vendredi 23 janvier 2026
كتاب الرأي

أبو أيمن الفارح: عندما يتحول حدث رياضي إلى ساحة معركة في حرب هجينة

أبو أيمن الفارح: عندما يتحول حدث رياضي إلى ساحة معركة في حرب هجينة أبو أيمن الفارح

لم تعد المنافسات الرياضية القارية أو الدولية ، كما هوحال كرة القدم، اليوم، مساحات للرياضة والفرجة والفرحة والتنافس الشريف وتوسيع دائرة التعارف والتلاقح الثقافي والحضاري بين الامم والشعوب ، بل تحولت إلى واجهات لاستعراض القوة وفضاءات لتصفية الحسابات بين الدول.

لقد جسدت منافسات كأس الأمم الإفريقية لكرة القدم التي تم تنظيمها بالمغرب مؤخرا هذا المنحى العنيف للرياضة. لقد بلغ العنف أقصاه من خلال توظيف كل التهديدات الهجينة وفي مقدمتها الإعلام من وسائل ووسائط التواصل من اجل تجييش كل القوى المعاكسة لطموحات المغرب ونجاحاته، افرادا وجماعات،  في حملات تهدف إلى ضرب الحدث ونسفه على كل المستويات وذلك من خلال:

التشكيك في مصداقية طواقم تحكيم المباريات؛

التشكي من برمجة المقابلات؛

التشكي من ظروف الإيواء والاستقبال؛

جاهزية البنيات والتجهيزات الرياضية؛

وغيرها من التشكيات الباطلة، التي لا اساس لها من الصحة حسب الخبراء في الرياضة وفي المجالات المرتبطة بها وباعتراف الزوار بكون المغرب المؤهل لاحتضان منافسات كأس العالم 2030  يتوفر على ملاعب ومرافق رياضية وتجهيزات من اجود واحسن ما يوجد في عالم اليوم. الحملة المسعورة التي قامت بها وقادتها دول لا يمكن لها حتى مجرد التفكير في مقارنة ما تتوفر عليه مع ما هو متوفر في المغرب وفي كل الميادين، حملة مفضوحة ، بل عملية عدائية تدخل في دائرة الحرب الهجينة التي يتم اللجوء إليها، بعد الفشل في المواجهات الميدانية المباشرة  في الحروب التقليدية والمواجهات المسلحة.

 الحرب الهجينة

الحروب اليوم لم تعد تلك المعارك العسكرية  التقليدية المسلحة ، ومعركة "ساليگان" الخاسرة،  وليس قدحا ان اسميها كذلك لأن الوقائع تؤكدها، تصنف في إطار حرب هجينة تشنها الجزائر ضد المغرب منذ أزيد من نصف قرن، ولعل من اكبر محطاتها العمليات الإرهابية التي تجسدها عملية طرد حوالي 350 الف مواطن مغربي مسالم من ديارهم وصودرت ممتلكاتهم وكانوا يعيشون في مناطق و ارض عرفت بانتماءها للمغرب، في يوم عيد اضحى من سنة 1975، وما تلاها من تفجيرات إرهابية في مراكش البهجة في بداية التسعينيات. قد يكون غرر بالسينغاليين في واقعة الكان ، لكن اصبح شبه مؤكد بان هؤلاء سقطوا في فخ الارتزاق.

المعركة في "الكان" كان الهدف منها:

تشويه صورة المغرب؛

التشكيك في نجاح الحدث؛

زرع الفتنة وزعزعة عقيدة الوطنية للشعب المغربي؛

ضرب سمعة المغرب والتشكيك في قدراته وفي مصداقيته؛

إن من أهم ادوات ورافعات الحرب الهجينة يندرج:

- الإعلام بكل روافده لما يمكن ان يروجه ويسوقه من أخبار زائفة، مغلوطة وتاويلات وتعليقات نفرغ الخبر والمعلومات من محتواها الحقيقي و توجيهها توجيها خاطئا مقصودا، وبث خطابات الكراهية والحفد.

-الحقل الاجتماعي: تشجيع العنف اللفظي والجسدي بين الجماهير في الملاعب وفي الشارع ورفع درجة الاحتقان    من خلال توظيف الانتماء العرقي والديني والسياسي واللون.

-المستوى الاقتصادي: المس بالجاذبية السياحية البلاد وكذا الاستثمارات الخارجية.

-المستوى السياسي: التشكيك في شرعية المؤسسات السياسية للبلاد وفي رموزها والتشويش على علاقة التلاحم بين العرش والشعب.

من اجل هذه الأهداف وفي هذا الإطار توفر الرياضة عموما و كرة القدم خصوصا، الأرضية المثالية والمناخ الملائم للتلاعب بالجماهيرعاطفيا، وتجنيدها وتوجيهها للقيام بممارسات تحقق اهدافا مرسومة سلفا، وتوفر منصة إعلامية قوية تصل إلى أبعد النقط جغرافيا وإلى اكبر عدد من البشر. الهدف استراتيجي ولاجله يتم خلط الرياضة والسياسة والأمن.

العامل الإقليمي والفشل العسكري

يبقى الموقع الجغرافي والقرب الجغرافي بين الاطراف، والانتماء الإقليمي من العوامل القوية التي تخلق الصراع حول الزعامة الإقليمية، في ظل وضع يعرف جمودا على مستوى العلاقات بين الدول المشكلة لما يسمى بالمغرب العربي في شمال إفريقيا، جمود تغلي دواخله بشكل مقلق، وشرارة مواجهة عسكرية مسلحة غير مستبعدة حسب المهتمين بالشان الأمني العسكري ولدى الدوائر صاحبة القرار، وهو ما يفسر السباق المحموم نحو التسلح بين الجارين العدوين، المغرب والجزائر، من اجل زعامة إقليمية نتأكد للمغرب، يوما عن يوم، بحكم تدبيره الجيد لموقعه الجيوستراتيجي ورصيده التاريخي والحضاري الكبير على مستوى العلاقات الدولية، سواء مع الغرب الأوروبي وأمريكا او مع الشرق العربي والإسلامي وحتى العلاقات التاريخية مع روسيا والصين، هذه الأخيرة التي كان المغرب من مسانديها من اجل حصولها على الموقع المستحق في الأمم المتحدة. ريادة المغرب إفريقيا وفي شمال إفريقيا تحديدا، في ميادين مختلفة، صناعية وخدماتية، هي تحصيل حاصل؛ فالمغرب في مرتبة رائدة في صناعة السيارات وموانئه ومراسيه لها مكانتها المتقدمة في الشحن والتبادل التجاري البحري، ناهيك عن القطاع البنكي والمالي الذي بات يملك نصيب الاسد في السوق المالي الإفريقي. ويبقى الاهم حضوره السياسي الوازن من اجل السلام والأمن في العالم.

قضية الصحراء التي تلقي بضلالها على العلاقات في المنطقة وعلى مستوى القارة عرفت تطورات متسارعة تسير في اتجاه حل نهائي لصالح المغرب، خصوصا مع الاعترافات المتزايدة بسيادته على صحراءه ويدعمه في هذا، قرار مجلس الامن الدولي 27.97 ، لكن دولة الجزائر حاضنة البوليساريو وممولته ومديرة اموره ومقررة مصيره لا تضع في صلب اهتمامها قضايا حقوق الإنسان والمحتجزين الصحراويين المغاربة إلى جانب شرذمة من المغرر بهم واللاجئين الهاربين من الفقر والحروب الأهلية في دول الساحل وجنوب الصحراء، كما إنها عاجزة عن إنتاج أو بلورة مشروع مجتمعي- سياسي من اجل دولة جزائر حديثة العهد بالولادة ، هذا العجز مع مزيج من الغيرة والحقد يجعلها تصرف انظار شعب الجزائر المقهورعن قضايا استنزاف خيرات وجهود بلاده.

الفشل العسكري-

إن الفشل العسكري الجزائري منذ بناء الجدار الأمني وآخر العمليات العسكرية المباشرة للگرگرات وبالموازات معه، سياسيا كذلك، صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 27.97 مع وجود الجزائر عضوا غير دائم فيه ولم تجرؤ على رفض القرار واكتفت بالامتناع عن التصويت وهو الموقف الذي له دلالاته الكبيرة في السياسة الدولية ، هذه عوامل رئيسية تجعل الجزائر في حالة ضياع  وتيه على درب البحث عن كل ما من شأنه أن يشفي غليلها ويلهي شعب الجزائر عن فشل الدولة والنظام بالمقارنة مع نجاحات المغرب.

-على المستوى الرياضي

نجح المغرب في بناء مركبات رياضية مجهزة تجهيزات بمواصفات عالية تستجيب لأعلى المعايير، أكاديمية محمد السادس اصبحت منارة في عالم كرة القدم العالية وتساهم في تطوير اللعبة وطنيا ودوليا، وتكفي الإشارة إلى بطولة كأس الأمم الإفريقية لكرة القدم، جهزت لها في فترة زمنية قصيرة جدا، تسعة ملاعب بمواصفات عالية ومرافق بآخر التجهيزات المطروحة في السوق العالمي بصرف النظر عن وسائل المواصلات ومراكز الإيواء وملاعب التدريب وما توفره المدن المغربية من أنشطة ترفيهية وثقافية تجعل الجمهور والزوار في وضع إشباع لكل متطلباته بل إن الوضع والعرض الفرجوي  السياحي يفوق انتظاراته وتوقعاته.

اما على مستوى النتائج التي تم تحقيقها منذ الإقلاع الذي عرفته كرة القدم المغربية على مستوى كل الفئات، ذكورا وإناثا، فيكفي كون المغرب بطل العالم للشبان، وحائز كأس إفريقيا للمحليين وصاحب الميدالية البرونزية الالعاب الأولمبية وكان في المربع الذهبي لكاس العالم للكبار، هذه الإنجازات جعلت الجزائر في وضع لا تحسد عليه، داخليا وخارجيا، وكان من الطبيعي ان تخفي رأسها في رمال عقيدة العداء للمغرب، متمسكة بها في انتظار معجزة طبية تنهي معاناتهم النفسية والجسدية. ماجرى في "الكان" ليس سوى محطة اخرى خاسرة في حرب هجينة، تضاف إلى معارك اخرى تخسرها على درب التطور والنماء وهي في طريقها إلى الاضمحلال والتلاشي.

 

لا يجب التقليل من حجم الأحداث التي تقع في المغرب والتي هي في مجملها في ارتباط وثيق مع الجار الذي قدر لنا أن يحشر بجوارنا و اعتبارها احداثا معزولة ، بل يجب وضعها في إطارها الصحيح باعتبارها حربا هجينة تتجاوز المعطى الأمني إلى ما هو ابعد واعمق وبالتالي يتحتم إعلان التعبئة الوطنية من اجل إعداد استراتيجية جديدة تأخذ بعين الاعتبار الجوانب الإعلامية وما تستوجبه من تنقية وإزالة للطفيليات والزوائد، الجوانب المؤسساتية وخلق أجهزة مهمتها وضع العدو على رادار المراقبة ليا نهار وفي كل الفصول والمناسبات وعلى مستوى أكثر أهمية إعطاء ما يجب من اهتمام من أجل تقوية اللحمة والوحدة الوطنية والتضامن على كافة المستويات، من اجل حماية المواطنين من الهشاشة وضمان حياة كريمة لهم تغنيهم عن التسول والبحث عن مساعدة الغيرالذي يبقى دائما على أهبة الاستعداد لوضع السم في الدسم. لقد ابانت الأحداث الأخيرة بان هناك من المغاربة من يتم التغرير بهم وتجنيدهم ضد مصالح الوطن العليا، سواء بسبب الفقر والهشاشة او لكونهم يبحثون عن الشهرة والبوزوهم  يفتقدون للوعي والحس الوطني الذي يشكل مصلا ضد كل الجراثيم والميكروبات السياسية ، هذا الحس الوطني الذي غاب في مقرراتنا الدراسية ، كما يغيب في ممارسات وسلوكيات النخبة التي اصبح اكبر همها الربح المادي وإن على حساب مستقبل الوطن.