vendredi 23 janvier 2026
كتاب الرأي

عبدالاله ابعيصيص: متلازمة بلعمان لفهم ما حدث في "الكان"

عبدالاله ابعيصيص: متلازمة بلعمان لفهم ما حدث في "الكان" عبدالاله ابعيصيص

متلازمة الخشخاش الطويل أو شقائق النعمان أو بلعمان باللهجة المغربية، في تقديري هي أقرب البراديغمات المناسبة لتحليل ومحاولة فهم ما وقع في الآونة الأخيرة. أقصد الانقلاب "اللاأخلاقي" الذي حاول الإطاحة بالمغرب في نهائي كأس أمم افريقيا. وهو الانقلاب الذي تحالف عدد من الأنظمة الإفريقية لإنجاحه. ونفذه بدهاء مدرب المنتخب السينغالي وكتيبته في لحظة حاسمة من المباراة النهائية.

 

متلازمة "بلعمان" ترتبط بحكاية قديمة للملك "تاركوين" الذي يقال أنه كان يأمر بقطع رؤوس زهور الخشخاش الطويلة كإشارة منه للتخلص من الأشخاص الذين يتطاولون أو يحاولون البروز عن الجماعة.

 

إنها وصف لنزوع بعض المجتمعات إلى معاقبة الأفراد الذين يبرزون بالنجاح أو التفوق، لا بسبب خطأ ارتكبوه، بل لمجرد تميزهم عن السائد. يقوم هذا السلوك على التشكيك في النجاح، والتقليل من قيمته، أو السعي إلى تحجيم صاحبه، بدعوى الحفاظ على المساواة أو الانسجام الجماعي. وتؤدي هذه المتلازمة إلى إضعاف ثقافة الاستحقاق، وكبح الطموح الفردي، وترسيخ مناخ يُكافأ فيه الامتثال أكثر مما يُحتفى بالإبداع والتميز.

 

ما حدث في اللقاء النهائي كان المشهد الختامي لانقلاب لا أخلاقي هندس له في الخفاء أعداء مفترضون للمغرب ونفذه باحترافية عالية المدرب السينغالي "ثياو باب" معه كتيبته. بدأت ملامح هذا السيناريو مع حفل الافتتاح وتوالت الإشارات. لكننا كنا من شدة انبهارنا بالنجاح الباهر للدورة منشغلين عن حقيقة ساطعة. في السياسة لا صديق دائم ولا عدو أيضا. وتتابعت الدسائس والخطط التي جندت لها وسائل إعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وكنا نعاين ذلك صباح مساء مراهنين ببعض السذاجة عن الاخوة الافريقية متناسين أننا في " حرب مفتوحة" على أكثر من جبهة وأكثر من جهة. التهم كانت جاهزة الملاعب غير جاهزة مرورا بافتتاح باهر لكنه مصطنع مختلقين أزمة تذاكر وعودة لخرافة القرعة الموجهة وكل ذلك مزين بغياب النزاهة وشراء ذمم الحكام؟

 

ورغم كل ذلك كانت كل المؤشرات تسير بهدوء نحو إعلان نجاح اسطوري للدورة...ولما فشل كل ذلك مر مهندسو الانقلاب الى السرعة القصوى بابتزاز مباشر. التخلي عن اللقب أو هدم الحفل على رؤوس الاشهاد...شخصيا عندما تابعت المباراة لم أصدق وانفعلت كأي حالم بالنصر. لكنني لم أعلق حتى هدأت لأتمكن من نفسي التي انفلتت مني في تلك اللحظة. ففي لحظات الغضب لا يمكن أن يكون الموقف سليما. ولا الرأي سديدا ...ولا التحليل معقولا.

 

والآن وأنا على بعد أيام من غضبي استطيع بكل ثقة أن أقول:" شكرا لمن هندس هذا المخرج الآمن"، فلا بأس "أن نخسر لقبا لنربح وطنا".

 

لقد نجح المغرب، رغم خسارة اللقب، في التنظيم أولا وفي تجسيد قيم تمغربيت بكل جلالها وكل تفاصيلها. ورغم الخسارة أيضا ولربما بفضلها التف المغاربة حول أنفسهم وضمدوا جرحهم وجرح أبطالهم الذين صنعوا هذا المجد الكروي رغم مرارة الهزيمة.

 

لكن حدث ما لم يكن في الحسبان.  برز على حين غرة منا جميعا خطاب عنصري مقيت...وانتشر كالنار في الهشيم. هو نار فعلا ومواقع التواصل بئس الهشيم. بدأ في هدم كل ما بناه المغرب لبنة لبنة، ورحلة رحلة واتفاقية اتفاقية...خطاب دعا الى تهجير الأفارقة إلى بلدانهم.... كما لو  أننا نازيون جدد؟؟ أي خطر هذا ومن أين أتى هؤلاء؟

 

فليس أخطر على أي نجاح وطني أو هزيمة من أولئك الذين يحوّلونه، بوعي أو بدونه، إلى وقود للكراهية والصدام. ففي اللحظة التي بدأ فيها المغرب يحصد ثمار استثمار طويل في الرياضة والبنية التحتية والدبلوماسية الإفريقية، خرج هذا الخطاب الداخلي المأزوم ليرى في كل إفريقي "عبئًا"، وفي كل علاقة جنوب-جنوب "تنازلًا"، وفي كل احتكاك طبيعي داخل القارة تهديدًا للهوية والسيادة.

 

هنا لا تصبح المشكلة في مواقف بعض الفاعلين داخل المنظومة الإفريقية أو سلوكات بعض الأنظمة المعطوبة، بل في الانزلاق الأخلاقي الذي يجعل من النجاح ذريعة لإعادة إنتاج منطق الإقصاء، بل والدعوة الصريحة أو الضمنية إلى تهجير الأفارقة، وكأن المغرب لم يكن يومًا جزءًا من هذا الامتداد الجغرافي والتاريخي والإنساني. إن دعاة هذا الخطاب لا يدافعون عن المغرب، بل يُضعفونه. لأن المغرب الذي راهن على إفريقيا، اقتصاديًا ورياضيًا وثقافيًا وسياسيا، لا يمكن أن ينجح بعقلية الحصار ولا بخطاب التفوق الأخلاقي الزائف. منطق "نحن نُموّل وهم يستفيدون"، أو "نحن ننظم وهم يعرقلون"، ليس تحليلًا سياسيًا، بل تبسيط عدائي يعكس قلقًا داخليًا أكثر مما يعكس قراءة واقعية للتوازنات.

 

إن استحضار هذه المتلازمة لا يعني فقط محاولة تفسير بعض ردود الفعل الإفريقية تجاه صعود المغرب، بل أيضًا لفهم سلوك داخلي أخطر، الرغبة في تحويل التفوق إلى أداة لقطع الجسور بدل توسيعها. النجاح، حين لا يُحاط بالتعقل، يتحول من قوة ناعمة إلى استفزاز مجاني. أما كأس الأمم الإفريقية، التي يُراد لها في بعض الخطابات أن تكون ساحة تصفية رمزية للحسابات، فهي أكبر من ذلك بكثير. الكان ليست امتحان "من يستحق إفريقيا"، ولا مسرحًا لإثبات التفوق الحضاري، بل فضاء مشتركا تتعلم فيه القارة إدارة تنافسها دون أن تنقلب على ذاتها.

 

القول بأن "إفريقيا تحارب المغرب" قد يكون توصيفًا مريحًا نفسيًا، لكنه سياسيًا تحليل كسول وخطير. الأخطر منه هو الرد عليه بخطاب يقول ضمنًا "إفريقيا لا تستحقنا". هذا المنطق، إن تُرك دون مساءلة، يقود حتمًا إلى القطيعة، ثم إلى العزلة، مهما بدا في لحظته صاخبًا ومطمئنًا للبعض. لقد بدل المغرب مجهودا استثنائيا وخارقا ليعود إلى حضنه الطبيعي بعد قطيعة طويلة ومقاطعة نتيجة نظرة أملتها سياقات قديمة.

 

إن دعاة تهجير "إخوتنا" الأفارقة، يعبرون عن قلق فردي ذاتي لا يعني "الجماعة المغربية" التي كانت دائما وستظل أبدا فاتحة أذرعها لأبناء هذه الأرض. فالمغرب دوما وأبدا كان وسيظل أرض عبور وملاذ معا. مواقف الدول والمجتمعات لا تبنى في لحظات الغضب. لذلك ينبغي مواجهة هذا المد العاطفي "الشاذ" بهدوء وصرامة في نفس الوقت. كيف يمكن لدولة جعلت من العمق الإفريقي خيارا استراتيجيا أن تتبنى خطابا يجرد الأفارقة من إنسانيتهم؟ وكيف يمكن لمن يحتفل بنجاح مغربي في إفريقيا أن يرفض الوجود الإفريقي داخل المغرب؟ هذا ليس دفاعا عن السيادة، بل تناقض صريح مع منطق الدولة نفسها. وطبعا كل ذلك لا يتنافى مع الدفاع عن تطبيق القانون في حالات التجاوز.

 

التعقل هنا ليس ضعفا، بل وعيا بأن القوة الحقيقية لا تحتاج إلى الصراخ، وأن المغرب، إذا أراد أن يظل فاعلا محترما داخل القارة، فعليه أن يميز بين النقد المشروع والتحريض المغلف بالوطنية. فالأول يُقوي الموقف، والثاني ينسفه من الداخل. إن المعركة ليست ضد إفريقيا، ولا داخلها، بل ضد اختزال السياسة في الانفعال، وضد تحويل النجاح إلى مبرر للإقصاء. المغرب لا يحتاج إلى رفع الجدران ليحمي ذاته، بل إلى رفع مستوى خطابه حتى يظل نجاحه مصدر إلهام، لا سببا للعداء.