samedi 24 janvier 2026
فن وثقافة

نبيل ملين في كتابه "أعلام ورايات المغرب".. رحلة توثيقية عبر التاريخ

نبيل ملين في كتابه "أعلام ورايات المغرب".. رحلة توثيقية عبر التاريخ يستعرض محمد نبيل ملين في كتابه «أعلام ورايات المغرب» تاريخ الأعلام المغربية من المرابطين إلى العصر الحديث

يقدم‭ ‬الباحث‭ ‬محمد‭ ‬نبيل‭ ‬ملين‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬«أعلام‭ ‬ورايات‭ ‬المغرب»‭ ‬تحليلا‭ ‬عميقا‭ ‬ونقديا‭ ‬لتطور‭ ‬الأعلام‭ ‬كرموز‭ ‬سياسية‭ ‬تعكس‭ ‬آليات‭ ‬السلطة‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭ ‬المغربي‭. ‬يبتعد‭ ‬ملين‭ ‬عن‭ ‬الروايات‭ ‬الوطنية‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬العلم‭ ‬بالهوية‭ ‬الشعبية،‭ ‬مفضلا‭ ‬رؤية‭ ‬تاريخية‭ ‬تراه‭ ‬أداة‭ ‬سيادية‭ ‬تميز‭ ‬الحكام‭ ‬عن‭ ‬المحكومين‭.‬
اعتمد‭ ‬المؤلف‭ ‬على‭ ‬مصادر‭ ‬مكتوبة‭ ‬واسعة‭ ‬ليربط‭ ‬تحولات‭ ‬الأعلام‭ ‬بالصراعات‭ ‬على‭ ‬الشرعية،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬الكتاب‭ ‬مدخلا‭ ‬أساسيا‭ ‬لفهم‭ ‬ديناميات‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬الطويل‭.‬
يبرز‭ ‬ملين‭ ‬المنهجية‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬العلم‭ ‬كمحور،‭ ‬حيث‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الأبعاد‭ ‬السياسية‭ ‬والدينية‭ ‬والإيديولوجية‭ ‬والدبلوماسية‭. ‬يرفض‭ ‬التاريخ‭ ‬الخطي‭ ‬البسيط،‭ ‬ويفكك‭ ‬الأساطير‭ ‬والتأويلات‭ ‬المتسرعة،‭ ‬معيدا‭ ‬الأعلام‭ ‬إلى‭ ‬سياقها‭ ‬كرموز‭ ‬للمهابة‭ ‬والطاعة‭ ‬والاستقلال‭. ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬يفتح‭ ‬آفاقا‭ ‬لقراءة‭ ‬نقدية‭ ‬تجدد‭ ‬فهم‭ ‬التاريخ‭ ‬المغربي‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الإسقاطات‭ ‬المعاصرة‭.‬

 

أصول‭ ‬الأعلام‭ ‬عالميا

يبدأ‭ ‬ملين‭ ‬الكتاب‭ ‬بسرد‭ ‬تاريخي‭ ‬عام‭ ‬للأعلام،‭ ‬مشددا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬استعمالها‭ ‬سابق‭ ‬لنشوء‭ ‬الدول‭ ‬المؤسساتية‭. ‬ارتبطت‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬بفنون‭ ‬الحرب‭ ‬للتمييز‭ ‬بين‭ ‬الجماعات‭ ‬وتحديد‭ ‬مواقع‭ ‬القادة‭. ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬اكتسبت‭ ‬أبعاداً‭ ‬رمزية‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬معتقدات‭ ‬كونية‭ ‬أو‭ ‬دينية،‭ ‬منحت‭ ‬الجماعات‭ ‬شعوراً‭ ‬بالقوة‭ ‬والتماسك‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬اختيار‭ ‬ألوان‭ ‬بعينها‭ ‬ورموز‭ ‬طوطمية‭ ‬أو‭ ‬أشكال‭ ‬كونية‭ ‬أو‭ ‬زخارف‭ ‬خطية‭ ‬محددة‭ ‬يوحي‭ ‬بكونها‭ ‬طلاسم‭ ‬أو‭ ‬تمائم‭ ‬كفيلة‭ ‬بحماية‭ ‬المقاتلين‭ ‬ومدهم‭ ‬بالقوة‭ ‬وإلقاء‭ ‬الذعر‭ ‬في‭ ‬قلوب‭ ‬العدو،‭ ‬وفيما‭ ‬بعد‭ ‬أصبحت‭ ‬الأعلام‭ ‬تعكس‭ ‬قوة‭ ‬الجماعة‭ ‬وتماسكها،‭ ‬حيث‭ ‬غدا‭ ‬الاستيلاء‭ ‬عليها‭ ‬لايعني‭ ‬فقط‭ ‬إذلال‭ ‬العدو،‭ ‬ولكن‭ ‬أيضا‭ ‬تملك‭ ‬قوته‭ ‬الخارقة‭ ‬وروحه‭ ‬المعنوية‭.‬
ووفق‭ ‬ملين،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬العلم‭ ‬يسمح‭ ‬برؤية‭ ‬النظام‭ ‬القائم،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬إسقاط‭ ‬هذه‭ ‬الأداة-الفكرة‭ ‬أو‭ ‬اتخاذ‭ ‬أخرى‭ ‬منافسة‭ ‬له‭ ‬يعني‭ ‬رمزيا‭ ‬إعلان‭ ‬الثورة‭.‬
مع‭ ‬ظهور‭ ‬الكيانات‭ ‬المركزية‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬الرافدين‭ ‬ومصر‭ ‬وفارس‭ ‬والصين‭ ‬منذ‭ ‬الألفية‭ ‬الثالثة‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد،‭ ‬تحول‭ ‬العلم‭ ‬إلى‭ ‬شارة‭ ‬ملكية‭ ‬هرمية‭ ‬محظورة‭ ‬على‭ ‬الرعية‭. ‬يؤكد‭ ‬ملين‭ ‬عدم‭ ‬ارتباطه‭ ‬بالهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬حتى‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر،‭ ‬بل‭ ‬يجسد‭ ‬تعالي‭ ‬السلطة‭ ‬فوق‭ ‬الجماعة‭. ‬هذا‭ ‬الطابع‭ ‬السيادي‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬نقل‭ ‬إلى‭ ‬السياق‭ ‬الإسلامي‭ ‬والمغربي‭.‬
في‭ ‬الإسلام،‭ ‬نسبت‭ ‬المصادر‭ ‬المتأخرة‭ ‬استخدام‭ ‬الرايات‭ ‬إلى‭ ‬الرسول‭ ‬محمد‭ ‬عليه‭ ‬الصلاة‭ ‬والسلام،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬اتخذ‭ ‬لنفسه‭ ‬أعلاما‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬استقر‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬عام‭ ‬622‭ ‬ميلادية،‭ ‬ويقال‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬الشارات‭ ‬كانت‭ ‬تعرف‭ ‬بأسماء‭ ‬متنوعة‭ ‬كالراية‭ ‬واللواء‭ ‬والعلم‭ ‬والعقاب‭.. ‬وفيما‭ ‬كان‭ ‬قسم‭ ‬من‭ ‬جامعي‭ ‬السير‭ ‬يؤكد‭ ‬على‭ ‬ميل‭ ‬النبي‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬إلى‭ ‬اللون‭ ‬الأبيض،‭ ‬ذهب‭ ‬قسم‭ ‬آخر‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬يميل‭ ‬إلى‭ ‬اللون‭ ‬الأسود،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬نحى‭ ‬فريق‭ ‬ثالث‭ ‬إلى‭ ‬التوفق‭ ‬بين‭ ‬اللونين‭ ‬الأسود‭ ‬والأبيض،‭ ‬ولكن‭ ‬أقلية‭ ‬ذهبت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬العلامة‭ ‬المميزة‭ ‬تلك‭ ‬كانت‭ ‬صفراء‭ ‬أو‭ ‬غبراء‭.‬
مع‭ ‬عهد‭ ‬العباسيين‭ ‬برزت‭ ‬مركزية‭ ‬الراية‭ ‬باللون‭ ‬الأسود،‭ ‬شعار‭ ‬انتماء‭ ‬وحشد،‭ ‬وحالما‭ ‬وصلوا‭ ‬إلى‭ ‬السلطة،‭ ‬فرض‭ ‬العلم‭ ‬الأسود‭ ‬الموشى‭ ‬بلفظ‭ ‬الشهادة‭ ‬أو‭ ‬بعض‭ ‬آيات‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬أو‭ ‬اسم‭ ‬الخليفة‭. ‬ثم‭ ‬استخدمت‭ ‬الراية‭ ‬في‭ ‬الصراعات‭ ‬الطائفية:‭ ‬أحمر‭ ‬للخوارج،‭ ‬أبيض‭ ‬للأمويين‭ ‬والفاطميين‭. ‬وبذلك‭ ‬تحولت‭ ‬الرايات‭ ‬إلى‭ ‬لغة‭ ‬سياسية‭ ‬صامتة‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬الاصطفاف‭ ‬أو‭ ‬المعارضة‭.‬

 

المغرب‭ ‬قبل‭ ‬القرن‭ ‬11

في‭ ‬الفصل‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬الكتاب،‭ ‬وتحت‭ ‬عنوان‭ ‬«الأزمنة‭ ‬المظلمة»،‭ ‬أكد‭ ‬محمد‭ ‬نبيل‭ ‬ملين‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬المعلومات‭ ‬المتوفرة‭ ‬عن‭ ‬المغرب‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬المرابطين‭ ‬قليلة‭ ‬ومتناثرة،‭ ‬وبأن‭ ‬مختلف‭ ‬القوى‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬حكمت‭ ‬مناطق‭ ‬متفرقة‭ ‬من‭ ‬المغرب‭ ‬الحالي،‭ ‬برغواطة‭ ‬والصالحيين‭ ‬والمدراريين‭ ‬والأدارسة‭ ‬وبني‭ ‬عافية‭.. ‬قد‭ ‬اتخذت‭ ‬لنفسها‭ ‬أعلاما‭ ‬ورايات‭ ‬ذات‭ ‬أشكال‭ ‬متنوعة،‭ ‬ومع‭ ‬الفتح‭ ‬الأموي‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬الميلادي‭ ‬تم‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬استعمال‭ ‬ألوان‭ ‬ثلاثة،‭ ‬الأبيض‭ ‬والأحمر‭ ‬والأسود،‭ ‬وحدها‭ ‬النقوش‭ ‬والزخارف‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تفرق‭ ‬بينها‭.‬
بعد‭ ‬الفتح‭ ‬الإسلامي‭ ‬عام‭ ‬711،‭ ‬استمر‭ ‬التعدد‭ ‬السياسي‭ ‬والديني‭ ‬دون‭ ‬سلطة‭ ‬مركزية‭ ‬تحتكر‭ ‬الرموز‭. ‬ولم‭ ‬يتشكل‭ ‬نظام‭ ‬رمزي‭ ‬موحد‭ ‬رغم‭ ‬محاولات‭ ‬فاطمية‭ ‬وأموية،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬المغرب‭ ‬مختبرا‭ ‬للتجريب‭ ‬الرمزي‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬الدولة‭ ‬المركزية‭. ‬هذا‭ ‬التعدد‭ ‬يفسر‭ ‬غياب‭ ‬علم‭ ‬موحد،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬الرايات‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭ ‬إمارات‭ ‬محلية‭ ‬متصارعة‭.‬

 

المرابطون‭: ‬بداية‭ ‬المركزية

مع‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ ‬شهد‭ ‬المغرب‭ ‬تحولاً‭ ‬تاريخيا‭ ‬حاسما‭ ‬بفعل‭ ‬ظهور‭ ‬نظام‭ ‬سياسي-ديني‭ ‬جديد‭ ‬مع‭ ‬صعود‭ ‬المرابطين‭ ‬بين‭ ‬سنتي‭ ‬1040‭ ‬و1147،‭ ‬الذين‭ ‬انتقلوا‭ ‬من‭ ‬إصلاح‭ ‬سني‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬إمبراطورية‭ ‬موحدة‭. ‬أسسوا‭ ‬مراكش‭ ‬عاصمة‭ ‬سياسية،‭ ‬وطبقوا‭ ‬تجانسا‭ ‬إداريا‭ ‬ورمزيا‭ ‬يعكس‭ ‬قوتهم‭.‬
ويبرز‭ ‬ملين‭ ‬الدور‭ ‬المحوري‭ ‬الذي‭ ‬لعبه‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬بن‭ ‬ياسين‭ ‬المتوفي‭ ‬سنة‭ ‬1059‭ ‬كمثقف‭ ‬عضوي،‭ ‬وكانت‭ ‬أول‭ ‬إشارة‭ ‬للعلم‭ ‬المرابطي‭ ‬بمناسبة‭ ‬حملة‭ ‬قادها‭ ‬هذا‭ ‬الزعيم‭ ‬ضد‭ ‬منطقة‭ ‬درعة‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬1050‭ ‬و1054،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬تحتل‭ ‬مكانة‭ ‬مركزية‭ ‬في‭ ‬التنظيم‭ ‬العسكري‭ ‬لهذه‭ ‬الحركة‭ ‬السياسية‭ ‬الدينية‭ ‬الناشئة‭.‬
أصبح‭ ‬العلم‭ ‬شارة‭ ‬سيادة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بلقب‭ ‬«أمير‭ ‬المسلمين»،‭ ‬بعد‭ ‬اعتراف‭ ‬عباسي‭ ‬منحَهم‭ ‬رفع‭ ‬العلم‭ ‬الأسود‭. ‬محاطاً‭ ‬برايات‭ ‬بيضاء‭ ‬وحمراء‭ ‬مزخرفة،‭ ‬دشن‭ ‬المرابطون‭ ‬مساراً‭ ‬يربط‭ ‬العلم‭ ‬بالمؤسسة‭ ‬السياسية‭ ‬لا‭ ‬بالأشخاص‭ ‬الفرديين‭. ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬أرسى‭ ‬أسس‭ ‬المركزية‭ ‬الرمزية‭ ‬في‭ ‬المغرب‭.‬

 

الموحدون‭: ‬القطيعة‭ ‬الخلافية

ابتداء‭ ‬من‭ ‬سنة‭ ‬1120‭ ‬ظهر‭ ‬الموحدون‭ ‬الذين‭ ‬اختاروا‭ ‬نهجا‭ ‬أكثر‭ ‬راديكالية،‭ ‬يطرحون‭ ‬أنفسهم‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬باعتبارهم‭ ‬ورثة‭ ‬ادعاءات‭ ‬أمويي‭ ‬الأندلس‭ ‬والفاطميين،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬زعماؤها،‭ ‬ابن‭ ‬تومرت‭ ‬وابن‭ ‬علي‭ ‬ومن‭ ‬جاء‭ ‬من‭ ‬بعدهم،‭ ‬يرفعون‭ ‬لواء‭ ‬الاستقلال‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬كانوا‭ ‬يؤكدون‭ ‬أنهم‭ ‬وحدهم‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬صك‭ ‬تولي‭ ‬الخلافة‭ ‬الشريفة،‭ ‬أي‭ ‬السلطة‭ ‬العليا‭ ‬لحكم‭ ‬العلم‭ ‬باسم‭ ‬الإسلام‭. ‬من‭ ‬هنا‭ ‬لايمكن‭ ‬الاستغراب‭ ‬من‭ ‬اتخاذهم‭ ‬لعلم‭ ‬أبيض‭ ‬ضخم‭ ‬أطلقوا‭ ‬عليه‭ ‬تسمية‭ ‬العلم‭ ‬المنصور،‭ ‬للقطيعة‭ ‬مع‭ ‬العباسيين،‭ ‬رمزاً‭ ‬للنور‭ ‬والطهارة‭ ‬والإصلاح،‭ ‬وفرضت‭ ‬هذه‭ ‬الأداة‭ ‬نفسها‭ ‬بسرعة‭ ‬كبيرة‭ ‬كإحدى‭ ‬العناصر‭ ‬الأساسية‭ ‬للطقوس‭ ‬السياسية-الدينية‭ ‬التي‭ ‬تضبط‭ ‬إيقاع‭ ‬الفضاء‭ ‬السياسي‭ ‬الموحدي‭ ‬كاحتفالات‭ ‬النصر‭ ‬واستقبال‭ ‬الأعيان‭ ‬والتعيينات‭ ‬مواكب‭ ‬الدخول‭ ‬والخروج‭ ‬من‭ ‬القصور‭ ‬الملكية‭ ‬وتدشين‭ ‬المعالم‭.‬
تقدَّم‭ ‬«العلم‭ ‬المنصور»،‭ ‬الذي‭ ‬يبلغ‭ ‬20‭ ‬مترا‭ ‬مربعا،‭ ‬الخليفة‭ ‬في‭ ‬المواكب،‭ ‬محاطا‭ ‬برايات‭ ‬تابعة،‭ ‬تحمل‭ ‬عبارة‭ ‬«لاغالب‭ ‬إلا‭ ‬لله»‭ ‬وآيات‭ ‬من‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬وأدعية‭.. ‬شواهد‭ ‬مادية‭ ‬مثل‭ ‬لواء‭ ‬العقاب‭ ‬(7‭ ‬أمتار‭ ‬مربعة،‭ ‬وزن‭ ‬70‭ ‬كجم)‭ ‬تؤكد‭ ‬دوره‭ ‬الإيديولوجي‭ ‬كصورة‭ ‬مجردة‭ ‬للخليفة‭. ‬يُعد‭ ‬هذا‭ ‬العصر‭ ‬قمة‭ ‬الرمزية‭ ‬الدينية-السياسية‭.‬
وبهذا‭ ‬كان‭ ‬العلم‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الموحدي‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬إيثار‭ ‬مشاعر‭ ‬الرعية‭ ‬الإيجابية‭ ‬بما‭ ‬يمثله‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬جذب‭ ‬وتوحيد‭ ‬لمختلف‭ ‬مكونات‭ ‬الأمة‭ ‬وحول‭ ‬القيادة‭ ‬التي‭ ‬توجه‭ ‬الكل‭ ‬نحو‭ ‬الفلاح‭ ‬الدنيوي‭ ‬والنجاة‭ ‬في‭ ‬الآخرة،‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬هنا‭ ‬بدور‭ ‬شبه‭ ‬روحاني،‭ ‬يقول‭ ‬محمد‭ ‬نبيل‭ ‬ملين‭.‬
كما‭ ‬ظهرت‭ ‬في‭ ‬الراية‭ ‬الموحدية‭ ‬آيات‭ ‬قرآنية‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬الجهاد‭ ‬وتعد‭ ‬المقاتلين‭ ‬بالجنة،‭ ‬وتكررت‭ ‬كلمة‭ ‬الملك‭ ‬ثماني‭ ‬مرات‭ ‬بشكل‭ ‬متماثل‭ ‬مشكلة‭ ‬نجمة‭ ‬ثمانية،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬تستعمل‭ ‬كثيرا‭ ‬وتذكر‭ ‬المؤمنين‭ ‬المتعودين‭ ‬على‭ ‬التقاليد‭ ‬الدينية،‭ ‬لاشك‭ ‬بالكوكب‭ ‬الدري‭ ‬العاكس‭ ‬للنور‭ ‬الإلهي‭ ‬والهادي‭ ‬إلى‭ ‬الصراط‭ ‬المستقيم‭ ‬عبر‭ ‬وساطة‭ ‬الخليفة‭ ‬الحاضن‭ ‬الأكبر‭ ‬للبركة‭ ‬الإلهية‭.. ‬فيما‭ ‬يراه‭ ‬البعض‭ ‬يعكس‭ ‬عدد‭ ‬أبواب‭ ‬الجنة‭ ‬الثمانية‭ ‬وإلى‭ ‬الملائكة‭ ‬الثمانية‭ ‬الحاملين‭ ‬للعرش‭ ‬الإلهي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬المجاهدين‭ ‬سيحصلون‭ ‬بفضل‭ ‬تأييد‭ ‬جنود‭ ‬السماء‭ ‬على‭ ‬إحدى‭ ‬الحسنيين،‭ ‬النصر‭ ‬أو‭ ‬الشهادة‭. ‬كما‭ ‬استعملت‭ ‬صور‭ ‬أسود‭ ‬ثلاثة‭ ‬لما‭ ‬تمثله‭ ‬من‭ ‬رمزية‭ ‬للقوة‭ ‬والسلطة‭ ‬والسيادة‭ ‬والحكمة‭.‬

 

المرينيون‭: ‬إعادة‭ ‬التوظيف

مع‭ ‬نهاية‭ ‬النظام‭ ‬الموحدي‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬العقاب‭ ‬عام‭ ‬1212،‭ ‬انهار‭ ‬البيت‭ ‬الحاكم‭ ‬وبرزت‭ ‬قوة‭ ‬المرينيين‭ ‬بين‭ ‬سنتي‭ ‬1244‭ ‬و1465،‭ ‬وعلى‭ ‬عكس‭ ‬من‭ ‬سبقوهم‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هذه‭ ‬العائلة‭ ‬تملك‭ ‬مشروعا‭ ‬سياسيا-دينيا،‭ ‬فتم‭ ‬إعادة‭ ‬توظيف‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬رمزية‭ ‬الموحدين،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬العلم‭ ‬المنصور‭ ‬يتقدم‭ ‬موكب‭ ‬السلاطين‭ ‬خصوصا‭ ‬زمن‭ ‬أبي‭ ‬الحسن‭ ‬وابنه‭ ‬أبي‭ ‬عنان‭ ‬اللذين‭ ‬حملا‭ ‬الطموحات‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬المرينية‭ ‬إلى‭ ‬ذروتها‭. ‬كما‭ ‬تم‭ ‬توشية‭ ‬أطراف‭ ‬العلم‭ ‬الأبيض‭ ‬الكبير‭ ‬بآيات‭ ‬قرآنية‭ ‬مطرزة‭ ‬بخيوط‭ ‬ذهبية‭ ‬بما‭ ‬تمثله‭ ‬حسب‭ ‬اعتقادهم‭ ‬اتصالا‭ ‬بين‭ ‬السماء‭ ‬والأرض،‭ ‬كما‭ ‬تم‭ ‬رفع‭ ‬الأعلام‭ ‬البيضاء‭ ‬على‭ ‬المآذن‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الصلاة،‭ ‬وأراد‭ ‬بذلك‭ ‬أبي‭ ‬عنان‭ ‬تذكير‭ ‬رعاياه‭ ‬أنه‭ ‬الوريث‭ ‬الحصري‭ ‬لنور‭ ‬الهداية‭.‬
وصنع‭ ‬العلم‭ ‬الأول‭ ‬المريني‭ ‬على‭ ‬مقاس‭ ‬2.8‭ ‬متر‭ ‬طولا‭ ‬و2.2 متر‭ ‬عرضا‭ ‬عام‭ ‬1312‭ ‬في‭ ‬قصبة‭ ‬فاس،‭ ‬باستعمال‭ ‬خيوط‭ ‬مختلفة‭ ‬الألوان‭ ‬كالأزرق‭ ‬والأحمر‭ ‬والأبيض‭ ‬والأخضر‭ ‬والذهبي‭ ‬على‭ ‬قطعة‭ ‬حريرية‭ ‬رقيقة‭ ‬خضراء،‭ ‬متضمنا‭ ‬الصيغ‭ ‬المعتادة‭ ‬كالشهادة‭ ‬والتعوذ‭ ‬والتصلية‭.‬

 

السعديون‭: ‬إحياء‭ ‬الإمبراطورية

مع‭ ‬حالة‭ ‬التشرذم‭ ‬السياسي‭ ‬وفشل‭ ‬سياسة‭ ‬المركزة‭ ‬والتوسع‭ ‬التي‭ ‬انتهجها‭ ‬المرينيون،‭ ‬وعجزهم‭ ‬عن‭ ‬مواجهة‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬التحديات‭ ‬مما‭ ‬أفقدهم‭ ‬الشرعية‭ ‬فكانت‭ ‬النتيجة،‭ ‬قيام‭ ‬ثورة‭ ‬شعبية‭ ‬في‭ ‬فاس‭ ‬عام‭ ‬1465‭ ‬أطاحت‭ ‬بآخر‭ ‬ملوكهم،‭ ‬فوصل‭ ‬الوطاسيون‭ ‬إلى‭ ‬سدة‭ ‬الحكم‭ ‬بين‭ ‬سنتي‭ ‬1472‭ ‬و1554،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬حافظوا‭ ‬هم‭ ‬كذلك‭ ‬على‭ ‬العلم‭ ‬المنصور‭ ‬لإظهار‭ ‬أولويتهم‭ ‬وطموحاتهم،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬فيه‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المراسي‭ ‬في‭ ‬بادس‭ ‬وسلا‭ ‬تمتلك‭ ‬راياتها‭ ‬الخاصة،‭ ‬اعتبرها‭ ‬البعض‭ ‬ليست‭ ‬رايات‭ ‬حقيقية،‭ ‬بقدر‭ ‬ماهي‭ ‬مجرد‭ ‬معالم‭ ‬استعملت‭ ‬لتيسير‭ ‬قراءة‭ ‬الخريطة‭.‬
واشتهر‭ ‬لدى‭ ‬الوطاسيين‭ ‬فرقة‭ ‬من‭ ‬حملة‭ ‬الأعلام‭ ‬أثناء‭ ‬السير،‭ ‬في‭ ‬طليعة‭ ‬القوات‭ ‬العسكرية‭..‬
بعد‭ ‬انتصار‭ ‬وادي‭ ‬المخازن‭ ‬عام‭ ‬1578،‭ ‬مزَّق‭ ‬أحمد‭ ‬المنصور‭ ‬الطوخ‭ ‬العثماني،‭ ‬معيدا‭ ‬رفع‭ ‬العلم‭ ‬الأبيض‭ ‬في‭ ‬احتفال‭ ‬استقلال‭ ‬رمزي‭. ‬حيث‭ ‬غدت‭ ‬هذه‭ ‬الشارة‭ ‬البيضاء‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬حاضرة‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬المناسبات‭ ‬والتظاهرات‭ ‬الشريفة‭ ‬رمزا‭ ‬قويا‭ ‬لاستقلال‭ ‬واستمرارية‭ ‬خلافة‭ ‬الغرب‭ ‬الإسلامي‭.‬

 

القرن‭ ‬17‭: ‬التفكك‭ ‬والأخضر‭ ‬الصوفي

في‭ ‬الفصل‭ ‬السادس‭ ‬من‭ ‬الكتاب،‭ ‬المعنون‭ ‬ب‭ ‬«الانتقال‭ ‬الصعب»‭ ‬يتحدث‭ ‬محمد‭ ‬نبيل‭ ‬ملين‭ ‬غرق‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬المغربية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬ممتدة‭ ‬من‭ ‬المتوسط‭ ‬إلى‭ ‬نهر‭ ‬السنغال‭ ‬في‭ ‬الفوضى‭ ‬بسبب‭ ‬الصراع‭ ‬على‭ ‬الحكم‭ ‬بين‭ ‬أمراء‭ ‬البيت‭ ‬الحاكم،‭ ‬بعد‭ ‬وفاة‭ ‬أحمد‭ ‬المنصور‭ ‬عام‭ ‬1603،‭ ‬فظهرت‭ ‬كيانات‭ ‬طارئة‭ ‬لها‭ ‬شعارات‭ ‬تميزها،‭ ‬لم‭ ‬يحفظها‭ ‬التاريخ،‭ ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬الكيانات‭ ‬نجد‭ ‬الإمارة‭ ‬العلوية‭ ‬التي‭ ‬رأت‭ ‬النور‭ ‬في‭ ‬سلجماسة‭ ‬سنة‭ ‬1640،‭ ‬واستطاعوا‭ ‬توحيد‭ ‬البلاد‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬بسبب‭ ‬توفرهم‭ ‬على‭ ‬مشروع‭ ‬مجتمعي‭ ‬واضح‭ ‬المعالم‭. ‬وخلافا‭ ‬لكل‭ ‬التوقعات،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬العلم‭ ‬المنصور‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬شارات‭ ‬البيت‭ ‬العلوي،‭ ‬فقد‭ ‬تم‭ ‬تعويضه‭ ‬بعلم‭ ‬أخضر‭ ‬كانت‭ ‬ترفعه‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬كبريات‭ ‬الطرق‭ ‬الصوفية‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬في‭ ‬دلالة‭ ‬على‭ ‬الجهاد،‭ ‬أو‭ ‬أنه‭ ‬ببساطة‭ ‬لون‭ ‬علم‭ ‬الرسول‭ ‬عليه‭ ‬الصلاة‭ ‬والسلام‭.. ‬وقد‭ ‬حضر‭ ‬هذا‭ ‬العلم‭ ‬الأخضر‭ ‬في‭ ‬معارك‭ ‬عديدة‭ ‬واجه‭ ‬فيها‭ ‬السكان‭ ‬المحليون‭ ‬الغزاة‭ ‬بين‭ ‬القرنين‭ ‬16‭ ‬و20‭.‬
ورغم‭ ‬حدة‭ ‬المنافسة‭ ‬بين‭ ‬السلاطين‭ ‬وأرباب‭ ‬الزوايا‭ ‬للاستفادة‭ ‬من‭ ‬شحنة‭ ‬هذه‭ ‬الأداة‭ ‬الرمزية،‭ ‬فإن‭ ‬العلم‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬قد‭ ‬فقد‭ ‬ولاشك‭ ‬مركزيته‭ ‬في‭ ‬الجهاز‭ ‬المراسمي‭ ‬العلوي‭ ‬بين‭ ‬القرنين‭ ‬17‭ ‬و19‭. ‬بالمقابل‭ ‬ظهرت‭ ‬شعارات‭ ‬جديدة،‭ ‬فالمظلة‭ ‬أو‭ ‬الشمسية‭ ‬التي‭ ‬أدخلها‭ ‬الزيدانيون‭ ‬إلى‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬16،‭ ‬فرضت‭ ‬نفسها‭ ‬تدريجيا‭ ‬كـ‭ ‬"علامة‭ ‬مميزة‭ ‬لسيادة‭ ‬العلويين‭ ‬ابتداء‭ ‬من‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬17‭.‬

 

العلويون‭: ‬ازدواج‭ ‬الأعلام

مع‭ ‬صعود‭ ‬العلويين‭ ‬في‭ ‬أربعينيات‭ ‬القرن‭ ‬17،‭ ‬سعوا‭ ‬لاحتكار‭ ‬الأخضر‭ ‬الشريفي‭ ‬كرمز ديني‭. ‬لكنهم‭ ‬لجأوا‭ ‬للأحمر‭ ‬(علم‭ ‬قراصنة‭ ‬الرباط)‭ ‬كرمز‭ ‬سياسي‭ ‬عسكري،‭ ‬مقابل‭ ‬الأخضر‭ ‬الديني‭. ‬فالأخضر‭ ‬يحيل‭ ‬إلى‭ ‬حلمهم‭ ‬بتجسيد‭ ‬السيادة‭ ‬الروحية‭ ‬باعتبارهم‭ ‬أقطابا‭ ‬أي‭ ‬محاور‭ ‬الكون‭ ‬ومدار‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬أما‭ ‬الأحمر‭ ‬فكان‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬رغبتهم‭ ‬الشديدة‭ ‬في‭ ‬احتكار‭ ‬السلطة‭ ‬السياسية‭.. ‬هذا‭ ‬الازدواج‭ ‬يعكس‭ ‬توازنا‭ ‬بين‭ ‬الشرعية‭ ‬الدينية‭ ‬والعسكرية‭.‬

 

القرن‭ ‬19‭: ‬نحو‭ ‬الرمز‭ ‬الوطني

مع‭ ‬البروز‭ ‬التدريجي‭ ‬للدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬أوربا،‭ ‬ووقوع‭ ‬تحولات‭ ‬عميقة‭ ‬على‭ ‬نظم‭ ‬الدين‭ ‬والملكيات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬انعكس‭ ‬على‭ ‬المجال‭ ‬الرمزي،‭ ‬فالعلم‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬شارة‭ ‬تؤكد‭ ‬قدم‭ ‬البيت‭ ‬الحاكم‭ ‬وسيادته،‭ ‬بل‭ ‬غدا‭ ‬رمزا‭ ‬يجسد‭ ‬قيم‭ ‬وتطلعات‭ ‬أمة‭ ‬بأكملها‭. ‬وصار‭ ‬يتحتم‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬دولة‭ ‬اتخاذ‭ ‬علم‭ ‬رسمي،‭ ‬وبفضل‭ ‬هيمنتها‭ ‬الفكرية‭ ‬والتنظيمية،‭ ‬تمكنت‭ ‬أوربا‭ ‬طيلة‭ ‬القرن‭ ‬19‭ ‬من‭ ‬فرض‭ ‬قيمها‭ ‬وتمثلاتها‭ ‬على‭ ‬بقاع‭ ‬العالم،‭ ‬ومنها‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامي‭. ‬فقد‭ ‬اعتبر‭ ‬الأوربيون‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬حكم‭ ‬الحسن‭ ‬الأول‭ ‬بين‭ ‬سنتي‭ ‬1873‭ ‬و1894 أن‭ ‬العلم‭ ‬الأحمر‭ ‬هو‭ ‬شعار‭ ‬المغرب‭ ‬الرسمي،‭ ‬كما‭ ‬تبينه‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬اللوحات‭ ‬والرسومات‭ ‬والبطاقات‭ ‬البريدية‭ ‬والشهادات‭ ‬المكتوبة،‭ ‬وبحكم‭ ‬موازين‭ ‬القوى،‭ ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬للسلطات‭ ‬الشريفية‭ ‬إلا‭ ‬الرضوخ‭. ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬برزت‭ ‬نخبة‭ ‬مغربية‭ ‬تؤمن‭ ‬إيمانا‭ ‬راسخا‭ ‬بأن‭ ‬إصلاحا‭ ‬سياسيا‭ ‬حقيقيا‭ ‬هو‭ ‬الكفيل‭ ‬بإنقاذ‭ ‬البلاد،‭ ‬وذلك‭ ‬انبهارا‭ ‬بالتجربة‭ ‬الأوربية‭ ‬فظهرت‭ ‬مشاريع‭ ‬إصلاحية‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬1901‭ ‬و1908،‭ ‬ويعتبر‭ ‬المشروع‭ ‬الدستوري‭ ‬الذي‭ ‬قدمه‭ ‬يحيى‭ ‬علي‭ ‬زنيبر‭ ‬المتوفي‭ ‬سنة‭ ‬1914،‭ ‬للسلطان‭ ‬عبد‭ ‬العزيز،‭ ‬أول‭ ‬نص‭ ‬مغربي‭ ‬جعل‭ ‬العلم‭ ‬الأحمر‭ ‬شعارا‭ ‬وطنيا‭ ‬وليس‭ ‬شارة‭ ‬ملكية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬العلم‭ ‬الأحمر‭ ‬هو‭ ‬رمز‭ ‬استقلال‭ ‬المغرب‭ ‬والوحدة‭ ‬الوطنية‭ ‬والمساواة‭ ‬بين‭ ‬سكانه‭.‬

 

الحماية‭: ‬قطيعة‭ ‬رمزية

بقيت‭ ‬كل‭ ‬المشاريع‭ ‬الإصلاحية‭ ‬حبرا‭ ‬على‭ ‬ورق،‭ ‬وواصل‭ ‬المغرب‭ ‬انهياره،‭ ‬حيث‭ ‬وضعت‭ ‬البلاد‭ ‬سنة‭ ‬1912‭ ‬تحت‭ ‬الحماية‭. ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬كانت‭ ‬أعلام‭ ‬أحمد‭ ‬الهيبة‭ ‬الأخضر‭ ‬والأحمر‭ ‬ومحمد‭ ‬الريسوني‭ ‬الأخضر‭ ‬الذي‭ ‬يتصدره‭ ‬هلال‭ ‬وموحى‭ ‬أوحمو‭ ‬الأحمر‭ ‬ومحمد‭ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬الخطابي‭ ‬الأحمر‭ ‬الذي‭ ‬يتوسطه‭ ‬مربع‭ ‬أبيض‭ ‬وهلال‭ ‬أخضر‭ ‬ونجمة‭ ‬سداسية‭ ‬خضراء‭ ‬هم‭ ‬الأكثر‭ ‬شهرة‭.‬
ومنذ‭ ‬عام‭ ‬1913،‭ ‬فرض‭ ‬موظفو‭ ‬الجمارك‭ ‬الفرنسيون‭ ‬على‭ ‬السفن‭ ‬المغربية‭ ‬رفع‭ ‬علم‭ ‬فرنسي‭ ‬يوجد‭ ‬في‭ ‬ركنه‭ ‬مربع‭ ‬أحمر‭ ‬تتوسطه‭ ‬نجمة‭ ‬خماسية‭ ‬خضراء،‭ ‬وقررت‭ ‬الدوائر‭ ‬الاستعمارية‭ ‬تعميمه‭ ‬في‭ ‬أزقة‭ ‬وساحات‭ ‬بعض‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬المناسبات‭ ‬الرسمية‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬أمام‭ ‬السلطان‭ ‬يوسف‭ ‬إلا‭ ‬الرضوخ‭ ‬للأمر‭ ‬الواقع،‭ ‬فأصدر‭ ‬ظهيرا‭ ‬يوم‭ ‬17‭ ‬نونبر‭ ‬1915‭ ‬شرعن‭ ‬فيه‭ ‬اختيار‭ ‬سلطات‭ ‬الحماية‭. ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬تم‭ ‬الإحجام‭ ‬عن‭ ‬استعماله‭ ‬واختيار‭ ‬تبني‭ ‬علم‭ ‬أخضر‭ ‬تتوسطه‭ ‬نجمة‭ ‬خماسية‭ ‬مذهبة‭ ‬يحمله‭ ‬أحد‭ ‬الجنود‭ ‬المنتمين‭ ‬إلى‭ ‬الكتيبة‭ ‬السوداء‭. ‬وصار‭ ‬للمغرب‭ ‬علمين‭ ‬رسميين،‭ ‬أولهما‭ ‬خاص‭ ‬بالأسرة‭ ‬الحاكمة‭ ‬والثاني‭ ‬خاص‭ ‬بالدولة،‭ ‬ولم‭ ‬يلبث‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬أن‭ ‬غدا‭ ‬علما‭ ‬وطنيا‭.‬

                                      

دلالات‭ ‬النجمة‭ ‬الخماسية

شكلت‭ ‬مختلف‭ ‬المضلعات‭ ‬النجمية‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬النظام‭ ‬الرمزي‭ ‬الذي‭ ‬اعتمدت‭ ‬عليه‭ ‬أغلب‭ ‬الثقافات‭ ‬الإنسانية‭ ‬منذ‭ ‬آلاف‭ ‬السنين،‭ ‬وفرضت‭ ‬النجوم‭ ‬نفسها‭ ‬شيء‭ ‬فشيء‭ ‬في‭ ‬عوالم‭ ‬المقدس‭ ‬والأدب‭ ‬والفن‭ ‬لاسيما‭ ‬في‭ ‬دار‭ ‬الإسلام‭. ‬والنجمة‭ ‬رمز‭ ‬كوني‭ ‬للنور‭ ‬والهداية،‭ ‬غير‭ ‬حصري‭ ‬يهودي‭ ‬أو‭ ‬إسلامي،‭ ‬ومنها‭ ‬الخماسية‭ ‬والسداسية‭ ‬والثمانية،‭ ‬فهذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬الأكثر‭ ‬استعمالا‭ ‬كانت‭ ‬تمثل‭ ‬أركان‭ ‬وطرق‭ ‬الفلاح‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭ ‬والآخرة،‭ ‬أما‭ ‬الخماسية‭ ‬والسداسية‭ ‬فتقرن‭ ‬بخاتم‭ ‬سليمان،‭ ‬هذا‭ ‬النبي‭ ‬الذي‭ ‬يعرف‭ ‬عنه‭ ‬حكمته‭ ‬وقوته‭ ‬الخارقة‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬السحر‭ ‬وتسخير‭ ‬الجن‭.‬
بالنسبة‭ ‬للمغرب‭ ‬ظهرت‭ ‬أقدم‭ ‬المضلعات‭ ‬النجمية‭ ‬في‭ ‬الحقبة‭ ‬الإسلامية‭ ‬على‭ ‬قطع‭ ‬نقدية،‭ ‬خماسية‭ ‬وسداسية‭ ‬وثمانية،‭ ‬وكانت‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬هي‭ ‬الأكثر‭ ‬هيمنة‭ ‬في‭ ‬التزويق‭ ‬والتزيين‭ ‬وتدعيم‭ ‬الشرعية‭ ‬الدينية‭. ‬أما‭ ‬النجمة‭ ‬السداسية‭ ‬فكانت‭ ‬على‭ ‬القطع‭ ‬النقدية‭ ‬وخاتم‭ ‬السلطان‭ ‬سيلمان‭ ‬العلوي‭ ‬المتوفي‭ ‬سنة‭ ‬1822‭ ‬لكنها‭ ‬اختفت‭ ‬من‭ ‬خواتيم‭ ‬السلاطين‭ ‬ابتداء‭ ‬من‭ ‬سنة‭ ‬1894،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬واصلت‭ ‬الظهور‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الحوامل‭ ‬كالأوسمة‭ ‬والنقود‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬20‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬فرض‭ ‬الحماية‭ ‬عام‭ ‬1912،‭ ‬بل‭ ‬واستمر‭ ‬ظهورها‭ ‬في‭ ‬القطع‭ ‬النقدية‭ ‬حتى‭ ‬استقلال‭ ‬المغرب،‭ ‬حيث‭ ‬يرى‭ ‬البعض‭ ‬اختفاءها‭ ‬ارتباطا‭ ‬بالصراع‭ ‬العربي‭ ‬الإسرائيلي‭.‬

 

الحركة‭ ‬الوطنية‭: ‬تعبئة‭ ‬جماهيرية

لم‭ ‬تتوان‭ ‬مختلف‭ ‬مكونات‭ ‬الحركة‭ ‬الوطنية‭ ‬الناشئة‭ ‬من‭ ‬عشرينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬استوعبت‭ ‬مفاهيم‭ ‬الأمة‭ ‬الحديثة‭. ‬عن‭ ‬تبني‭ ‬العلم‭ ‬الأحمر‭ ‬ذو‭ ‬النجمة‭ ‬الخماسية‭ ‬الخضراء،‭ ‬إذ‭ ‬صارت‭ ‬ترفعه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬التظاهرات‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬الوحدة‭ ‬والتضامن‭ ‬الوطنيين‭ ‬ابتداء‭ ‬من‭ ‬علم‭ ‬1933‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬وخصوصا‭ ‬في‭ ‬عيد‭ ‬العرش،‭ ‬وأصبح‭ ‬هذا‭ ‬العلم‭ ‬ضمن‭ ‬فضاء‭ ‬تعبيري‭ ‬لوحدة‭ ‬الوطنيين‭ ‬مع‭ ‬العرش‭.‬

 

الانضمام‭ ‬الملكي‭ ‬والاستقلال

سنة‭ ‬1947،‭ ‬بعد‭ ‬خطاب‭ ‬طنجة،‭ ‬أمر‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬يوسف‭ ‬برفع‭ ‬العلم‭ ‬المغربي‭ ‬فوق‭ ‬القصر‭ ‬الملكي،‭ ‬معلنا‭ ‬وحدة‭ ‬العرش‭ ‬والوطنيين‭. ‬مع‭ ‬الاستقلال‭ ‬عام‭ ‬1956‭ ‬ودستور‭ ‬1962،‭ ‬أصبح‭ ‬رمزا‭ ‬تنشئيا‭ ‬للانتماء‭ ‬الوطني‭. ‬وشكلا‭ ‬جديدا‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬التنظيم‭ ‬والتعبير‭ ‬عن‭ ‬الذات‭ ‬أو‭ ‬الهوية‭.‬
مع‭ ‬التكريس‭ ‬الدستوري‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬سنة‭ ‬1962،‭ ‬تعرض‭ ‬العلم‭ ‬المغربي،‭ ‬يقول‭ ‬محمد‭ ‬نبيل‭ ‬ملين،‭ ‬لما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬تجاوزا،‭ ‬انتكاسة‭ ‬رمزية،‭ ‬حيث‭ ‬فقد‭ ‬صفة‭ ‬العلم‭ ‬الوطني‭ ‬المكتسبة‭ ‬بفضل‭ ‬جهود‭ ‬مختلف‭ ‬مكونات‭ ‬الحركة‭ ‬الوطنية‭ ‬وأمسى‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬شعار‭ ‬النظام،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يظهر‭ ‬بشكل‭ ‬مكثف‭ ‬لمدة‭ ‬طويلة‭ ‬إلا‭ ‬بمناسبة‭ ‬التظاهرات‭ ‬والاحتفالات‭ ‬الرسمية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬أعوان‭ ‬السلطة‭ ‬خلالها‭ ‬يفرضون‭ ‬على‭ ‬المحلات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬ووسائل‭ ‬النقل‭ ‬الجماعي‭ ‬رفعه‭.. ‬كما‭ ‬تم‭ ‬إعادة‭ ‬ظهور‭ ‬رايات‭ ‬أخرى‭ ‬كرمز‭ ‬الأمازيغية‭ ‬وراية‭ ‬الخطابي‭ ‬في‭ ‬الريف‭. ‬وفي‭ ‬مطلع‭ ‬السبعينيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬20،‭ ‬انتشرت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الإشاعات‭ ‬المغرضة‭ ‬عن‭ ‬أصل‭ ‬قطعة‭ ‬القماش،‭ ‬تدعي‭ ‬بعضها‭ ‬أنها‭ ‬صنعت‭ ‬بأيدي‭ ‬أجنبية‭ ‬حاقدة‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬منها‭ ‬رمزا‭ ‬للإقطاعية‭ ‬أو‭ ‬الماسونية‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬الصهيونية‭..‬
 

وشجع‭ ‬تدويل‭ ‬المسابقات‭ ‬البعد‭ ‬الهوياتي‭ ‬للرياضة‭ ‬منذ‭ ‬نهاية‭ ‬القرن‭     ‬19‭ ‬خصوصا‭ ‬في‭ ‬الألعاب‭ ‬الأولمبية،وغدت‭ ‬الملاعب‭ ‬والحلبات‭ ‬والمسابح‭ ‬أماكن‭ ‬مواجهة‭ ‬شبه‭ ‬سلمية‭ ‬بين‭ ‬الأمم،‭ ‬وكل‭ ‬منتخب‭ ‬يتسلح‭ ‬بترسانة‭ ‬من‭ ‬الأدوات‭ ‬ذات‭ ‬القوة‭ ‬الإيحائية‭ ‬كالعلم‭ ‬لتمثيل‭ ‬أمته‭ ‬وتجسيد‭ ‬روحها‭ ‬وقيمها‭ ‬وطموحاتها‭ ‬بشكل‭ ‬من‭ ‬الأشكال‭. ‬ولعبت‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬دورا‭ ‬مركزيا‭ ‬في‭ ‬تأكيد‭ ‬الذات‭ ‬والهوية‭ ‬الجماعية،‭ ‬ورغم‭ ‬المشاركات‭ ‬القليلة‭ ‬للرياضة‭ ‬المغربية‭ ‬في‭ ‬الملتقيات‭ ‬الدولية‭ ‬ابتداء‭ ‬من‭ ‬سنة‭ ‬1956،‭ ‬فقد‭ ‬مكنت‭ ‬هذه‭ ‬المشاركات‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬التلقائي‭ ‬عن‭ ‬مشاعر‭ ‬انتماء‭ ‬شامل‭ ‬يعكس‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬السكينة‭.. ‬خصوصا‭ ‬عند‭ ‬رفع‭ ‬العلم‭ ‬المغربي‭ ‬وعزف‭ ‬النشيد‭ ‬الوطني‭ ‬والتحاف‭ ‬الرياضيين‭ ‬بالعلم‭ ‬الوطني‭. ‬وأصبح‭ ‬العلم‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬الفخر‭ ‬والأمل‭ ‬في‭ ‬رؤية‭ ‬مغرب‭ ‬أفضل‭.. ‬ ‬