا تجاه الإعلام أو التكنولوجيا، بل يستدعي ترسيخ ثقافة نقدية قوامها التمييز بين الخبر والرأي، وبين المعطى الواقعي والتأويل، وبين المعلومة الموثوقة والمحتوى المتداول بلا سند أو أدلة. كما يتطلب الأمر فهم آليات اشتغال المنصات الرقمية، وتنمية مهارات التحقق، والاعتراف بتعقيد الظواهر الاجتماعية والسياسية، ورفض الاختزال والتبسيط المفرطين.

 

وعليه، فإن التحرر من التشكّل غير الواعي عبر الإعلام يبدأ من بناء ذاتٍ نقدية، تدرك أن الوعي نفسه يمكن أن يكون موضوعًا للصياغة والتوجيه، خاصة في بيئة رقمية تتداخل فيها المعلومة، والرأي، والدعاية، والترفيه في فضاء واحد.