يعتبر"جواو دوريا" João Doria، أحد أشهر الشخصيات بالبرازيل.
"جواو دوريا"، لم يستمد شهرته من أنه كان حاكما سابقا لولاية "ساوباولو" التي تعد أكبر وأقوى ولاية برازيلية ديمغرافيا وماليا( الولاية تضم 46 مليون نسمة وناتجها الداخلي الخام يبلغ 740 مليار دولار، أي ثلث الناتج الداخلي البرازيلي).
كما لم يستمد شهرته من كونه شغل سابقا منصب عمدة مدينة "ساوباولو"، التي تعدد سادس مدينة في العالم.
ولم يستمد شهرته من كونه أحد أبرز المليونيرات بالبرازيل، أو لأنه مؤسس "LIDE"، التي تعد أكبر شبكة اقتصاية، تضم 1600 شركة تمثل 52% من ثروة البرازيل.
لا، "جواو دوريا" DORIA، يستمد شهرته من كونه أول سياسي برازيلي يحطم الأرقام القياسية ويكتسح الانتخابات بدون الحاجة إلى دور ثاني. إذ منذ الإطاحة بديكتاتورية العسكر في البرازيل عام 1985، لم يسبق لأي سياسي أن ظفر بمنصب عمدة أكبر مدينة بالبرازيل "ساوباولو"، بسهولة انطلاقا من الدور الأول، باستثناء "جواو دوريا"، الذي حاز على نسبة 53،3% في الدور الأول في اقتراع 2 أكتوبر 2016، أمام خصمه Fernan de Haddad المسنود بتحالف من الأحزاب والتيارات. علما أن Doria، لما أعلن آنذاك ترشحه، انطلق بنسبة 3% فقط من نوايا التصويت.
هذا الحدث شكل آنذاك صدمة أربكت العقيدة العامة التي كانت سائدة بالبرازيل، لدرجة أن خصوم Doria، اصطفوا كلهم وراء سردية مفادها أن العمدة "دوريا"، استغل تآكل حزب العمال وأخطاء حزب الرئيس "لولا داسيلفا" الذي كان آنذاك منهكا بسبب تداعيات فضائح "Petrobrabs" المالية التي لحقته هو ومجموعة من السياسيين، فيما آخرون رددوا سردية تتجلى في أن "جواو دوريا" استغل براعته ودهائه في التسويق، لكونه كان يملك وكالة مهمة في الإشهار والعلاقات العامة.
لكن الحقيقة التي آمن بها العديد من البرازيليين عامة والعديد من سكان "ساوباولو" خاصة، هو أن "جواو دوريا"، ضخ جرعة من الأوكسيجين في الشرايين السياسية الملوثة ببلادهم.
أولا: أن Doria بنى ثروته وإشعاع شركاته بنفسه، دون الاعتماد على القرب من السلطة أو من دوائر القرار للحصول على الصفقات، مما جعله في مأمن من كل ارتهان أو تبعية لهذا أو ذاك.
ثانيا: أن Doria وضع رجليه في أوحال المجتمع البرازيلي وكان يتواصل مباشرة مع المواطنين ومع الجمعيات ومع المناضلين بحزبه( الحزب الديمقراطي الاجتماعي)، بدون وساطات أو البقاء في الأبراج العاجية.
ثالثا: أنه كان من أشد المعارضين للتكلس البيروقراطي لتدبير الشأن العام سواء على المستوى المحلي أو الجهوي أو الفيدرالي. أي كان من الداعين إلى وجوب إدارة المدن والولايات والوزارات بعقلية المدبر الفعال للشركات، لتحقيق النجاعة وتحسين مناخ الاستثمار وجلب الكفاءات وإنجاز الأوراش وفق جدولة صارمة، وليس بعقلية المسارب البيروقراطية.
رابعا: أن سكان "ساوباولو" لم ينسوا الضريبةالتي دفعها والد João Doria ضد الديكتاتورية العسكرية،حين كان يشغل منصب برلماني فيدرالي. ذلك أن الوالد John Doria Neto، لما كان عضوا في البرلمان الفيدرالي، تزعم الجبهة البرلمانية الوطنية المنددة بالانقلاب العسكري ضد الرئيس الشرعي للبرازيل João Goulart، فما كان من الطغمة العسكرية إلا أن اعتقلته وصادرت ممتلكاته وأمواله، وتم نفيه إلى الخارج حيث استقر بباريس، وحينها كان "جواو دوريا" الابن مجرد طفل يافع.
الدليل على تآكل سردية خصوم Doria، أن هذا الأخير لما استقال من منصب عمدة مدينة "ساوباولو" عام 2018 للترشح لمنصب حاكم الولاية، حطم الأرقام وحاز على أعلى الأصوات وانتزع بسهولة المنصب، لأن الناخبين اختبروه حين كان عمدة ووقفوا على بصماته في تدبير الشأن العام.
وبقدر ما ارتفع سقف طموح Doria لمعانقة منصب رئيس جمهورية البرازيل، بقدر ما ارتفعت المكائد والدسائس وتحالفت شبكات المصالح، وحيكت المكائد، لقطع الطريق عن "جواو دوريا" للوصول إلى هذا المنصب، لأن ذلك قد يشكل تجفيفا لمنابع الفساد ووأد المصالح التي نسجت بفضل الولاءات الحزبية بين هذه العائلة السياسية وتلك وبين هاته المجموعات التكنوقراطية وتلك.
وهذا ماقاد João Doria عام 2022، إلى الإعلان عن قرار تخليه عن الترشح للرئاسة بالبرازيل، بل والانسحاب من الحياة السياسية والتفرغ لشركاته ولأعماله التجارية والمالية.
هذا القرار أحدث زلزالا في المجتمع البرازيلي الذي مازالت ارتدادته تهز البرازيل من حين لآخر بحثا عن من يعيد البهاء والبريق لمؤسسة رئيس الجمهورية، وهي المؤسسة التي تلاحقها اللعنات منذ 1990 إلى اليوم، إذ جرت العادة بالبرازيل أن نهاية الرئيس تكون نهاية مذلة: إما موشومة بالفضائح والفساد أو مطبوعة بالاضطرابات المصحوبة بإقالة الرئيس من مهامه، أو تكون النهاية مأساوية بإيداع الرئيس بالسجن.